حالة الاحتقان في الشرق الأوسط وصلت إلى حد جد خطير ينذر بانفجار الموقف بين لحظة وأخرى مع استمرار سياسة (اللعب بالنار) التي ينتهجها رئيس وزراء إسرائيل (إرييل شارون) وإصراره على التصعيد العسكري لإرهاب الشعب العربي الفلسطيني، الأمر الذي يقود المنطقة (بأسرها) إلى شفا الحرب التي إذا دارت رحاها سيكون شارون أول المحترقين في نارها.. لأنها لن تكون قاصرة على الجانب الفلسطيني فقط بل الوضع قد يتطور إلى مالا يحمد عقباه ليشمل المنطقة ونصبح أمام مواجهة عسكرية جديدة بين العرب وإسرائيل. ولاشك أن أي مراقب لهذه التطورات لابد أن يطرح جملة من التساؤلات يأتي في مقدمتها، وماذا تريد إسرائيل من هذا التصعيد الذي بات أمرا مستفزا لايمكن الصمت ازاءه؟. وأليس من حق العرب أن يكون لهم موقف موحد حيال الاستفزازات الإسرائيلية بدءا بإعلان خطة اغتيالات القيادات الفلسطينية ثم اقتحام الأراضي الفلسطينية وتصفية الفلسطينيين أو بالأحرى إبادتهم. ويتواكب ذلك مع التهديد بالعدوان على ما عرف بدول المواجهة مثل سوريا ولبنان وحتى مصر والأردن اللتين ترتبطان مع إسرائيل بمعاهدتي سلام؟ إذن سيناريو التصعيد كما يقول فاروق الشرع وزير خارجية سوريا يستهدف تحقيق الأمن الإسرائيلي بسفك مزيد من الدم العربي. وعليه نتوقع مجزرة بل مجازر جديدة على غرار ما حدث في صبرا وشاتيلا بجنوب لبنان عام 1982. ومن هنا يبقي الحديث عن الموقف العربي هل سيظل رد فعل للأحداث ونترك إسرائيل تعيس فسادا ودمارا وتنكيلا ثم نتحرك (كعرب) بعد ذلك ؟ بعبارة أخرى هل ننتظر صبرا وشاتيلا أخرى حتى نواجه الصلف والعدوان الإسرائيلي؟ إن تصريحات المسئولين العرب خاصة في مصر والسعودية وسوريا تشير إلى أن العرب لن يقبلوا تكرار ما حدث في يونيه - حزيران عام 1967 وهذا (تطور)إيجابي في إتجاه توحيد المواقف العربية بشكل حاسم حيال العبث الشاروني الذي لم يجد حتى هذه اللحظة ما يردعه عربيا أو دوليا. ومن هنا يمكن القول أن التصعيد العسكري في إتجاه العدوان وتفجير الموقف بالمنطقة لايمكن أن تلجأ له إسرائيل إلا إذا رأت ما يشجعها على ذلك النهج ومن بين تلك (المشجعات). 1- اطمئنان إسرائيل إلى أن المواقف العربية مازالت غير موحدة بالقدر الكافي في التعاطي مع المسألة الفلسطينية ومن ثم الوقوف بحسم أمام ممارسات إسرائيل العدوانية. 2- إدراك إسرائيل أن الإدارة الأمريكية كيفت سياستها في الشرق الأوسط - في عهد جورج بوش الإبن - وفق منطق يتفق (إجمالا) مع توجهات إرييل شارون ويصبح الاختلاف بين الجانبين في (التفاصيل) أمرا غير ذي بال. 3- تيقن إسرائيل أن قرارات الشرعية الدولية ممثلة في الأمم المتحدة قد فقدت مصداقيتها وبالتالي فإن الموقف الدولي تجاه الجرائم الإسرائيلية لن يصل إلى مستوى أكثر من مجرد الرفض في أفضل الظروف بالنسبة للجانب الفلسطيني. وهكذا يطبق شارون (بحرفية شديدة) المثل العربي القائل (إذا لم تستح فافعل ما شئت) أضف إلى ذلك (طالما أنك لن تعاقب فأفعل ما يحلو لك). ورغم أن النيات الإسرائيلية تحولت إلى مخطط يجرى تنفيذه على الأرض فإن السلطة الفلسطينية تتقدم بمبادرة لانقاذ ما يمكن إنقاذه من جهة وكشف الوجه الإسرائيلي القبيح أمام العالم من جهة أخرى. وطبيعي أن إسرائيل التي رفضت أي وساطات إقليمية (المبادرة المصرية الأردنية) أو دولية (تقرير ميتشيل) لتحريك الموقف المتأزم ترفض أيضا المبادرة الفلسطينية الجديدة. على أي حال أضحت الحقيقة بينه للعيان أن السلام الذي أضاع شارون فرص تحقيقه بات من الصعب الحديث عن بعثه للحياة في ظل الظروف الراهنة. وبعبارة أخرى: كيف نتحدث عن السلام والطرف الإسرائيلي بعيد كل البعد عن إمكانية التفاوض بشأنه؟ وفي ضوء هذه التطورات لابد أن يتغير الموقف العربي من إسرائيل في إتجاه (رادع) لتوجهات شارون العدوانية ولعل العرب قد استوعبوا دروس أن وضع (البيض) كله في السلة الأمريكية لن يكون مجديا. لأن الاعتماد على واشنطن - كراعي للسلام - في إنجاز تسوية شاملة وعادله أصبح نوعا من العبثية. إن الموقف العربي المطلوب سواء على مستوى التشاور بين القادة العرب ومن خلال جامعة الدول العربية في مؤسسة القمة يجب أن يتجاوز (ردة الفعل) ليكون (فعلا) إيجابيا فلو أردنا الحديث بشيء من الشفافية فإن المسألة اليوم تتعلق بكيان الأمة العربية في زمن يجب أن نمتلك الشجاعة لاتخاذ قرارات حاسمة لأنه إذا تقاعسنا عن إتخاذها فسوف تحاسبنا عليها الأجيال المقبلة. إذا كانت إسرائيل تريد حربا فلماذا لا يجردها العرب من قدراتها التي جعلتها تفرض الحرب عليهم بمزيد من التوحد القومي وإيجاد إرادة عربية جماعية تستطيع ردع شارون وأمثاله لأنه لن يرجع عن سياساته إلا إذا شعر بالخوف وأدرك أنه سيكون وشعبه وقود أي نار تشعل في المنطقة، ولا يجب أن ننسى أن العالم بعد الحرب العالية الثانية وخلال ما عرف بسنوات الحرب الباردة كان على شفا مواجهات نووية، ولكن لم تندلع الحرب العالمية الثالثة بسبب ما كان يعرف بسياسة الردع النووي بين واشنطن وموسكو.. واليوم في مواجهة إسرائيل نحتاج إلى ردع بشكل أو بآخر يجبر الطغمة الحاكمة في تل أبيب على التراجع وأرى أن هذا الأمر لا تملكه دولة عربية بعينها ولكن هو كما قلت سيكون نتاجا للإدارة العربية الجماعية. فهل تستطيع جامعة دول العربية في ظل أمانتها الجديدة وآليات مؤسسة القمة أن تحقق ذلك ؟ ألم يأن الأوان بعد للأمين العام عمرو موسى أن يتحرك بنشاط مثلما كان خلال توليه وزارة الخارجية المصرية؟ ألم يكفيه وقتا إعادة ترتيب البيت من الداخل؟ ولاشك أن إسرائيل إذا أدركت للحظة مدى خطورة القوة العربية فإن شارون أو غيره لن يجازف بشعبه بأن يدفعه إلى أتون الحرب.. أما إذا أدرك مدى الضعف العربي فإنه سيستمر في غيه وعدوانيته. ومن هنا لابد أن نرصد عددا من المتغيرات السياسية نجد أنها ساعدت إسرائيل على تصعيد العدوان، وفي الوقت نفسه نضعها أمام صناع القرار السياسي والعسكري في عالمنا العربي، وهي على النحو التالي. 1- لعقود طويلة لعبت إسرائيل على التناقضات العربية التي حرصت على تعميقها، وبالعكس كان أي تجمع أو لقاء عربي على أي مستوى من الأمور المقلقة لساسة إسرائيل. 2- رأت إسرائيل أن المواقف العربية تجاه القضية الفلسطينية التي أعلن العرب أنها قضيتهم المركزية ليست جميعها في مستوى واحد من الحماس والتأييد.. فقد استغلت إسرائيل عدم الوفاء المادي لدعم الإنتفاضة وحاولت دك أسافين بين الدول العربية المانحة والفلسطينية أو الإيعاز عبر الاعلام الصهيوني بأن العرب غير جادين في الوقوف عمليا إلى جانب السلطة الفلسطينية. 3- التأييد الأمريكي لشارون وعدم التدخل بفاعلية للخروج من المأزق الذي وصلت إليه عملية السلام تحت دعاوى أن أصحاب القضية هم المعنيون بحلها وأنها أي أمريكا لا تستطيع فرض رأيها على أطراف النزاع. نقول جاء هذا الموقف الأمريكي متزامنا مع قصف الطائرات والدبابات الإسرائيلية بشكل يومي للفلسطينيين في غزة والضفة الغربية ثم يقول (كولن باول) وزير الخارجية الأمريكي إن تحقيق السلام مرتبط بوقف العنف من الطرفين، وهكذا يساوي بين المدافع عن نفسه والمعتدي الغاصب. يرى فعل (الحجر) كفعل الدبابة والطائرة، ويقبل أن ينفذ شارون خطته العدوانية التي أعلن عنها رئيس أركانه موفاز بإجبار الغرب على الضغط على الفلسطينيين. ولا أدري نحو ماذا سيضغطون؟ نحو التخلي عن الحجارة أو الأرض أو الاستسلام للأمر الواقع؟ يأتي ذلك في وقت تقلص فيه الدور الأوروبي في عملية السلام وشارون يعلم ذلك جيدا ولكنه يحاول أن يحمل وجهه القبيح أمام الأوروبيين. وإذا كنا قد طرحنا تساؤلا مهما وهو إذا كانت إسرائيل تريدها حربا فماذا نحن فاعلون؟ أعتقد أن الفعل العربي الآن هو الالتقاء على كلمة سواء وإنصهار الجسد العربي مع الجسد الفلسطيني في بوتقة واحدة تعيد للأمة كرامتها، وهذا هو ما تعلمناه من التاريخ. فهل نستطيع نحن العرب مواجهة إسرائيل سياسيا واقتصاديا وحتى عسكريا؟ الأيام المقبلة ستقدم الاجابة عن هذا التساؤل. بقلم: ابراهيم الصياد ـ كاتب واعلامي مصري