بعد أكثر من مئة عام على تكامل الوجود العربي بأمريكا أصبح لذلك الوجود آثاره الواضحة، حيث برز جليا الأداء الإيجابي للمجتمعات العربية في الانتخابات الأمريكية الأخيرة، وهو الأداء الذي اعتبر علامة نضج فارقة في تاريخ عرب أمريكا. وحاليا تنشط دراسات من زوايا متباينة تتقصى جذور ذلك الوجود، وتحاول ان تحلل امكانياته وتستشرف آفاقه. وبينما ينشغل بعض علماء الآثار في استعراض دلائل عراقة الوجود العربي بأمريكا، حيث يرده بعضهم إلى عهد سابق لعهد قدوم الأوروبيين إليها، فإن بعض علماء الأنثروبولوجيا والاجتماع ينشغلون بدراسة وتحليل أنماط شتى من سلوكيات وأداء المجتمعات العربية الحاضرة المتمركزة بحواضر أمريكا الكبرى شأن ديترويت وشيكاغو ونيويورك ونيوجيرسي ولوس أنجلوس وسان فرانسيسكو وسينسيناتي، ويقارنون ذلك الأداء بأداء الجاليات العديدة الأخرى التي تزخر بها أمريكا. من هذه اللونية الأخيرة من الدراسات أصدر الأكاديمي الانثروبولوجي الأمريكي البارز دكتور نبيل ابراهام كتابه الذي نعرض له والذي نشرته جامعة ولاية واين بديترويت، ولقي رواجاً واسعاً في الأوساط الاكاديمية المتخصصة، ووسط القراء العاديين، إذ ان منهج الكتاب وصياغته وأسلوبه أرضت جميع أنواع القراء. في أربعينيات القرن الماضي، كان يوجد بالولايات المتحدة كلها نحو مئتي ألف عربي، أما الآن ففي ديترويت وحدها يوجد نحو ذلك العدد من العرب، وقد أدى هذا التكاثر في العدد ـ ضمن عوامل أخرى ـ إلى اضعاف عملية الذوبان في الثقافة الأمريكية، وإلى قدر أكبر من التماسك القومي العربي وسط أولئك المهاجرين. كان «دون يونس» أحد أفراد الجيل الثاني من المهاجرين إلى ديترويت، قدم أبوه إليها عام 1917، ونما «دون» ـ وهو اسم متأمرك ـ وترعرع في رحاب ضاحية «ديربورت» خلال عقدي الأربعينيات والخمسينيات. كان ذلك الزمان عسيراً على عرب ديترويت حيث اضطروا فيه لتغيير أسمائهم وإنكار أصولهم من أجل الحصول على الوظائف العامة، وبعد تقديم تلك التضحيات الباهظة استطاع دون يونس ان يجد وظيفة في مركز الاطفاء، وان يترقى حتى يصل لرتبة «كابتن». ولكن دون وأسرته كلها أدمنت مسألة التنازلات واستلذتها كثيراً، عندما رأت انها يمكن ان تقود إلى ادماجهم في المجتمع الأمريكي، ولذلك تزوجت احدى شقيقاته الثلاث من أمريكي غير مسلم، وتزوج ثلاثة من أشقائه الأربعة من أمريكيات غير مسلمات، وتزوج هو أمريكية من أصول بولندية عام 1963 وفق مراسيم كاثوليكية وأجري عقد قرانه بالكنيسة وهو الأمر الذي أصبح يزعجه كثيراً رغم انقضاء ذلك الزمن الطويل. ولكن عندما وقعت حرب 1967 كانت تلك نقطة الاستيقاظ والصحو في حياة «دون» الذي أصبح يرى كل ما في أمريكا معادياً بعنف للعرب من تأمرك منهم وذاب كليا في الحياة الأمريكية، أو من ظل يحافظ على بعض أصول ثقافته وانتمائه التراثي القديم، وهنا فقط أدرك «دون» ان تنازلاته وتضحياته الجمة السالفة، قد ضاعت سدى، فقرر ان يستعيد ما نبذه من أصوله وتراثه وان يعلنها صريحة على الملأ: انه عربي صميم. وهكذا بدأ الوجود العربي القديم الذاوي ينتعش، كانت التقديرات ان حرب 1967 ستؤدي إلى مزيد من الجزع والتفلت من الهوية الأصلية بغية الاندماج كلياً بالحياة الأمريكية، ولكن لحسن الحظ فإن المجتمع الأمريكي الذي لم يرحب بذلك أصلاً في الماضي أصبح معادياً عداءً صارخاً للعرب الآن. واستمرت الدعاية الإعلامية تصور العرب على انهم كائنات منفرة شديدة التخلف، لا يحق لها الالتحاق بالمجتمع الأمريكي، ولا الالتحام بنسيجه العام. ومن هنا انطوى العرب على أنفسهم فلم يذوبوا بالكامل في الوسط، بل