تباطؤ خطوات الحل السلمي للمشكل السياسي السوداني يبدو وكأنه أمر مقصود ومحبذ من دوائر السياسة السودانية، في الحكومة والمعارضة على السواء. ان المبادرات في هذا الصدد تتعدد وتتناقض وتتناسخ وتتلاشى ولا تخلف كثير تقارب بين مواقف الفرقاء المتخاصمين. التوفيق أم النسخ؟! في السابع من يوليو العام الماضي اتخذت قيادة التجمع المعارض في جلسة عاصفة عقدتها بالقاهرة قرار التوفيق بين صيغتي مبادرة «ايجاد» والمبادرة المصرية الليبية، وفتحت الطريق بذلك للتفاوض مع الحكومة السودانية كانت مادلين أولبرايت قد تخلت عن الادلاء بتصريحاتها الغليظة ضد المبادرة المصرية ـ الليبية «المشتركة»، بعد أن تفهمت دوافع القاهرة المنزعجة من مؤامرة فصل جنوب السودان، لذا تمكن التجمع من جمع الخيوط المشتركة ما بين «ايجاد» و «المشتركة» لتكوين اطار تفاوض أوسع، يضم الحكومة السودانية وحركة التمرد والمعارضة الشمالية، ولم يكن اطار ايجاد يسمح من قبل بتمثيل المعارضة الشمالية في دائرة الحوار، وكأنه لا يعترف بوجود أية مشكلة لها مع نظام الخرطوم، وكانت أحزاب الشمال راضية بذلك الوضع، طالما كانت على اتفاق تام مع حركة التمرد، بعدم جدوى الحوار السياسي مع «عسكر» الحكومة السودانية، وعلى نفس الايمان بوجود منازلة العسكر بالسنان لا باللسان! لكن لقاء التجمع في العام الماضي جاء بشيراً بحل عقبة كبرى تتعلق باطار الحوار، واستبشر البعض بنتائج القرار، إذ انه توافق مع تاريخ مصالحة الأحزاب الشمالية قديماً مع نظام عسكر نميري، وتجاوز البعض الاستبشار إلى التأكيد على ان الصلح الشامل قادم بدليل تسابق البعض على الدخول فيه، كدخول الصادق المهدي وغيره، في اتفاقيات منفردة مع النظام، ولكن ها هو عام كامل قد انفرط، ولما يحدث تقدم ذو بال، إذا استثنينا تلك الاتفاقيات المنفردة. انتكاسات لا تنتكس! على العكس من ذلك حدثت انتكاسات على صعيد التصعيد العسكري في الجنوب أو على صعيد علاقات التجمع بالحكومة في الخرطوم، ففي الجنوب أحرزت حركة التمرد انتصارات عسكرية ملحوظة باستيلائها على منطقتين، كان الجيش السوداني يظن أنهما محصنتين تماماً، هما «راجا» و «ديم الزبير» إلا انه اضطر للجلاء عنهما فأحرج الحكومة كثيراً، وأتاح وهجاً اعلامياً خلاباً على حركة التمرد، استثمرته كثيراً في الترويج السياسي، أما في الشمال فالمحاكمات لا تزال جارية لعناصر من قيادة التجمع بالخرطوم على خلفية التآمر مع «دبلوماسي» أمريكي لاسقاط النظام، ومع ان محمد عثمان الميرغني رئيس التجمع ناشد الحكومة السودانية، لالغاء المحاكمة واطلاق سراح المتهمين، ورحب وزير الخارجية بتلك المناشدة، إلا ان الحكومة لم تسقط التهم، ومضت في المحاكمة قدماً. أسوأ من ذلك كله الاشتباك الذي نشب بين حزب الأمة والتجمع، وهو اشتباك تعدّى حدود المراشقات اللفظية إلى التصفيات الجسدية، إذ اتهم حزب الأمة المتمردين بتصفية أربعين من كوادره بمنطقة راجا في الجنوب، وفي زيارة الصادق الأخيرة لأمريكا استقبل استقبالاً سيئاً من قواعد التجمع، ومع ان لقاء الصادق المفتوح بقواعد التجمع، وبالجالية السودانية بواشنطن الكبرى، كان لقاء تنوير ومفاكرة في الأساس، إلا انه تحول كما قال إلى لقاء ملاسنات قرر هو ألا يخوض فيها. الأجندة الجديدة كنت حاضراً ذلك اللقاء الذي شهد نحو ألفين من السودانيين، كان لقاء مشهوداً أكد ولع السودانيين ونشوتهم العارمة بالسياسة والعدد الذي حضر ذلك اللقاء، قل ان تشهده حتى الحفلات الفنية التي يقيمها السودانيون هناك، ومع ان موعد اللقاء تأخر لساعة ونصف، إلا ان الجميع بقي