هل يتصور أحد ان يجيب هنري كيسنجر بـ «لا» على السؤال الذي يطرحه في عنوان كتابه الجديد الذي نعرض له وهو «هل تحتاج امريكا سياسة خارجية؟» بالطبع تحتاج امريكا لسياسة خارجية وكيسنجر بحكم خبراته السابقة هو من بين الاقدر على وصف تلك السياسة المطلوبة. فبعد ان قظى معظم عقدي السبعينيات والثمانينيات في دهاليز السلطة الامريكية ومارس صناعة القرار السياسي اثناء عمله في وزارة الخارجية ومجلس الامن القومي، يقدم لنا في كتابه هذا تحليله الخاص للتحديات الكبيرة التي تواجه الولايات المتحدة في القرن الجديد الذي نقف على اعتابه. ويتناول كيسنجر بالبحث العلاقات الامريكية مع اوروبا وآسيا والشرق الاوسط وافريقيا كما يبحث في قضايا العصر مثل «سياسات العولمة» و«السلام والعدالة» وما اسماه كلينتون التدخل العسكري لاهداف «انسانية». رغم أنه ـ هنري كيسنجر ـ لم يعد يملأ الدنيا كما كانوا يصفون شاعرنا المتنبي ـ إلا أنه مازال يستطيع أن يشغل الناس. ها هو يصدر في الأسابيع القليلة الماضية أحدث مؤلفاته فيسارع المحللون والنقاد والمهتمون بالشأن السياسي العام إلى تدارسه وإخضاعه للتعمق والتحليل. ولاشك أن كيسنجر استخدم ذكاءه الاكاديمي المعهود فكان أن عمد إلى طرح منظور للدبلوماسية في القرن الحادي والعشرين هو يدرك ولاشك كيف أن المنظورات الاستشرافية والرؤى والطروحات المستقبلية أصبح لها رواج وقبول في أوساط الاكاديميين وأوساط المشتغلين بالقضايا العامة على السواء. ومنهم بالطبع الصحفيون والبرلمانيون. ومنهم من هم على شاكلتنا ـ نحن شعوب العالم الثالث الذين أصبحت مصالح أوطانهم وأقوامهم تتماشى بالضرورة مع خطوط وتوجهات السياسة الخارجية الأمريكية سواء كنا نحب أمريكا أو كنا نكرهها، حيث المحبة أو البغض هنا لا يتعلقان بداهة بأمريكاـ الشعب أو الناس .. البني آدم كما قد نسميهم، ولكن الأمر يتعلق بالدرجة الأولى بأمريكا ـ السياسات والاستراتيجيات والتوجهات وهى في معظمها ـ كما نراها، بل تثبت السلوكيات والأحداث ـ مغرضة متحيزة على طول الخط تقريبا لصالح عدونا الصهيوني الذي ما برح يغتصب الأرض ويحتل الوطن ويمارس إرهاب الدولة وينطلق من موقع الاستعلاء العدواني العنصري ويغير معالم الجغرافيا ويزيف وقائع التاريخ. يمعن هنري كيسنجر في استخدام ذكائه فيصدر كتابه ويختار عنوانه على شكل سؤال يبدو في الظاهر بسيطا وبريئا. هل تحتاج أمريكا إلى سياسة خارجية؟ وبديهي أن السؤال مركب لأنه يحتوى على عناصر شتى .. من بينها مثلا: هل سياسة أمريكا الراهنة تتسم بالتجانس والتواؤم والاتساق؟ هل تطرح ظاهرة العولمة كما أصبح العالم يلمسها ويعيشها . وأحيانا يخشاها بل ويتحداها ـ ضرورة تدعو أمريكا بالذات إلى رسم سياسة خارجية جديدة يمكن أن تصلح لعصر ما بعد الحرب الباردة وصولا إلى عصرنا الراهن الذي يمكن أن تسميه، ولو كإجراء مؤقت بعصر القطب «الأمريكي» الواحد؟ ـ هل يفهم ساسة أمريكا الحاليون فهما جيدا وموضوعيا أبعاد الصورة التي آل إليها مسرح السياسة الدولية مع مستهل القرن الحادي والعشرين؟ ان هذه الصورة تتسم بأبعاد ومتغيرات وتحديات شتى..