السباق المحموم بين مساعي التهدئة من جهة والضغط الاسرائيلي باتجاه تفجير المنطقة من جهة ثانية يجد ما يكفي من العوامل الاقليمية والدولية التي ترجح كفة هذا وذاك بشكل متساوٍ من النسب. يبقى الاختلاف ربما في شكل التفجير وحدّته ونطاق عملياته وأدواته. ان مجريات العمليات العسكرية الاسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ نهاية سبتمبر 2000 تنطبق بمواصفاتها ونتائجها وضحاياها على مقاييس الحرب التقليدية التي تتفاوت حدتها بين يوم وآخر، خاصة وانها تمارس ضد شعب مدني إجمالاً - كي لا نقول شعباً أعزل - يمارس مقاومته ودفاعاته باللحم الحي عموماً وبعض المجهود العسكري المحدود محدودية قدراته في هذا المجال مقارنة مع الآلة العسكرية الاسرائيلية الهائلة. ورب نظرة سريعة على حركة العمليات الاسرائيلية وعلى الضحايا الفلسطينيين والشهداء والجرحى عدا عن الخسائر اليومية كفيلة بالتأكيد على هذه الحقيقة، وهي ان الأراضي الفلسطينية التي شهدت تصعيداً في العدوان الاسرائيلي تصب في سياق يؤكد أنها تعيش حربا حقيقية. اذن كيف يمكن ان يكون الانفجار غير ما هو عليه الآن والذي تحذر منه بعض الدول وأكثر المراقبين وعدد من الاطراف المعنية بعملية السلام؟ مأزق الصهيونية يتداول المتابعون للجهود والاتصالات الجارية على هذا الصعيد الاحتمال الابرز وهو توجيه اسرائيل ضربة عسكرية قاصمة للفلسطينيين بهدف اسكات الانتفاضة نهائياً وتقويض مقومات صمودهم الوطني في مختلف المجالات، وافراز أمر واقع جديد يتوافق في نتائجه مع مُبتغى رئيس الوزراء الاسرائيلي آرييل شارون بالتنصل من متطلبات عملية السلام على المسار الفلسطيني ومن التزامات الحكومات الاسرائيلية السابقة في هذا السبيل. وما يزيد من جدية اعتبار هذا الاحتمال وارد التنفيذ بنظر هؤلاء ان شارون قد وصل الى رئاسة الحكومة بناءً على هكذا مشروع وانه عاجز عن استبداله بأي مشروع آخر، كما انه غير قادر على المراوحة عند وضعية اللاحسم تماماً، كما انه غير جاهز لأي تقدم في عملية السلام أو لا يريد لهذه العملية ان تتقدم مع الفلسطينيين. وهو إن اراد فإنه يرفض تلبية أي طلب فلسطيني تحت ضغط الانتفاضة أو ضغط العمليات العسكرية أو الاستشهادية الفلسطينية. الذين يعرفون شارون أو درسوه عن قرب يؤكدون انه لا يعبأ بالجدل السياسي أو بإلتزام فكرة أو مشروع سوى تنفيذ الخطط العسكرية التي يعتقد انها ممكنة بغض النظر عن النتائج المترتبة عليها، وخاصة على الصعيد الانساني والاخلاقي. هذه أبرز النقاط عبر سجله في الستينيات وفي الثمانينيات خاصة حرب اجتياح لبنان. ورغم الادانات المتنوعة المصادر - بما فيها الاسرائيلية - لسجل شارون، فذلك لم يمنع من صفاقته وزيارته الاستفزازية للحرم الابراهيمي في القدس المحتلة، والتي اشعلت الشرارات الأولى للانتفاضة الحالية. كما ان تراكم هذه الاستفزازات لم يمنع، بل شجع على اختياره وبفارق أصوات كبير عن منافسه (ايهود باراك)رئيسا للوزراء لقمع الانتفاضة اعتمادا على القوة العسكرية وليس غيرها. عام 1964 وعندما كان شارون قائداً في القيادة الشمالية للجيش الاسرائيلي، اصدر اوامره لكبار الضباط في منطقته بالاعداد لتهجير ثلاثمئة ألف فلسطيني الى خارج الحدود الشمالية في حالة نشوب حرب. انه يعشق استغلال الفرص