على مدار نصف القرن الماضي، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ظلت المحالفة الأطلسية التي تضم أمريكا وأوروبا الغربية في اطار الناتو مؤسسة فاعلة وقادرة على التأثير. السبب ـ كما يتصور هنري كيسنجر ـ في كتابه الذي نعرض له في هذه السطور يتمثل في كلمة سحرية هي .. الديمقراطية. هي التعددية والممارسات البرلمانية والحوار السياسي الذي جعل الناتو هو حجر الزاوية في الشراكة بين أمريكا وحلفائها وخاصة في اطار السياسة الخارجية. ليس معنى هذا ـ يقول كيسنجر مستدركا ـ ان كانت الشراكة الأطلسية سمنا على عسل في كل الأوقات. وكم ساد الاختلاف والتناقض أحيانا علاقات هؤلاء الحلفاء وكم تفرقت بهم السبل والآراء والمواقف والاتجاهات. في هذا السياق بالذات يضرب لنا كيسنجر أكثر من مثال على صفحة 33 من الكتاب يقول: خلال أزمة السويس «نتيجة قرار عبدالناصر بتأميم القناة» في عام 1956 نأت ادارة ايزنهاور بنفسها عن حلفائها البريطانين والفرنسيين «الذين تحالفوا مع اسرائيل لشن العدوان الثلاثي على مصر ـ الأقواس من اضافتنا» وعملت ادارة ايزنهاور وقتها ـ يضيف المؤلف ـ على هزيمة انجلترا وفرنسا وفي أزمة برلين في الستينات كان أسلوب ادارة كنيدي في معالجة الأزمة موضع تشكك وانتقاد في كل من المانيا وفرنسا.. وفي ادارة نيكسون لقيت محاولات تلك الادارة في اعادة تقريب العلاقات الأطلسية في السبعينات مقاومة واسعة النطاق ولاسيما من جانب فرنسا.. هذا فضلا عن أن وضع الصواريخ النووية في أوروبا خلال عقد الثمانينيات لقي معارضة شهدت بها المظاهرات الحاشدة التي اجتاحت كل أنحاء أوروبا.. وهكذا تحدث مؤلفنا ـ هنري كيسنجر ولقد نضيف الى سطوره أيضا واقع المقاومة والانتقاد الشديد الذي قوبلت بهما زيارة الرئيس بوش ـ الابن الأخيرة الى أوروبا.. وقد تجسد هذا كله سواء في تصريحات حلفائه في غرب أوروبا أو في المظاهرات التي ثارت أمامه في كل مكان زاره.. ويرجع ذلك ـ كما أجمع المراقبون الى سببين: ـ اولاً انفراد أمريكا بمشروع الدرع الصاروخية الذي يستمد فكرته ـ الأم من مشروع حرب الكواكب الذي سبق اليه الرئيس ريجان وكان ذلك في مرحلة ذروة من الحرب الباردة التي كانت. ـ ثانيا انفراد أمريكا أيضا بعدم التوقيع على معاهدة كيوتو بشأن التغير المناخي ومن ثم تنصلها من مسئوليتها بوصفها من أكبر الدول إن لم تكن بالفعل أكبر دولة مسببة لانبعاثات التلوث الكربونية التي تهدد صحة الكرة الأرضية بأسرها. في هذا الصدد يلمح هنري كيسنجر الى طبيعة التغير الذي كان لابد وأن يعتري المحالفة الأطلسية في مرحلة الحرب الباردة كان الناتو قويا لأنه كان يواجه تحديا قويا بل شرسا ضاريا اسمه الاتحاد السوفييتي. في تلك الفترة كان طبيعيا أن تتراص صفوف الحلفاء على ضفتي المحيط الأطلسي ـ أمريكا وأوروبا الغربية ورغم ما اعتور التحالف كما ألمحنا ـ من مشاكل واختلافات ـ إلا أن الفرقاء كانوا لا يلبثون يعودون بصورة أو بأخرى الى البيت الواحد، يحاولون تحت سقفه أن يتعاملوا مع ما اشتجر بينهم من خلافات. لكن عقد التسعينيات.. وبداية هذا القرن الجديد.. جاء بمتغير جديد وخطير ليس أقل من زوال العدو السوفييتي.. ومن ثم ذوبان جبل التحدي الذي كان يحفز أهل الناتو على العمل والتعاون وتضافر الجهود.. وكان هذا كله على حساب صلابه وتماسك التكامل