ومن ذلك مثلا . ـ رئاسة جديدة في البيت الأبيض، وطاقم مستجد في السياسة الخارجية الأمريكية يقوم على أمره ـ لأول مرة في التاريخ اثنان من شخصيات السود الأمريكيين: استاذه جامعية «كوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي» وجنرال سابق «كولن باول وزير الخارجية». ـ من أبعاد الصورة . وجود رئيس روسي كان بدوره مسئول مخابرات سابق وهو فلاديمير بوتين الذي يحاول جاهدا ـ بل وينجح أحيانا ـ في إعادة روسيا إلى حيز النفوذ الذي كانت قد فقدته ـ كدولة عظمى ـ بعد إنهيار الاتحاد السوفييتي. ـ ومن أبعادها أيضا تنامي تأثير دور الصين على الساحة السياسية الدولية، وتطور ظاهرة العولمة في تجلياتها الإتصالية والثقافيةـ الاعلامية ناهيك عن الاقتصادية والمالية ..ومن هذه الأبعاد كذلك ما تشهده بورصات العالم ودوائر المال بين جنباته من حركة سريعة لرؤوس الأموال بحجم يصل إلى خانة المليارات كل يوم ومنها أيضا قيام أوروبا الموحدة .. بما يعنيه ذلك من وجود منافس جديد على الساحة الدولية ينال من دور الهيمنة الذي ندبت واشنطن نفسها للقيام به .. ومنها كذلك انتشار الدعوات التي تحمل شعارات وترفع لافتات من قبيل: ضرورات التدخل الإنساني تحت عباءة الأمم المتحدة لإنهاء الحروب الداخلية والصراعات الأهلية .. أو من قبيل: حقوق الإنسان وإقرار الحريات الأساسية وتفعيل دور المنظمات الأهلية ، غير الحكومية. أن هنري كيسنجر يطل على هذه الظاهرات والتفاعلات من منظور المصلحة القومية العليا للولايات المتحدة .. كما أنه يتعامل مع هذا كله من منطلق الواقع الحي المعاش بعيدا عن التفتيش في دفاتر التاريخ الماضي والمعني أن البروفيسور هنري ـ أستاذ علم السياسة السابق في جامعة هارفارد لا يكتب درسا في التاريخ ولكنه يبلور أفكارا للحاضر ويستشرف آفاقا في المستقبل .. ولا بأس من لمحات يطل من خلالها هنا أوهناك على بعض الدروس المستفادة من ماضي الوقائع والأحداث وخاصة عندما يحاول أن يتقصى جذور صعود وتنامي الدور الأمريكي بعد الحرب العالمية الثانية وتعاطي أمريكا بشكل مباشر صداقة أو عداوة . تفاعلا أو تصادما مع أقدار العالم في النصف الثاني من القرن العشرين. وبعد .. فهذا هو الكتاب رقم 13 للدكتور هنري كيسنجر .. وهو كما اسلفنا كتاب مضى بالمستقبل إلى حد كبير .. أين هذا من أول كتاب أصدره وكان في التاريخ السياسي وقد عالج فيه السنوات العشر الفاصلة بين عامي 1812 ـ عام هزيمة نابليون في الحرب الروسية و1822 وقد كان بداية الفترة التي أعادوا فيها رسم خريطة أوروبا آثر إنكسار ونفي نابليون ولذلك حمل كتاب كيسنجر الأول عنوانا يقول: عالم أعيد بناؤه: مترنيخ وكاسترلييه ومشاكل السلام. كتابنا الراهن يتألف من 7 فصول يبدأ أولها بسؤال مهم هو: ـ أمريكا عند الذروة: أمبراطورية أم قيادة ؟ ـ ويحمل آخر الفصول السبعة عنواناً يقول: السلام والعدل وينتهى كتاب هنري كيسنجر بخاتمة يهتم المؤلف فيها بقضية تستأهل اهتماما متعمقا من جانبنا.. والقضية التي سوف نعرض لها في حينها في سياق تحليلنا الراهن لهذا الكتاب وقد لخصها الدكتور كيسنجر في خاتمة كتابه تحت العنوان التالي: المعلومات والمعرفة. في الفصل الأول يقف مؤلف كتابنا، الدكتور هنري كيسنجر عند ما يسميه «التركة الموروثة من عقد التسعينيات» يقول أن هذا العقد أفضى إلى وضع غريب يشوبه التناقض: ما بين القوة التي تستمتع بها أمريكا لدرجة تستطيع معها أن تفرض رأيها في مجال السياسة الدولية لدرجة أصبحت تعرف باسم الهيمنة الأمريكية. وما بين عجز أمريكا عن التشخيص الدقيق والناجح لأداء العالم ومشاكله .. ذلك لأن هذا التشخيص ينبع ـ في رأي المؤلف ـ من ضغوط الأوضاع الداخلية في أمريكا نفسها وهذه الأوضاع مازالت متأثرة بدورها بأفكار وطروحات الحرب الباردة. هذا التناقض ينعكس في أوضاع شتى: أمريكا