بدأوا ينظمون أنفسهم بصورة أكثر جدية، على المستوى القومي لا المحلي فقط، حيث نشأ اتحاد خريجي الجامعات الأمريكية في 1967، والاتحاد القومي للعرب الأمريكيين في 1972، واللجنة العربية الأمريكية المناهضة للتمييز في 1980 والمعهد العربي الأمريكي في 1985. وبدلاً من التفكير في خط الانسحاب من الموقف القومي، أخذت هذه المنظمات تعبئ الجاليات العربية، وتضغط في واشنطن من أجل حمايتها من العدوان الإعلامي، ومن أجل تحقيق مكاسب لها من خلال الاشتراك في العمل السياسي وإبراز مواهب ومكاسب وانجازات كثير من النخب العربية المغمورة على المستوى القومي لتثبيت صورة إيجابية عن العرب في الذهن الأمريكي المفتون بصور الأبطال والنوابغ والمجددين وأصحاب الاسهامات الباهرة. وفي هذا يقول قاسم كيس الذي أنجز قائمة بأكثر من مائة من مشاهير العرب الأمريكيين ابتداء من دوق فليوتي وانتهاء بإدوارد سعيد ان أقل ما بثته هذه القائمة في الذهن والوعي الجماعي الأمريكي حقيقة ان العرب يمكن ان يكونوا مواطنين متميزين وذلك إدراك ليس باليسير بالنظر إلى تراكم الخرافات في الذهن الأمريكي بشأن العرب. تعبير مقبول ونتاجاً لذلك أصبح تعبير «العرب الأمريكيين» تعبيراً مقبولاً، وله بعض الرواج في الإعلام والجماعات النيابية والتكتلات العرقية، وجماعات حقوق المدنية والمؤسسات الثقافية، ولكن لم يكن شيء من ذلك يمثل نوعاً من المشاركة السياسية، أو النشاط السياسي الإيجابي الملموس في المجتمع الأمريكي، حيث غاب عن الصورة معظم المهاجرين القدامى أو المهاجرين الجدد. فإن مارسوا نوعاً من النشاط السياسي فإنهم يتجهون به في الغالب للتأثير على الأوضاع السياسية في البلاد التي هاجروا منها، أي انهم قد يمارسون ذلك النشاط وسط الجالية العربية بأمريكا ولكنه يكون موجها للوطن الأم في الأساس. وتدريجياً يبرز من بين خريجي الجامعات وأبناء الطبقة الوسطى من المهاجرين القدامى، من بدأوا يتلمسون طريق العمل السياسي، ولكن في الأوساط المحلية كحكومات المدن والمقاطعات التي ينتمون إليها وهنا يكون النشاط السياسي دائراً في أفق القضايا الخدمية لشئون التعليم والسياسة الصحية.. إلخ. ويمكن اعتبار أمثال هؤلاء الناشطين السياسيين المحليين دعاة جادين لفكرة الاندماج العربي الصميمي في المجتمع الأمريكي، لا سيما أبناء الجيل الحالي، الذي فقد الكثيرون منهم روابطهم بالعالم العربي، وغدا أكثرهم لا يتحدثون العربية كلغة حياة، ولا ينطقونها إلا كما ينطقها الأعاجم، وهؤلاء تندمج قطاعات كثيرة منهم في المجتمع الأمريكي بسهولة وتتماثل همومهم وآمالهم مع هموم وآمال المواطنين الأمريكيين العاديين. ويمكن التمثيل لمحاور النشاطات السياسية لهؤلاء العرب الأمريكيين في مناطق ديترويت بممارستها للضغوط المنظمة على البرلمانات المحلية لاصدار تشريعات تنظم عمليات تنظيف محطات الخدمة المهجورة، وممارسة ضغوط أخرى تقوم بها الناس غالباً ضد عنف الشرطة المحلية، والمطالبة بخدمات محددة كشرط للتصويت للمرشحين المحليين والقوميين. وضمن هذا المدى المحدود تفلح جهود العرب الأمريكيين كثيراً في تحقيق النتائج المبتغاة، لأن النظام السياسي الأمريكي بجملته قائم على أمثال هذه الضغوط الشعبية التي تبادر المؤسسات السياسية المتنفذة للاستجابة لها بسرعة وكفاءة كبيرة. أما المحاولات التقليدية التي بذلت للتأثير في السياسة الخارجية الأمريكية لا سيما في الشرق الأوسط ـ فلسطين ولبنان والعراق كأمثلة أبرز ـ فقد ضاعت كلها سدى، لأنها لم تكن من القوة بمكان، ولأن الجهات الضاغطة في الاتجاه الآخر ـ اللوبي اليهودي