لتنفيذ أفكاره بتهجير الفلسطينيين جماعياً. وهذا كان مسعاه من مجازر صبرا وشاتيلا في بيروت عام 1982 ويجب ملاحظة ان مخيم صبرا فقد معناه الفلسطيني السياسي بشكل شبه كلي منذ ذلك التاريخ إذ انه حافظ على بعض «اللاجئين» فقط، في حين انتقل دوره العسكري والسياسي السابق الى مخيمات الجنوب اللبناني وخاصة مخيم المية ومية في صيدا ونسبياً إلى الشمال وخاصة مخيم نهر البارد. ويلاحظ عارفو شارون تلك المسافة التي تفصله عن زعماء تكتل «الليكود» وثوابت هذا التكتل وهو أحد مؤسسيه عام1973 فشارون لا ينشغل بالتبريرات السياسية أو الايديولوجية ويرى الكتاب الصادر حديثاً عن مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في الأهرام تحت عنوان «الانتخابات الاسرائيلية 2001» ان شارون يمثل في واقع الامر الصهيونية القومية - الدينية الجديدة وهي بمثابة الطبعة الأخيرة من الصهيونية التاريخية. وأبرز طروحات الصهيونية القومية - الدينية رفض تفكيك المستوطنات والحفاظ على «النقاء الديني للدولة» والاستعداد لطرد العرب، ليس من اسرائيل فحسب بل من الضفة الغربية وغزة واجبارهم على اقامة دولتهم مع الاردن التي يعتقد شارون انها الوطن الحقيقي للفلسطينيين. ويتفق المراقبون على ان هيمنة الاحزاب الدينية والقومية على اسرائيل ستؤدي حتماً الى حرب مدمرة. وهذا هو الاتجاه السائد حالياً وربما قد يستمر حتى الانتخابات المقبلة. وفي المقابل، اذا كان شارون هو وليد الحركة الصهيونية هذه، التي خلفت «الصهيونية التصحيحة» بعد انسداد أفق التيارات الصهيونية التقليدية غير ان هذه الحركة لم تنجز للآن مشروعها المُنظم والمنظر للكيان الذي يحمع بين القوميين والدينيين، وكأن الاتفاق الوحيد بين التيارين هو على الشعارات المعادية للفلسطينيين اكثر مما هو اتفاق بينهما، وهو ما يُعبر عن مأزق، اذ أنهما سبق وعجزا عن رسم مخرج لصورة مستقبلية لاسرائيل مقبولة من كليهما، كما استشعرا معا الخوف من عدم التمكن من تحقيق أمن مستقر لإسرائيل في المستقبل. واذا كان المأزق جمعهما، واذا كانا اجتمعا حول شارون الا ان ذلك يجعل من «الليكود» الآن تجمع هجين فكرياً، فمن جهة هناك غلبة للطابع العلماني الذي ترفضه جماعات التجمع الدينية، ومن جهة هناك توجهات مختلفة بين من يطرح «التنازل» عن بعض الأراضي الفلسطينية وبين رافضٍ بالمطلق لذلك. وهنا يقول احد المؤرخين الجدد في إسرائيل ، آفي شليم ، في كتاب «الحائط الحديدي» ان الليكود وحده هو الذي كان قادراً على صنع السلام مع مصر، ولكن السلام مع الفلسطينيين لن يصنعه الا العمل - الحزب - أو الصهاينة التوفيقيون ليظهر في الختام ان السلام مع الفلسطينيين هو وحده الذي سيقود إلى تفكيك التجمع الهجين بين القوميين والدينيين اليهود. سقف شارون وعند هذا المستوى نعود مجدداً الى السباق بين الانفجار ومساعي التهدئة، خاصة وان الانتخابات الاسرائيلية جاءت تمثل بامتياز توجهاً في المجتمع الاسرائيلي حيال الانتفاضة تحديداً لأنها تمت في خضمها.. وهو السباق المطروح في الاساس منذ فوز شارون في 6 فبراير الماضي. لقد حاول شارون تصعيد حربه ضد الفلسطينيين تدريجياً بشكل يستطيع فيه المناورة مع العرب والرأي العام الدولي، أي يمارس حربه دون اعلان فيحصل على نتائجها ويتنصل من مسؤوليتها. وهو