الأوروبي ـ الأمريكي. يقول مؤلفنا الدكتور كيسنجر: ـ اليوم ترتفع الأصوات في أوروبا الغربية داعية الى أن يكون الاتحاد الأوروبي قطبا للتوازن مع الولايات المتحدة «وليس قطبا متكاملا معها». ثم يضيف كيسنجر ملاحظة نراها جديرة بتأمل وتدبر عميق من منظورنا العربي والمتوسطي يقول فيها: إن السمة البارزة التي تميز القوة العسكرية الجديدة للاتحاد الأوروبي، وهي القوة التي ستخرج الى حيز الوجود في عام 2003 تتمثل في خلق قدرة عسكرية تستطيع أن تعمل خارج اطار حلف الناتو نفسه. وملاحظة مهمة أخرى لا تفوت عين كيسنجر المحنكة الخبيرة وهو يستقيها هذه المرة من تصريحات ترددت في وطنه ـ الأم المانيا التي هاجر منها أبوه منذ نحو 70 عاما الى أمريكا: يحيل كيسنجر الى تصريح «جوشكا فيشر» وزير خارجية المانيا الذي قال فيه: ـ من الآن فصاعدا، فإن منظمة الأمم المتحدة سوف تلعب دورا أكبر في اطار السياسة الخارجية لألمانيا بل وسيكون هذا الدور، في بعض الحالات، أكبر وأوسع من دور حلف الناتو ذاته. في السياق نفسه يتوقف كتابنا عند تصدعات اصابت المحالفة الغربية.. بالتحديد أصيب بها صرح التحالف بين واشنطن وشريكاتها سابقا أو شريكاتها تقليديا وهي عواصم غرب أوروبا ـ ربما باستثناء لندن التي ما زالت تتلقى هي ورئيس وزرائها توني بلير صنوف الملام والتقريع والتوبيخ على استمرار سياسة الممالأة ـ هل نقول الذيلية إزاء واشنطن ـ وفي هذا الاطار يحرص بلير على الدق على وتر الصداقة الشخصية التي تربطه بكبار الساسة الأمريكان.. وقد كان هذا الكلام صحيحا خلال حقبة كلينتون حيث كان الاعجاب متبادلا ولكن بلير ما زال متمسكا بحكاية الصداقة حتى مع بوش رغم اختلاف الرجلين من حيث التكوين والنهج.. وربما يرجع هذا التمسك بالصداقة الى أن بلير لا يريد أحدا أن يدمغه بنفس النعوت المهينة التي سبق أن وصفت بها رئيسة الوزراء السابقة السيدة ـ الليدي حاليا ـ مرجريت تاتشر حين قال قائلهم يوما: ـ انها لا تعدو أن تكون كلبة المستر ريجان المطيعة المدللة!.. وبعيدا عن شخصنة التوجهات السياسية.. يشرع مؤلفنا هنري كيسنجر أسلحته كأستاذ علوم سياسية ليقول لنا إن من أسباب الفتور أو الوهن الذي أصاب التحالف الغربي، ما حققه الحلف من انجازات.. مما يعد من تناقضات الأمور.. ـ لقد كان الحلف الغربي يجاهد من أجل تحجيم الاتحاد السوفييتي.. وقد انهار الاتحاد المذكور. ـ وكان الحلف يدعو الى التئام شطري المانيا.. وقد توحدت المانيا. وأدى هذا النجاح الى ظهور الهوية الشخصية الأوروبية بوصفها كيانا مستقلا وحقيقة سياسية متبلورة منفصلة عن أمريكا ونفوذها وهيمنتها وسطوتها. وامعانا في ظاهرة التناقض التي أصابت التحالف الغربي.. ظهرت الدعوات، منذ حقبة كلينتون الى توسيع اطار المحالفة الغربية وادخال دول جديدة بخلاف مؤسسيه في غرب أوروبا. ورغم أن الفرقاء كانواي يتغنون بمآثر أمريكا في توسيع الناتو على اساس أن هذه الجهود تعزز السلام والتعاون في أوروبا والعالم ـ إلا أن سياسيا أوروبيا بارزا كان صريحا في تحليله للموقف.. أو فلنقل كان يصدر عن منطق صدق سياسي مباشر حين أعلن رأيه بغير مواربة قائلا: ـ إن الهدف من تجسيد الشخصية الأوروبية «الموحدة» هو تخفيف سيطرة أمريكا وتقليل سطوتها. هذا السياسي هو فدرين وزير خارجية فرنسا الذي ألقى خطابا افتتاحيا في