خصوصاً ـ هي من القوة بحيث لا تتزعزع لبوادر ضغوط عربية قليلة ومشتتة ومتنازعة في كثير من الأحيان. محاور الضغط لكن السنوات القلائل الماضية، شهدت بعض النمو في محاور الضغوط العربية في ديترويت على السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأسط. وشجع على ذلك قدوم دفعات من اللاجئين، لا سيما من العراق ولبنان، كما ساعد على ذلك نمو نشاط مركزي في واشنطن قوامه مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية، وهو لوبي عربي ناشئ يحاول ان يبلور وينسق الاهتمامات المتوزعة للجاليات العربية، ويوائم بين الاهتمامات القطرية والقومية، بدون أن تضيع الأولى في ثنايا الثانية أو العكس. ومن ناحية التخطيط العملي يقوم ناشطون عرب ذوو فكر سياسي متقدم، شأن الاستاذة «مايا بيري» بتطوير المجهودات المحلية لتسجيل أصوات المواطنين العرب الأمريكيين، وترشيح بعضهم للمناصب التنفيذية والسياسية، المحلية، وعلى مستوى الولايات، والمستوى القومي، وإبراز منبر عربي في مؤتمرات كل من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وفي الكونجرس. وفي اعتقاد الناشطة «مايا بيري» فإن هناك استجابة متصاعدة وسط عرب ديترويت لنداء المشاركة في العمل السياسي، ودليلها على ذلك هو ان مجرد ارسال نداء عام لتسيير تظاهرة في المدينة تكشف عن الحق العربي، يلقى استجابة واسعة، إذ يتجمهر أكثر من ثلاثة آلاف مواطن عربي رغم انه لم يتم الاتصال بهم لا عن طريق الفاكس ولا البريد الالكتروني، وإنما هو مجرد النفير العام.وتقول مايا بيري ان هذه تعتبر استجابة مشجعة جدا لمجتمع كان يعتبر شبه مشلول من الناحية السياسية، ولكنه أصبح يعبر الآن عن قوته ووحدته، وعمق اهتمامه بالشأن السياسي. ولكن تلك اليقظة تحتاج إلى ترشيد كثير، فالمظاهرات في خارج واشنطن لا تؤثر كثيراً على صناع قرارات السياسة الخارجية، كما ان شعارات التظاهرات ينبغي ان تصاغ بطريقة حصيفة بحيث تخاطب الآخر ولا تخاطب الأنا (أي المتظاهرين أنفسهم)، وعليها ان تخلو من الانفعال العاصف والشجب الشديد وأن تكون أكثر عقلانية وتوازناً وموضوعية، وان تتجنب تعطيل حركة المرور، في محاولة لتوصيل المنشورات لأصحاب السيارات، الذين يكونون في غاية الارهاق بعد يوم طويل من العمل المضني، وكل ذلك يمكن ان يؤذي القضية أكثر مما ينفعها. الجهد العقلي أما جانب العمل الفكري فهو في غاية الأهمية في بلد يخضع فيه العمل السياسي لكثير من التنظير والتخطيط والنقد وإعادة النظر، ولذلك يمكن النظر بعين الرضا للجهد العقلي الذي أعقب المسيرة الأولى في ديترويت، وهو الذي أدى إلى تكرارها بنفس العدد والوجوه في واشنطن، ثم إلى تنظيم صفوف العرب للتصويت في الانتخابات. وقد بدأ ذلك برصيد الأسماء في السجل الانتخابي، وزيادة رصد العرب من المناصب الحكومية، حيث لا يوجد في ديترويت أكثر من أربعة رجال شرطة من أصل عربي، ولا أكثر من عضو واحد في مجلس المدينة، وبالطبع لا يوجد أي عضو في برلمان الولاية ولا خطة واضحة للتكتل حول مرشح للبرلمان المحلي أو القومي للتكتل حول مرشح للبرلمان المحلي أو القومي عربياً كان أو غير عربي. وهذا وضع غير طبيعي لجالية ضخمة، سيصل تعدادها إلى ربع مليون فرد في العقد المقبل، وهي جالية حققت نجاحات مهنية وتجارية مرموقة تحتاج في حمايتها إلى قدر من العمل السياسي الضاغط.