ما ادى في حينه الى عمليات استشهادية فاجأته وجعلته «يتأنى» في حربه ويبدي ما سمي «ضبط نفس» وحاول قبض ثمنه في جولته الاوروبية الأخيرة بعد زيارة الولايات المتحدة. وفي موازاة هذه الحرب غير المعلنة على الفلسطينيين حاول شارون الهاء الرأي العام العربي والدولي عن حقيقة ما يجري وخطورته في الاراضي المحتلة، اذ راح يصور ان المشكلة تكمن في رأس السلطة ياسر عرفات وكأنّ بين مسئولي السلطة من هو أكثر مرونة من عرفات. ان طرح اضعاف عرفات أو التخلص منه، الذي قُوبل برفض أوروبي، لا يصب في النهاية الا في غاية احداث فراغ في القيادة الفلسطينية لتهيئة الاجواء امام اي صيغة مفاوضات وتسوية. واذا كانت فرنسا، والى حد ما المانيا ودول الاتحاد الاوروبي عموما، تنظر بقلق الى هذا التوجه الاسرائيلي كما الى مخاطر تصعيد الاوضاع فان الولايات المتحدة لا تمانع شارون على ما يبدو في تحقيق اهدافه فلسطينيا ولو تطّلب ذلك انفجارآ أوسع، شرط عدم اتساع جبهة الانفجار الى الاردن وسوريا وحَتماً مصر. والمؤسف، ان حرب التصفية الاسرائيلية للفلسطينيين تجري وسط شلل عربي مريب ولو انه شلل غير جديد، وهو ما يخشى ان تفسره الحكومة الاسرائيلية بمثابة موافقة عربية على ما تتعرض له الانتفاضة في هذه المحطة الحرجة. لقد أعلن الرئيس المصري حسني مبارك انه ابلغ الولايات المتحدة ان «العنف سيتصاعد ضد المصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط على نحو خطير اذا تخلت عن دورها في عملية السلام وان هذه الأعمال ستضرب استقرار المنطقة. على ان هذا التحذير لم يحرك جهود واشنطن نحو ضغوط جادة على اسرائيل أو أقله في سبيل وقف مسلسل التدهور الدراماتيكي للأوضاع. واللافت في المقابل كثافة الجهود الدبلوماسية الاوروبية والامريكية، مع الأمم المتحدة في العاصمة اللبنانية «لمنع تدهور الاوضاع» بعد قصف حزب الله موقع رادار اسرائيلي في مزارع شبعا المحتلة رداً على قصف اسرائيل موقع الرادار السوري في جبل صنين اللبناني. إن جملة حسابات داخلية ووطنية واقليمية تشير الى ان «حزب الله» لن يتأخر عن فتح الجبهة اللبنانية عند أي انفجار على مستوى واسع، من هنا يستنتج بعض المراقبين ان اسرائيل ارادت بقصفها موقع صنين امتحان الوضع اللبناني - السوري ومعرفة اصداءه المحتملة في حالة «الحرب المفتوحة مع الفلسطينيين». وتنطلق حسابات شارون من ان توسع الحرب وانفجارها على مستوى الدول العربية امر حساس للغاية اذ انه لن يترك الاردن بمنأى عنها كما ان مصر ستكون في موضع بالغ الحرج.. في المقابل فان المواجهة المفتوحة مع «حزب الله» بغض النظر عن مستوى المشاركة الرسمية السورية وبالتناغم مع الانتفاضة، سيجعل اسرائيل في جبهات مختلفة الطبيعة والانعكاسات والآثار، خاصة اذا تمكن حزب الله من ضرب واصابة مواقع حيوية اسرائيلية مدنية وعسكرية، في الوقت الذي لن تكون فيه الانتفاضة قاصرة عن توجيه بعض الضربات النوعية وفق الامكانات المتاحة. وفي الجو الراهن الذي يعيشه الوضع الفلسطيني ومع استمرار الوتيرة الحالية في عملية استنزاف اسرائيل للانتفاضة، يجب ترقّب ردات فعل انتقامية ونوعية بين يوم وآخر... اما الاستمرار على هذا الشكل وبدون ثمن مقابل، فلا غضاضة لاسرائيل فيه. بقلم: د.الياس البراج ـ باحث وكاتب لبناني