قام عمرو موسى الأمين العام الجديد للجامعة العربية بزيارات سريعة الى منطقة الخليج، قدم خلالها تصوراته عن إعادة التركيب البنيوي للجامعة، مع إضافات جديدة مقتبسة من النظام الهيكلي للأمم المتحدة، ولائحة بأسماء مرشحين تتعامل معهم الجامعة كمفوضين لقضايا واضحة، تحدد مسئوليات يقوم بها هؤلاء المفاوضون ولفترة قد تطول أو تقصر، وانما لا تأخذ صفة الديمومة. ومنذ مجيء الأمين العام الجديد الى الجامعة، تركزت الاهتمامات الاعلامية على ما يدور فيها، وما يصدر عنها، وما يثار حولها، وما يقال عن الديناميكية التي استحضرها عمرو موسى الى مسرح الجامعة الهاديء. لا اشك لحظة بخصوبة فكر الأمين العام الجديد، ولا بفاعلية نشاطه، وسرعة تحركاته، فقد عرفت عمرو موسى في أروقة الأمم المتحدة، كان مستشاراً، ثم نائباً، ثم سفيراً يعرف ممرات المنظمة الدولية، وتذوق طعم الدبلوماسية الجماعية، ووقف على الأبعاد الدولية للقضايا المثارة في الأمم المتحدة. كان محارباً من الطراز الأول، لا يهدأ له بال إلا بالنصر، يتذوق الانتصار ويرتاح للمبارزة الدبلوماسية، شاهدته صديقاً، وزميلاً، يصارع المتطرفين من الدول العربية الذين حاولوا طرد مصر من عدم الانحياز، وحاولوا تلطيخ سمعتها في المحافل الدولية. كانت مصر تعتمد على وفد ثلاثي يتكون من بطرس غالي، عصمت عبدالمجيد وعمرو موسى، كل من هؤلاء له طريقته في الدفاع عن مصر، بطرس غالي يلجأ الى آلية اللغة الفرنسية ويتحدث بها، استمع اليه وأتصور بأنني اتابع مداخلات ديجول عن فرنسا، وعصمت عبدالمجيد هادئاً وقوراً، يمتص الكثير من اسفافات ثوار الأمس، كنت أشفق عليه خوفاً على صحته، وأحسده على صبر أيوب الذي يتسيد حضوره، عمرو موسى جنرال المداخلات، يكيل الصاع ألف صاع، سمعته في هافانا في جلسة ماراثونية امتدت حتى الرابعة صباحاً، وشاهدته في المؤتمر الاسلامي في الكويت يرد بلغة الشعر، يقتبس من أمير الشعراء احمد شوقي، وكأنه يذكر الحضور بأن البلد الذي يضام انتج عبقريات مثل شوقي، ثم يعود الى حافظ ابراهيم، كان يطوي قميصه على ذراعيه في قاعات نيودلهي في عدم الانحياز في بداية الثمانينيات، يرد على المداخلات البايخة للمعترضين العرب الذين يلاحقون مصر في كل تجمع. وكنت، احيانا، اتحمس للانضمام الى صفوف عمرو موسى رغم عدم حاجته الى صوتي، فقد احسست بالضيق من الائتلاف العربي المعارض، وشاهدت ضجر الافارقة من صبيانية الوفود العربية في تلك المؤتمرات. وخلال توليه قياد، الدبلوماسية المصرية، استمر في توجهه الاعلامي والسياسي، رغم ثقل المهمة وحالة الاعياء التي يسببها العمل المتواصل، ووجد في مسيرة المفاوضات والاتصالات الحلبة التي فقدها منذ غادر الامم المتحدة، ليدخل في جدل طويل وشبه يومي مع الدبلوماسية الاسرائيلية. كان أداؤه مناسبا لها، ومؤثرا فيها، واكتسب شعبية في الاوساط الجماهيرية لأنه عرف كيفية العزف على الوتر المثير لحماس الناس. شاهدته في مؤتمر مدريد للسلام يقود الفريق المصري، وعلى غير العادة، وبأسلوب خاص، ادخل ضمن الوفد المصري فعاليات فكرية مصرية لها مواقف سلبية من عملية السلام، كان المرحوم لطفي الخولي، والدكتور صلاح عامر، ومجموعة كبيرة من اصحاب الرأي والكفاءة، ادخلهم في مسيرة المفاوضات، وأخذهم للقاء مع شامير رئيس الوزراء الاسرائيلي آنذاك، وعرف عمرو موسى كيفية الاستفادة من مواهب الآخرين، وكيفية توظيف قدراتهم للاستفادة من خبراتهم. وبهذه الظاهرة التي يملكها، يسعى الامين العام لضم فريق من الكفاءات العربية في مختلف المجالات كمفوضين، ليسوا موظفين، وعلى طريقة الامم المتحدة، منهم من يتولى مهمات انسانية كسفراء خير وبناء، ومنهم من يتحمل اعباء مهمات سياسية، ومنهم من يساهم بفكره وبتجلياته الابداعية. ولا جدال بأن عمرو موسى يستحق الدعم في هذا النهج الذي تبناه، لأنه يريد ان يخرج الجامعة من قيود اللوائح ويوسع عملها، لتطال الجوانب الحياتية وشئون الدنيا بما في ذلك القضايا المؤذية للمجتمعات العربية. هل ينجح عمرو موسى؟ وهل يريد تشييد لوحة سيريالية جديدة للجامعة، وهل ما نراه كرنفالا اقتبسه الأمين العام من منظمات تختلف في الصلاحيات والبيئة والامكانات؟ الكل يطرح مثل هذه الاسئلة، مع الادراك بأن الوقت ما زال مبكراً لإصدار احكام على التشريعات المقترحة للجامعة العربية، ومع ذلك لابد من الاشارة الى المحاذير التي على عمرو موسى ان يدخلها في اعتباره، ومنها على سبيل المثال وليس الحصر: أولاً: الاعتراف بأن ضعف الجامعة مصدره الدول الاعضاء الذين يملكون العطاء أو الجفاء، وهي مرآة عاكسة للوضع العام للدول العربية، ومعبرة عن الحجم الذي تسمح به هذه الدول لجامعتهم في التحرك، وهم الذين يصونون بنود الميثاق ويحافظون على مبادئه، أو يخذلونه وينتهكون مبادئه. في العاشر من اغسطس 1990، وعند كارثة الغزو العراقي على الكويت، التزمت فقط اثنتا عشرة دولة بالميثاق ودافعت عنه، وتملصت باقي الدول تحت اعذار واهية، وعانت الجامعة، وما زالت من تلك الكارثة، ولن يستطيع عمرو موسى ان يصلح الانظمة في الدول الاعضاء، لأن التقصير منها، وفك الارتباط من بنود الميثاق جاء من هذه الدول. يستطيع الامين العام ادخال الاصلاحات الداخلية لبناء الجامعة، لكن المهم هو موقف الدول وارتباطاتها وسياستها وهو امر لا يمكن اصلاحه من قبل الامانة العامة. ثانياً: هناك مسببات للبرود التي تتسم بها علاقات الدول الاعضاء بالجامعة، فلن تقبل الدولة العضو تسخير مصالحها لصالح الجامعة، ولن تقبل قرارا يتعارض مع مفاهيمها، وتتصور الدول الاعضاء او بعضها ان الجامعة العربية استسلمت لسوء استغلالها من قبل البعض سواء في المواقف السياسية، او في الاستفادة من الجامعة لأهداف استراتيجية وطنية، أو توظيف كبار المسئولين مكافأة لهم أو نفيهم الى مكاتب مجهولة في مبنى الجامعة، وقد شاهدت حالات في الستينيات فرضت فيها دولة المقر سياسات لا تتفق مع المصالح الجماعية العربية. ثالثاً: غابت الواقعية عن الخطاب السياسي للجامعة العربية وتسللت الى مصطلحاتها المفردات التي لا علاقة لها بواقع العلاقات بين الجامعة العربية والدول الاعضاء. تظل الجامعة العربية منظمة تتشكل من دول مستقلة لها سيادة ولها مصالح احيانا تلتقي واحيانا تتباعد، بسبب مواقعها الجغرافية ومرئياتها السياسية واستراتيجيتها. ومن المفيد للأمين العام ان يعمل على توسيع دائرة المصالح المشتركة، ويسعى الى تجديد الحماس تجاه الجامعة، مع الابتعاد عن الملفات العويصة التي افرزتها التناقضات في المصالح والأولويات. رابعاً: اتصور بأن الجامعة العربية بحاجة ملحة الى رد الاعتبار بواسطة تقديم وثيقة القيم والالتزام المستخرجة من ميثاقها، والتي يجب ان تشكل مسئوليات العضوية المفروضة على الدول الاعضاء، والمتضمنة اجراءات الحرمان من العضوية وتعليقها، وإنهائها عند التمادي في تبني سياسات تتعارض مع مباديء الميثاق. غير معقول ان تحافظ دول عربية تلجأ الى القوة في غزو دولة اخرى سواء عضو في الجامعة أو من خارجها، على