قوية إلى درجة الهيمنة لكن أفراد شعبها لا يأبهون لذلك بل يتعاملون مع هذه السطوة بنوع من اللامبالاة أو عدم الإكتراث. يشهد على ذلك ما تؤكده استطلاعات الرأي العام من تدني اهتمام الجماهير الأمريكية بقضايا السياسة الدولية. ويشهد به أيضا غياب هذه القضايا العالمية من أجندة كل سياسي وكل نائب مرشح لدخول مجلسي الكونجرس: النواب أو الشيوخ ويشهد به كذلك أن القرارات الرئاسية ـ كما يراها كيسنجر ـ لم تنبع من رؤى استراتيجية محترمه علميا لمشاكل العالم، بل كانت تصدر على أساس مرحلي.. كل حالة على حدة، وخاصة في عهد الرئيس السابق كلينتون .. ولم تكن تتصدى لحل المشاكل بقدر ما كانت تهدف أولا وربما أخيرا إلى كسب المزيد من التأييد والشعبية لصحاب الفخامة الذي كان يجلس في المكتب البيضاوي الرئاسي في البيت الأبيض، فيما كانت تحدق به ـ كما شهدنا وشهد العالم، أنواء الهجوم وخطر العزل ومسلسلات الفضائح والتشهير. أيا كان الأمر.. فإن كيسنجر ينبهنا إلى التغيرات التي طرأت على السياسة الخارجية، بل واعترت سلوكيات الدولة القومية ودورها ما بين القرن العشرين إلى مطالع هذا القرن الحادي والعشرين. ولعل أهم هذه المتغيرات ما يلي: خلال القرن الماضي كان يمكن أن توجد دولة قوية عسكريا دون أن تكون قوية اقتصاديا وكان المثل هو الاتحاد السوفييتي فيما يوجد العكس على شكل دول كثيرة .. دار السلام مثلا أو فنزويلا أواكوادور أو دول النفط العربية ـ حيث القوة الاقتصادية، ناضجة إلى حد ملحوظ ولكن على حساب القوة العسكرية. يقول كيسنجر ان هذه الإزدواجية أو هذا الإنقسام كفيل بأن ينتهي في القرن الجديد ومن ثم تعود الأوضاع إلى السياق المنطقي المعقول: القوة العسكرية لابد وأن تتواءم أو تتلاءم مع القوة الاقتصادية والعكس صحيح وإلا أصيبت الدولة ـ القومية بمرض أقرب إلى الشيزوفرانيا ـ الإنفصام السياسي ـ كما قد نقول: إن هذا الإنفصام هو الآفة التي أصابت الاتحاد السوفييتي السابق في مقتل. في هذا السياق يقول مؤلفنا، هنري كيسنجر (ص 24): لقد أكد مصير الاتحاد السوفييتي أن التركيز من جانب واحد على القوة العسكرية أمر يستحيل استمراره، ولاسيما في عصر الثورة الاقتصادية والتكنولوجية وقد ارتبط بها إمكانات الإتصال اللحظى التي تكفل التواصل بين البشر مع إطلاعهم في غرفات نومهم أو معيشتهم على الثغرات الفاصلة في مستوى المعيشة بين هذا الشعب أو ذاك وعلى مستوى العالم بأسره كل هذه المتغيرات تشكل تحديات أمام أمريكا. هكذا يؤكد هنري كيسنجر: أن مشكلة أمريكا أن التجربة التاريخية لم يسبق لها إن انطوت على دروس وعبر يمكن أن تعد أمريكا لمجابهة هذه التحديات المستجدة في حياتها وحياة العالم الذي تعيش فيه ، والمطلوب أن تؤدي فيه دورا قياديا أن لم يكن دورا مهيمنا إلى حد كبير. لقد عاشت أمريكا ـ في رأي المؤلف ـ آمنة الجانب بين محيطين الأطلسي شرقا والباسفيكي غربا فلم تعرف معنى «توازن القوى» حيث لم يكن ينافسها خصم ولا ينازعها غريم أكثر من هذا: لم يعد ثمة مقياس تحليلي واحد يصلح للتعامل مع جميع النظم السياسية والإقليمية القائمة في عالم اليوم. وهذا يشكل بدوره تحديا منهجياـ كما قد نصفه ـ أمام واضع دراسة السياسة الخارجية للولايات المتحدة. إن الدكتور هنري كيسنجر يقسم عالم اليوم إلى 4 نظم دولية ـ قارية توجد جنبا إلى جنب وتقضي من أمريكا إتباع 4 مناهج لتحليل أبعادها والتعامل مع مشكلاتها وهذه النظم الأربعة يعرضها هنري كيسنجر على النحو التالي: 1ـ أوروبا الغربية حيث توجد أكثر من وشيجة تربط بين القيم والمثل السياسية على جانبي الأطلسي وبين أوروبا وأمريكا وحيث تسود في رأيه قيم الممارسة الديمقراطية واقتصاديات السوق وتصبح الحرب أمرا مستبعدا اللهم عند الأطراف حيث يمكن أن تندلع شرارة الحروب والصراعات المسلحة بفعل الصراعات العرقية وحيث الاستعدادات العسكرية في أوروبا يتم اتخاذها لا من أجل الاقتتال الأوروبي بل في مواجهة اعداء خارجيين . 