مؤتمر المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية يوم 3 نوفمبر عام 1999 وقال فيه في لهجة تحذير مهذبة: ـ أصبحت سطوة التفوق الأمريكية أمرا محسوسا في مجالات الاقتصاد والنقد والتكنولوجيا والميادين العسكرية، فضلا عن أساليب الحياة واللغة ومنتوجات الثقافة الشعبية الجماهيرية مما أصبح يجتاح العالم كله ويصوغ طرائق تفكيره ويمارس جاذبية تخلب الألباب ويمتد تأثيرها حتى بين خصوم أمريكا أنفسهم ومن هنا لا يساور الأمريكيين أي شك في أن العالم المعاصر «بمشاكله الراهنة» ما هو إلا المحصلة المباشرة لفشل أوروبا الذريع في ادارة شئونها وتدبير أحوال العالم خلال النصف الأول من القرن العشرين. هل معنى هذا أن ثمة طلاقا بين الكيانين أو على الأقل انفصالا يقصر أو يطول بين أمريكا وأوروبا الغربية؟ ..كيسنجر يبادر كي يقول أن كلا من الكيانين الأوروبي والأمريكي لا يملك هذا الترف بل أن كلا منهما لا يزال بحاجة حيوية الى الآخر. ولأن المؤلف أكاديمي وقادر على التحليل على البارد دون عواطف أو رومانسيات فهو ينطلق من معطيات الأمر الواقع فيقول بوضوح: ـ أوروبا بغير أمريكا لن تعدو أن تكون شبه جزيرة، مجرد شبه جزيرة تشكل امتدادا لكيان قاري ضخم شاسع مترامي الأطراف اسمه أوراسيا «ويضم روسيا الأوروبية وما حولها» بل سيكون كيانا مرتهنا لهذه الـ.. الأوراسيا بكل مشاكلها وتعقيداتها ومواريثها التاريخية. غرب أوروبا بغير أمريكا سيكون منطقة نهبا ـ كما يحذر كيسنجر ـ لصراعات ثورية وتيارات راديكالية يمكن أن تعصف بكيانه وتزعزع حالة الاستقرار التي خاض القوم لتحقيقها حروبا شتى ما بين الحرب السبعينية في أواخر القرن التاسع عشر الى الحربين العالميتين في النصف الأول من القرن العشرين. ماذا إذن عن أمريكا بجلالة قدرها واتساع مواردها وهيلمان امكاناتها؟ ـ بغير أوروبا الغربية.. سوف تعاني أمريكا ـ في رأي الدكتور كيسنجر ـ مغبة التحجيم.. لن تعدوا أن تكون جزيرة.. نعم جزيرة واقعة بين محيطين يكاد وضعها إزاء قارة أوراسيا السالفة الذكر يشبه وضع بريطانيا إزاء قارة أوروبا في القرن التاسع عشر. سوف يتعين عليها وقتئذ أن تلتمس تحقيق توازن في القوى وأن تكيف نفسها وفكرها وسلوكياتها على اداء دور أصغر من حجمها واشد تواضعا مما درجت عليه ـ لاسيما وأن الخصم الروسي لم يعد كما تصوروا القوم جثة هامدة ولا كيانا استبدت به العلل وفقد قدرة الحركة ـ الخصم الروسي يتحرك ويتطلع الى استعادة دور له.. يتفق مع حجمه الجغرافي وتراثه السياسي وبعضه منسوب الى الحقبة السوفييتية ومن الطبيعي أن ينقب هذا الخصم عن أخطاء أمريكا وعثرات سياستها ويفيد من هذا كله في تكتيل التأييد وتجميع الأصدقاء وتحقيق المصالح.. دع عنك أن الكرملين الروسي لم يعد يحكمه قيادات مأفونة فاسدة كما في عهد يلتسين بل تتحكم بمقاليده قيادة ماهرة.. محنكة ومتطلعة الى أن تلعب بلادها دورا في الطليعة أو بالأقل قرب الطليعة من أقدار العالم.. وهي قيادة فلاديمير بوتين. إن كتابنا ينظر بعين الاهتمام الموضوعي الى تطورات الأمور في روسيا.. وعلينا ـ في العالم العربي والعالم الثالث ـ أن ننهج نفس السبيل ومهما اختلفت المسالك.. ومهما كانت صداقاتنا مع أوروبا وأمريكا ـ علينا أن نضع «الشأن الروسي» في بؤرة اهتمام سياساتنا الداخلية والخارجية على السواء. إن