البورصة السياسية في الشارع الأردني تنتظر على أحر من الجمر صدور قانون الانتخابات العصري الجديد. وبموجب ما ذكره بعض المسئولين في حكومة المهندس علي أبوالراغب، فإن يوم الثلاثاء (أي أمس) هو موعد صدوره، حيث ستقره الحكومة في اجتماع لها. فقد أعد وزير الداخلية، بالتعاون مع الجهات المختصة، مسودة مشروع القانون، ورفعها الى مجلس الوزراء وديوان التشريع، حيث يجري تعديله وتكييفه. ويبدو أن مجلس الوزراء الذي يقر مشروع القانون بصفته التنفيذية، ويشرع لها في غياب مجلس النواب، قد انقسم في الرأي حول بعض النقاط. وهذا أمر متوقع، نظراً لحساسية القانون، وطبيعته المؤقتة، وتأثيرها على شكل مجلس النواب الذي سينتخب بموجبه وتوجهات هذا المجلس. ومن الواضح ان المسألة الأولى ذات الاثارة هي قضية الصوت الواحد. وقد أدخلت هذه الفكرة على مشروع قانون 1993، وأدت الى هبوط التمثيل الذي تمتعت به الحركة الاسلامية بموجب تعدد الاصوات للناخب، والتي كانت مضمنة في قانون 1989. وبموجب ذلك القانون، فقد تم تقسيم المملكة الى عدد من الدوائر الانتخابية، تتفاوت في عدد الممثلين لها حسب تعداد سكانها. وهكذا فقد يقوم ناخب في الكرك مثلاً بتسمية (تسعة) نواب، بينما يختار ناخب الزرقاء (ستة)، وناخب الدائرة الثالثة في عمان (خمسة). ويتم اختيار النواب الذين فازوا بأعلى الأصوات في تلك الدائرة. أما بموجب قانون (1993)، فقد تم تعديل القانون ليسمح باختيار نائب واحد فقط لكل ناخب بغض النظر عن حجم التمثيل لتلك الدائرة. وهكذا تساوى عدد الاصوات التي يمكن طرحها لكل مواطن. ولكن الأحزاب وبعض أنصارهم رأوا في نظام الصوت الواحد هذا اجحافا بحقهم، وتفضيلا لنظام العشيرة عليهم، وألحوا في طلب التعديل. ولقد أدى رفض الحكومة وكثير من النواب لهذه الفكرة الحزبية، الى انسحاب الحركة الإسلامية من انتخابات عام 1997، وهو أمر ادى الى إحداث شقاق داخلها، وانشقاق في صفوفها لا تزال تعاني منه حتى الآن. وهكذا، فإن الحكومة تحاول في مشروع القانون ان تصل الى حل توفيقي يؤدي الى تقسيم المملكة الى أكبر عدد ممكن من الدوائر الانتخابية المتقاربة في عدد المقاعد في مجلس النواب، وحيث يسمح لكل شخص باختيار نائبين من المرشحين عن دائرته. وهذه نقطة جدلية داخل مجلس الوزراء. أما النقطة الأساسية الثانية فهي النظرة الى نظام «الكوتا» أو «الحصص». ومنذ ان بدأت الانتخابات البرلمانية في الأردن في العشرينيات من القرن الماضي، ونظام «الكوتا» موجود لثلاث فئات إثنية ودينية وهي حسب القانون الحالي ستة مقاعد لعشائر البادية مقسمة بالتساوي بين عشائر الشمال والوسط والجنوب، وتسعة مقاعد للمسيحيين، وثلاثة مقاعد للشركس والشيشان. وبموجب نظام الكوتا، فإنه لا يسمح لأبناء هذه الفئات ان يرشحوا انفسهم خارج الكوتا. ويرى كثير من الأردنيين، ومنهم الكاتب، ان نظام الكوتا يجب ان يلغى كلية. ولكن الكثير من الليبراليين يرون ان نظام الكوتا مفيد لزيادة الحصة النسائية في البرلمان، أو لدعم تمثيل الأحزاب. ويبدو ان مشروع القانون الجديد سيبقى نظام الكوتا على حاله بدون تعديل أو زيادة فئات جديدة كالنساء والأحزاب. أما المسألة الثالثة فهي عدد المقاعد في البرلمان. ويبلغ عدد أعضاء مجلس النواب الحالي ثمانين (80)، ومن المتوقع ان يزداد هذا العدد الى مئة، لإنصاف بعض المناطق التي زادت حصتها النسبية من عدد السكان دون انقاص عدد المقاعد التي خصصت لدوائر انتخابية قلت نسبة السكان فيها الى مجموع كل سكان الأردن. وليس واضحا حتى كتابة هذا المقال كيف سيتم توزيع المقاعد الاضافية. ومن الواضح ان تمثيل منطقتي عمان والزرقاء هو الأدنى بموجب الوضع الحالي قبل القانون الجديد. ولا تزال التكهنات حول موعد الانتخابات، والاجتهادات والقرارات القانونية حارة في السوق السياسية الاردنية. وقد كان الوضع كذلك حارا بالقراءة والتنبؤات حول التمديد لمجلس النواب السابق، وحول تأجيل الانتخابات، وحول صدور قانون جديد أم الحفاظ على القانون الحالي. ولكن الملك عبدالله الثاني بن الحسين حسم كل هذه التنبؤات لصالح الديمقراطية، فقد حل مجلس النواب ليفسح المجال للحركة السياسية، وطالب بوضع قانون عصري من الحكومة، وليس عندي شك في انه سيعلن الانتخابات في موعدها. وفي تقديري ان هذا هو الموقف الأهم، وذلك لأن شائعات التأجيل تعتمد نظرية الخوف من هذه الانتخابات وما قد تفرزه من ميول متطرفة. ولن يقبل الملك عبدالله بمثل هذه الاشاعات التي تملأ السوق بدون مبرر، بل سيتحداها لدعم الثقة في الأردن. بقلم: د.جواد العناني