2 ـ آسيا: حيث توجد دول وأقطاب يعامل بعضها البعض معاملة الخصم الاستراتيجي .. هناك مثلا الصين والهند واليابان وروسيا «الآسيوية» ومنها من يعامل الآخر على أنه يشكل تهديداً حقيقياً للأمن القومي. صحيح أن الحروب بين تلك القوى الآسيوية ليست أمرا حاّلا «بتسديد اللام» ولكنها ليست بالأمر المستبعد أيضا.. ونفقاتها العسكرية في تزايد ومن ثم سيظل توازن القوى أمرا له أهميته للحيلولة دون اشتعال الحروب . 3 ـ الشرق الأوسط حيث الصراعات أقرب ما تكون في رأي كيسنجر ـ إلى صراعات أوروبا في القرن السابع عشر بمعنى أن جذورها ليست اقتصادية كما في نصف الكرة الغربي ولا استراتيجية كما في آسيا ومنها عقائدية ودينية ومن ثم فالمطروح في صراعات الشرق الأوسط ليس التعامل مع الآخر بل هو وجود الآخر في الأصل وفي الأساس. وعليه تأتي محاولة في رأي كيسنجر لوضع نهاية حاسمة وختامية لهذا النمط من الصراعات محكوم عليها بالفشل «طبعا كيسنجر يكتب هذه الأحكام وفي ذهنه نموذج الصراع العربي ـ الصهيوني». 4 ـ أفريقيا يقول عنها كيسنجر ان أوضاعها لا تشكل سابقة يمكن الركون أو الإحالة إليها في تاريخ وتجربة أوروبا والغرب والقارة هي من الإتساع وبعد الشقة من أطرافها لدرجة يتعذر معها الحديث عن توازن قوى على صعيدها . وقد كان هناك صراع قوي ثنائي بين أمريكا والإتحاد السوفييتي اتخذ من أفريقيا ساحة له . ولكن هذا الصراع ما لبث أن انتهى واختفى بعد إنتهاء الحرب الباردة مع ذلك فالصراعات الداخلية والحروب الأهلية لن تنتهي في أفريقيا خاصة وأن الحدود التي سبق رسمها لتسهيل الحكم الامبريالي للقارة أصبحت بعد الاستقلال خطوطا تفصل القبائل والموارد والإمكانات والتضاريس الطبيعية مما لايزال يعد مثارا للصراعات والاقتتال الوحشي الذي يصل إلى حد الإبادة الجماعية في بعض الاحيان. وخطورة هذه الحروب الأهلية في أفريقيا أنها تنتقل بفيروس العدوى لتصبح صراعات دولية مما يرتب على ضمير العالم عبء العمل على إخماد تلك الصراعات والأخذ بيد أفريقيا إلى حيث الديمقراطية والنمو. إزاء هذه الأوضاع المتباينة .. ناهيك عن المشاكل المستجدة التي لحقت بكيان الدولة ـ القومية التي طالما عرفناها وخاصة في ظل العولمة التي إما تؤدي إلى تفكك الدولة القومية ـ التقليدية إلى كيانات عرقية «كما في البوسنة مثلا »أو تؤدي إلى النقيض وهو استيعاب الدولة القومية ضمن كيانات إقليمية أقوى وأشمل (كما في الإتحاد الأوروبي). في ظل هذه التعقيدات غير المسبوقة.يرى مؤلفنا ـ الدكتور هنري كيسنجر أن أمريكا ليست مؤهله كما ينبغي لكي تؤدي دورها القيادي المطلوب على مستوى العالم.. السبب يرجع في رأيه إلى عوامل ومؤسسات شتى تشارك بحكم الدستور في صوغ ورسم وتشكيل ومتابعة السياسة الخارجية للولايات المتحدة وفي مقدمة هذه المؤسسات يأتي الكونجرس الذي يجنح أعضاءؤه إلى تغليب المصالح الضيقة لدوائرهم الانتخابية على المصالح العليا التي تفرض تلبيتها السياسة الخارجية للولايات المتحدة.