منتظراً حتى حضر الصادق واستمع الجميع بانتباه وتتبع لحديثه الدقيق في تفصيل المبادرات، وتشريحها، وتقويمها، وتبرير موقف حزبه بالانفصال عن التجمع، والتزام موقف أقرب إلى المصالحة منه إلى المعارضة. ثارت على الصادق عواصف شتى، إذ أجمع كل المعقبين العشرة على الهجوم عليه، اتهموه بأنه يتحدث بنفس عربي اسلامي في السياسة، وبأنه يقف ضد فصل جنوب السودان، وبأنه طالب بتعويضات مادية لحزبه، وبأنه أصبح سفيراً متجولاً لنظام الانقاذ، وبأنه عطل عملية اسقاط النظام، وبأنه تنكر لدول الجوار التي تدعم المعارضة، وبأنه أصبح معارضاً للنظام في الداخل، ومعارضاً للتجمع في الخارج، وأكثر من ذلك فتحوا له ملفاته القديمة، واتهموه بأنه كان ضالعاً في ممارسة الاستئصال العرقي للجنوبيين، عندما كان رئيساً للوزراء في الستينيات والثمانينيات، وبأن القبائل التي تساند حزب الأمة هي القبائل التي تسترق الجنوبيين الآن! رد الصادق على كل ذلك باقتدار بعد ان أعلن انه ما أتى ليلاسن أحداً، ولا ليرد على الملاسنات وتمكن من تجريد الحقائق من اطاراتها الاسطورية، ومن ظلال المبالغات، وشحنات التوتر، وبدا زعيماً ناضجاً، في أداء خطابي وفكري متفوق، ألجم به من ناوشوه، وخلص إلى ان البناء على الحاضر أفضل من البناء على المجهول! وفي الحقيقة فقد كان ذلك قفزاً عن الاطروحات المثالية الراديكالية الكثيرة التي قدمها الصادق نفسه، وتخلى عنها رغم انها كانت من ابداعه. ان فكرة المؤتمر القومي مثلاً هي من ابداع الصادق المهدي، وقد أدمن عرضها وتشكيلها وتفصيلها بأشكال متنوعة غير متسقة وهي فكرة تبدو وكأنها حلم مثالي مختلط، ولأنها فكرة مثالية فقد حشاها الصادق بأمنيات كثيرة، وأحياناً اجتهد على ابرام واخراج قراراتها النهائية، والزم بها أطراف المؤتمر بل ألزم بها أطرافاً أخرى، كما في القرارات العجيبة التي ضمنها المسماة «المشروع المقترح» حيث نص فيه على الآتي: «تقرر الدول والبنوك الدائنة للسودان ان تعفى ديونها عليه، للظروف الصعبة التي مرت عليه، ولأنها أصلاً تكونت في عهد كان الشعب السوداني فيه مغيّباً» فهذا مجرد مثال للمثالية المطلقة التي يتعامل بها بعض السياسيين السودانيين مع معضلهم، إذ لا يمكن ان يصل المرء حتى في أجواء الخيال المُترف إلى حد الزام البنوك العالمية، ولا حتى الاقتراح عليها بالغاء ديونها على السودان نظراً لأي ظروف. ان هذا النوع من الفكر لا يوصل إلى شيء، ولذا ربما بدا للصادق ان يتراجع عنه إلى خط واقعي عسى ان يقدر الناس فيه ان تواضع الناس على المعقول هو الذي يوصل إلى حل على المدى الطويل. أما إذا اتخذت المباحثات اطروحات راديكالية للتغيير، أو هدفت إلى حل الاشكاليات في كلياتها، فإنها قلما تجلب نتائج ايجابية. من هنا يمكن النظر إلى ما انتهت إليه مسيرة المبادرة المشتركة بغير عين التفاؤل، فالشروط التي أقحمت فيها كشرط تقرير المصير الذي يعني عملياً فصل الجنوب لا يرضي مصر، وشرط فصل الدين عن الدولة لا يرضي الحكومة السودانية، وشرط تحديد السقف الزمني لتنفيذ الشرطين السابقين لا يرضي حكومة مصر ولا السودان. هذه المبالغات وأشباهها تنسف كل محاولات التفاوض، ولا تفلح ضغوط الدول الكبرى والاقليمية على الحكومة السودانية، وأطراف التجمع، إلا في جمع الطرفين على مائدة مداولات سرعان ما تنهار. وأما الاشارات والبشارات التي صدرت في الأسبوع الماضي من طرفي «التجمع» و «الانقاذ» بخصوص التوفيق بين «ايجاد» و«المشتركة» فيخشى ألا تكون سوى ترضيات دبلوماسية لدولتي «المشتركة» طالما انها استصحبت في جوفها كل الشروط الصعبة.