وهكذا تنامت القناعات بضرورة الدخول في معامع العمل السياسي المحلي والقومي على السواء، ومن خلال التنسيق مع عرب الولايات الأخرى، اتضحت آفاق أكبر للعمل، وفعاليات أمضى سلاحاً واقتداراً وفرص نجاح أكيدة، لا سيما في كاليفورنيا ونيوجيرسي وميتشجان، ونشأت بين عرب ديترويت وبين الجهات السياسية الأمريكية علاقات قوية. وقد شملت تلك الجهات أعضاء الكونجرس ومؤسسة البيت الأبيض ووزارة الخارجية. وقد زار ممثلون لتلك الجهات مناطق ديترويت، واستمعوا مراراً إلى مطالب لتحسين ظروف الحياة المحلية، وأحياناً لتعديل رؤية أمريكا لشئون الشرق الأوسط، خصوصاً موضوع نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وتدعم هذه الاتصالات مؤسسة مركزية شأن المعهد العربي الأمريكي برئاسة جيمس زغبي. ومع تنامي تلك الاتصالات تأكد للعرب جدواها وأنها يمكن ان تتم في كل حين، وانهم أصبحوا مواطنين من الدرجة الأولى يسمع لآرائهم ويوضع لوزنهم ألف حساب، وانهم ما عادوا كما كانوا قبل أربعة قرون أقلية مستضعفة تتآمر عليهم حكومة المدينة، وتعمل على جرف مساكنهم وتسوية ضاحيتهم بالأرض بتبريرات شتى ليس من بينها التعليل الحقيقي وهو محاولة تلك السلطات التخلص منهم كقوة سياسية مستقبلية بالعمل على بعثرتهم وتشتيتهم في أنحاء متباعدة في المدينة، وربما خارجها! المشاركة المتنامية تقول الناشطة الذكية «مايا بيري» ان الاحساس العربي الأمريكي أصبح قويا بأهمية المشاركة حتى في شئون السياسة الخارجية، فعرب أمريكا وإن كانوا أقلية، إلا انهم أقلية كسائر الأقليات، وإن كانوا مهاجرين، فالمجتمع الأمريكي كله مجتمع مهاجرين، ثم انهم قد أصبحوا أثرياء نسبيا، ودافعي ضرائب يمكن ان يحتجوا بأن كثيراً من خطوات السياسة الخارجية الأمريكية تُنفذ بالأموال التي يدفعونها للدولة في شكل ضرائب، ومن ثم فإنهم يحتفظون لأنفسهم بالحق في التدخل في تلك الشئون، ما لزم الأمر. ومن ناحية أخرى فقد زاد احساس المجتمع السياسي الأمريكي بأهمية العرب وهم يتجهون إلى المشاركة السياسية، فعرب أمريكا يصل تعدادهم إلى نحو ثلاثة ملايين نسمة، وهم متمركزون في ولايات مهمة جداً من الناحية الانتخابية، ومن ثم فإنهم يحظون بحق الترجيح متى ما تقاربت أصوات المرشحين. ومع ان يقظة العرب السياسية كانت متأخرة ومع ان خطوهم السياسي لا يزال بطيئًا، إلا ان ذلك كان كافيا لكي يزعج بعض الجهات التي طفقت تصور ذلك على انه تطور خطير في المجتمع السياسي الأمريكي، وتلك جرأة بالغة على الحقيقة المجردة من جهة، كما انها جرأة شديدة على حقوق مواطنين أمريكيين وُلد أغلبيتهم في أمريكا، مثلهم مثل بقية المواطنين الأمريكيين.وقد قام بعض أعضاء اللوبي الصهيوني بوضع الناشطين العرب في قوائم سوداء، في مخالفة صارخة للقوانين الأمريكية التي تمنع مثل هذا التصنيف للمواطنين، كما دأبوا على التشكيك في أي تحرك سياسي عربي حتى ولو كان محصوراً في مجال الاجتماعات وجمع التبرعات لبعض المرشحين، وهي أشياء تحصل في كافة الأقليات الأخرى، كالأمريكيين من أصل ايطالي أو مكسيكي أو آسيوي.. إلخ. ولئن كانت مثل تلك التهديدات قادرة في الماضي على كبح خطوات العرب السياسية إلا ان أثرها أخذ يتضاءل بالتدريج ومع تواصل البروز الوئيد للعرب في الساحة السياسية أخذت الصحف القومية لا سيما (نيويورك تايمز) تتنبه له وتقوم بتغطيته كلما سنحت فرصة، كما أخذ رجال الكونجرس يعطونه بعض الاعتبار، وأخذت النصائح تنهال على العرب من أولئك السياسيين الأمريكيين المناوئين للنفوذ الصهيوني، مطالبين عرب أمريكا بتنظيم صفوفهم أكثر وأكثر والاتجاه إلى التصويت في تكتلات واضحة، والاعلان عن لجان عمل سياسي للتنسيق مع الجهات السياسية الأخرى، وتقديم تبرعاتهم للمرشحين باسم التكتل العربي الأمريكي لا بالأسماء الفردية للمتبرعين من المواطنين العرب الأمريكيين.