اعلن الاسترالي جورج كريكشانك والذي يعرف ايضا باسم الامبراطور جورج الثاني جمهورية مستقلة صغيرة داخل شقة تبلغ مساحتها 60 مترا مربعا بضاحية بوتس بوينت قرب سيدني الاسترالية اطلق عليها اسم «امبراطورية اتلانتيوم». ويبدو الامبراطور في الصورة وهو يطل من نافذة جمهوريته الصغيرة حيث نصب علم الامبراطورية التي اقامها ثلاثة شبان عام 1981 بفناء الساحة الخلفية لمنزل العائلة حيث اصدروا بيانا اعلنوا فيه ان الحدود الجغرافية السياسية القائمة حاليا لم تعد ضرورية في ظل ثورة المعلومات التي جعلت العالم بمثابة قرية صغيرة. ومنذ ذلك الحين توسعت امبراطورية اتلانتيوم وصار لها مواطنون في اكثر من 35 دولة في مختلف ارجاء العالم واعتمدت الجمهورية اطلقت كلفة رسمية لها واعتمدت تقويما خاصا اطلق عليه اسم نظام «انوس نوفاس» يبدأ تاريخه منذ العام الجليدي. وفي مشهد مقارب تحولت احلام الفيلسوف اليوناني افلاطون باقامة جمهورية فاضلة «يوتوبيا» إلى واقع وان كان غير ملموس بفضل امكانات شبكة الانترنت. واقدم الشاب الالماني يورجين فوس وهو طالب حقوق يدرس في مدينة كييل بالمانيا ويعشق الممثلة الامريكية جوليا روبرتس على اقامة موقع يسمح للمتصفح الدخول إلى عالم جمهورية ديمقراطية افتراضية. ويعرف فوس في عالم الانترنت باسم الفوسو أو فوس حيث يجلس حوالي ست ساعات يوميا امام شاشة الكمبيوتر لتأدية واجباته المدنية في مجتمع سياسي افتراضي بات يجذب الآلاف من مستخدمي الشبكة في ألمانيا. وثمة أمر محدد لا يمكن التشكيك فيه: وهو أنه لا مجال للامبالاة السياسة في جمهورية «ديموكراسي أونلاين» (عنوانها دبليودبليودبليو.دي.أوإل2داي.كوم). فمنذ أن بدأ الموقع العمل قبل عام وثمة أكثر من 11 ألف شاب وشابة معظمهم ألمان يتخذونه منبرا للتعبير عن آرائهم في مختلف الموضوعات السياسية. إلا أن كون الموقع من إبداع طلبة الكمبيوتر في أخن بألمانيا لا يمنع الامور فيه من السير على غرار ما يحدث في الواقع إلى حد كبير. فعلى سبيل المثال، تنقسم التيارات السياسية في الموقع إلى نفس عددها في ألمانيا تقريبا أي نحو 20 حزبا. ويمارس أنصار كل من حزب «الانترنت الاشتراكي الديمقراطي» والحزب الوحدوي وحزب الخضر وغيرها نشاطهم السياسي بالاستعانة بنفس شعارات الاحزاب المناظرة في الواقع، ومثلما هو الحال في الواقع، فإن السيدات غير ممثلات بنسبة كبيرة في هذا المسرح السياسي الافتراضي. ويقول فوس «يبدو ان السيدات لديهن أشياء افضل من هدر الوقت على الانترنت»، وجذبا للتمثيل النسائي، خصص مصممو الموقع منبرا لصوت المرأة. ومن الاختلافات الملحوظة بين هذا المتنفس السياسي الافتراضي والواقع عمر المشاركين السياسيين. فإذا كان متوسط أعمار الممثل السياسي المنتخب في ألمانيا يتراوح حول الخمسين، فإن 60 بالمئة من المشاركين في فعاليات الموقع لا يتجاوزون الرابعة والعشرين من العمر. ويشغل فوس منصبا رسميا في الموقع، حيث يعمل كوسيط بين اليمينيين واليساريين ممن يهوون الانخراط في مواجهات غاضبة. كما يستمتع فوس بالاشتراك بنفسه في المناقشات السياسية وإن كان يزعم أنه دائما على استعداد لان يقتنع بالحجج الجيدة. ويقول أنه سبق وغير آراءه السياسية عن اقتناع كما حدث عندما بات من غير المعارضين لاباحة تعاطي نبات القنب المخدر. وشأن ما يحدث في الواقع، فالنقود هنا هي سيدة الموقف. وإذا كان الموقع يخلو من الدولارات والماركات فانه يسمح للساسة ذوي النفوذ بكسب مبالغ بعملة وهمية هي «البيمب»، وكلما تزايد نفوذ رجل السياسة تضخمت ثروته من البيمبات. وليس هناك برلمان في هذا العالم السياسي الافتراضي. فالناس يعربون عن آرائهم من خلال التصويت المباشر. ومن القضايا التي أجريت بشأنها استطلاعات رأي مؤخرا «هل الاقتصاد المخطط أكثر فاعلية؟» و«هل التدريب على المهن المختلفة مجرد وسيلة لتوظيف عمال أقل أجرا؟». وثمة موضوعات أقل جدية تتناولها الاستطلاعات كذلك مثل «لماذا يسحق الناس أعقاب السجائر؟». وثمة أكثر من 100 منبر مختلف على الموقع. منها المنبر المناهض للفاشية الذي يعالج مسألة الدعاية الفاشية والعنصرية على الانترنت. وثمة منبر مخصص لكل ما يثير ضيق المشاركين في الموقع من أمور الحياة. وليس خطأ أن يقال أنه في أحيان كثيرة لا يتسنى فهم ما يجري من مناقشات في الموقع إلا للعالمين ببواطن الامور به. وليست السياسة هي كل ما يشغل بال المشاركين في الموقع، فيقول فوس «السياسة بالنسبة لنا أكثر من مجرد البطالة أو موقف المرء من الطاقة النووية. هذا هو السبب في أننا نعالج كافة جوانب الحياة». ولكن الجمهورية الافتراضية هذه لا تعمل دون قوانين. وإذا كانت الشرطة أمرا لا وجود له في الموقع فإن أصحاب التعليقات العنصرية أو المسيئة يكونون عرضة للطرد من الموقع. وتلقى الموقع زيارات من ساسة بارزين في العالم الحقيقي منهم الامين العام للحزب الاشتراكي الديمقراطي ونظيره في الحزب المسيحي الديمقراطي. كما أن جمهورية الديمقراطية الافتراضية لم تفصل ذاتها كلية عن الواقع، ولذا فقد أنشأت وزارة خاصة للتعامل مع العالم الحقيقي تحت اسم «آر.إل» أو ريل لايف (الحياة الحقيقية). لكن المرء لا يمكن أن يعيش على السياسة وحدها، حتى في العالم الافتراضي. لذا فقد عمد القائمون على الموقع على إثارة اهتمام المشاركين من خلال إبرام عقود زواج افتراضية عبر الموقع. ويمكن للمشاركين سواء أكانوا طبيعيين أم شواذا أن يتزوجوا من بعضهم البعض بلا خوف من أن يلزمهم ذلك بأي شيء. فالزواج في هذا الموقع لا يعدو كونه «علامة على الاتصال الذهني والروحي بين الطرفين» طبقا لفوس. أي أنه يتيح فعليا الزواج بين اثنين لم تقع أعينهما على بعض من قبل قط. د.ب.أ رويترز