عضويتها في الجامعة، وسط استكانة اثرت على مصداقية المنظمة. ويجب ان تتضمن لائحة القيم على التزام الجميع بنظام سياسي انساني يحمي حقوق الانسان ويرحب بمشاركته ويحافظ على احترام المواطنة، وينسجم مع التبدلات العالمية نحو الانفتاح. اتخذت منظمة الوحدة الافريقية قرارا بعدم قبول اي نظام يأتي عن طريق الانقلابات، واشترطت حدا معقولا من الانفتاح البناء في عضويتها. خامساً: لا تحتاج الجامعة العربية الى اضافات جديدة في هيكلها، ولا داعي لانشاء مؤسسات تزيد من الاعباء السياسية والمالية والبيروقراطية دون عائد مقبول، وانما تحتاج وبشكل سريع الى خلق اجواء مريحة بين جهازها وبين الدول الاعضاء التي شاهدت حالات كثيرة يتجاوز فيها جهاز الامانة صلاحيته، وتفاجأ الوفود بمسودة قرارات غير متفق عليها، أو أرادت الدول الاعضاء تأجيلها. ومن المنتظر ان يعالج الامين العام الجديد هذا الوضع المسكون بالشك وعدم الارتياح بالالتزام بما تتفق عليه الدول وعدم تجاوزه دون تحريفات أو اضافة تفسيرات غير مقبولة. سادساً: لابد من التأكيد من قبل الامين العام الجديد بأن عضوية الامانة العامة ليست اوتوماتيكية لكل من نطق لغة الضاد، كما يقولون، وليست مفتوحة تلقائية لكل الدول العربية، كما ان عضويتها ليست مؤبدة، وانما تخضع للوفاء بشروط حددها الميثاق، والالتزام بها، وجعلها منهجاً في سلوك الدولة العضو، وليس من قدر على دفع حصته المالية يحق له التستر وراء الشرعية العربية التي توفرها العضوية بصرف النظر عن الشرعية الوطنية والدستورية لهذا النظام، وانما تخضع العضوية الى سلوك ملتزم وشفافية في الدبلوماسية الخارجية والنهج الداخلي. ونستذكر هنا عضوية الاتحاد الأوروبي، فليس كل من تواجد في أوروبا وجد الباب مفتوحاً له، وانما هناك شروط على العضو تلبيتها قبل النظر في طلبه. ستظل تركيا تصرخ على الباب الاوروبي لعقود وسيظل غيرها، لا يتجاوز باب الدخول، إلا المؤهل المقتنع فكراً وسلوكا بهذه الشروط. سابعاً: لابد من ان يراعي الأمين العام حق الدول الأعضاء في التواجد في الجامعة بالاستعانة بالخبرات الجماعية من الدول الأعضاء، بدلاً من التركيز على دول المقر، أو على دولتين أو ثلاث تستأثر بالمناصب وتسعى الى تسريب سياستها الى واقع الجامعة على حساب الآخرين الذين يشكلون العمود الفقري لتحرك الجامعة المالي والمعنوي، ولابد أيضاً من انهاء احتكار المناصب لدول معينة، والعمل على الانتقاء وفق الكفاءة دون مراعاة الخواطر. وأعتقد ان الأمين العام سيواجه تكتلات داخلية من الجهاز الحالي، وسيصطدم ايضا ببعض الحكومات التي تسعى لتأمين مواقع سياسية لها داخل فكر الجامعة. ثامناً: وأخيراً الحكمة تفرض الهدوء وتبني الدبلوماسية الهادئة، بعيداً عن الضوضاء والمنشيتات، في التعامل مع بؤر التوتر في العالم العربي، ويشترط هذا النهج ان يحتفظ الأمين العام لنفسه بكوكبة من الحكماء القادرين على معالجة هذه البؤر ونزع فتيلها عن طريق الاحتكام الى العقل وأخذ المبادرات في تقديم مقترحات عملية وواقعية وموضوعية تعالج المشاكل المزمنة. وربما من المناسب التذكير بأن الحالة في جنوب السودان، ومآسي الأقليات في العالم العربي تستحق من الجامعة ومن حكمائها البحث عن حلول تراعي حقوق الاطراف كلها، وتراعي في نفس الوقت، السلامة الإقليمية والسيادية للدول الأعضاء. مشوار عمرو موسى لم يبدأ بعد، ونحن مع مساعيه في الابتكار والتطوير، ولكننا ندرك ثقل المهمة التي يتحملها. بقلم: عبدالله بشارة