هنري كيسنجر يلاحظ القدرة التاريخية لروسيا على التحمل والصمود بوجه الغزاة الخارجين. كان هذا دأبها مع نابليون في عام 1812 ومع هتلر في عام 1943 بل كانت روسيا هي الصخرة التي انكسرت فوقها أحلام الغزو والتوسع الامبريالي التي راودت كلا من الرجلين وأدت الى نهاية كل منهما. ورغم أن علاقات روسيا مع دول وسط وغرب أوروبا يشوبها التعقيد بفعل المواريث والتفاعلات التاريخية إلا أن الرأي العام في أوروبا ـ على نحو ما يلاحظ مؤلفنا هنري كيسنجر ـ يميل الى مطالبة حكوماته بأن تقوم بدور محور الارتكاز الفاصل بين أمريكا وروسيا.. وهذا هو السبب الذي يدفع بعض زعماء أوروبا الى دعوة روسيا كي تنضم مستقبلا الى اطار الاتحاد الأوروبي. وليست المسألة مجرد شهامة سياسية.. بل إن الزعماء الأوروبيين يدركون تماما أهمية الدور الذي يمكن أن تقوم به روسيا في حوض البحر المتوسط.. وأيضا على صعيد كومنولث الدول المستقلة وجمهوريات آسيا الاسلامية ـ السوفييتية سابقا. يتوقف كيسنجر مليا عند لحظة معنية في آخر يوم من عام 1999 كان ذلك عشية صعود بوتين الى منصب الرئاسة الأولى في الكرملين ويومها كتب فلاديمير بوتين ما يلي: ـ لن يحدث قط أن تصبح روسيا طبعة ثانية مثلا.. من أمريكا أو بريطانيا.. إن الروس ينظرون الى الدولة القوية بوصفها ضمانا لاستتباب النظام وحافزا على القوة الدافعة الى التغيير. وفي مايو عام 2000، عاد الرئيس الروسي بوتين ليؤكد التراث الامبراطوري لروسيا فقال: ـ علينا أن نعرف تاريخنا جيدا وأن نستخلص منه الدروس ونتذكر الذين أسسوا الدولة الروسية ودعوا الى صون كرامتها وجعلوا منها كيانا عظيما ودولة منيعة وقوية. في ضوء هذا كله، يدعو كيسنجر في كتابه الى تعزيز حلف الناتو من أجل قطع الطريق ـ كما يقول «ص80» على الاحلام التوسعية ـ الامبريالية لروسيا ولكنه يدعو الى العمل في الوقت نفسه على انشاء جسور من التعاون بين الديمقراطيات الغربية وبين روسيا نفسها. على أن كيسنجر كذلك يخطو شوطا أبعد عندما يدعو الى انشاء كيان جديد يحمل الاسم التالي: تافتا. ومعناها في حروفها الانجليزية ما يلي: منطقة التجارة الحرة عبر الأطلسي. ويرى أن تضم هذه التافتا دول حلف الناتو الأوروبية «جميع مؤسسات الاتحاد الأوروبي» دول أمريكا الشمالية وهي بالتحديد أمريكا وكندا والمكسيك. ولقد نلاحظ أن كل هذه التحليلات التي بلورها مؤلفنا الدكتور هنري كيسنجر كانت تيمم وجهها شرقا بمعنى أن تتجه من أمريكا، عبر الأطلسي الى حيث أوروبا الغربية ومن ورائها الرقعة المتحدة شرقا من الوسط الأوروبي الى السهول الآسيوية، تلك التي يصفها كيسنجر بأنها أوراسيا. لكن كيسنجر لا يلبث يوجه الاهتمام ـ ربما بمنطق التوازن ـ الى نصف الكرة الغربي وبالذات الى قارة أمريكا الجنوبية التي تعدها الولايات المتحدة بمثابة ردهتها أو فنائها الخلفي وهو تعبير مهذب بديل لعبارة «المجال الحيوي» الموروثة ـ كما لعلك تتذكر ـ من مفردات المصطلحات النازية. في هذا الاطار يقف الدكتور كيسنجر عند دولة بعينها في أمريكا الجنوبية ـ اللاتينية كما يسمونها في أدبيات السياسة. الدولة اسمها «كولومبيا» وهي ما زالت تشكل شوكة شديدة الإيلام في خاصرة الولايات المتحدة. إن كيسنجر يستهل معالجة الألم الكولومبي بسؤال بالغ الدلالة يقول: ـ هل من مخرج من الفوضى السائدة؟