ما يجري في المنطقة من تصعيد سياسي وأمني هو أمر غير مسبوق، وكأن رئيس الوزراء الصهيوني ارييل شارون يريد تعويض ما فاته خلال السنوات الماضية حين أجبر على التراجع للوراء اثر ادانته شخصياً بالمسئولية عن مجازر صبرا وشاتيلا عام 1982، وكأنه أيضاً يستحضر روح مناحيم بيجين رئيس الوزراء الاسبق الذي وقع اتفاقية كامب ديفيد مع مصر ثم غزا لبنان بجيش جرار أكبر من الجيش الذي خاض الحروب الرسمية مع العرب وأكثر تقدما وتقنية. وشارون يدرك رد الفعل العربي من حيث المستوى الذي وصل إليه، سواء كان من ناحية استجداء الحل السياسي، اي حل، أو الهروب من مواجهة استحقاقات المرحلة الخطرة والاستعاضة عنها بخطب رنانة نسمع الكثير منها ونقرأ خاصة في الأيام القليلة الماضية، حيث خطة الاغتيالات قد تم الموافقة عليها رسمياً وعلنياً من قبل الحكومة الصهيونية المصغرة، وحيث عمليات تدمير المنازل تسير جنباً الى جنب مع توسيع المستوطنات وان كان لا يوجد من يسكن فيها. وكان الرهان على الولايات المتحدة منذ الصفقة الأولى حين تم الترويج لامتلاك البيت الابيض كل أوراق اللعبة، فإذا بالانتفاضة الأولى (1987م) تسقط هذا الرهان وتحول حجارة الاطفال الى قذائف ضد الاحتلال، واذا بالمقاومة اللبنانية تضع هذا الرهان تحت اقدام ابطالها وتدحر الاحتلال وتهزمه شر هزيمة وتتركه يهرب دون أن يلبس سراويله الداخلية، حسب وصف احدى الصحف الصهيونية وقتها، واذا بالانتفاضة تتجدد لتنطلق من عمق القدس الشريف ومن المدن الفلسطينية على امتداد الخريطة، سواء تلك التي تقع تحت ادارة الحكم الذاتي او تلك التي يسيطر عليها جيش الاحتلال. بمعنى أن الرهان على الأوراق الأمريكية لم يعد وارداً في الفعل الشعبي العربي على عكس النظام الرسمي الذي لا يزال يراهن على تلك الأوراق بالرغم من التصريحات العلنية والمفضوحة لإدارات البيت الابيض المتعاقبة بالتأكيد على الالتزام بأمن الكيان وابقائه متفوقا على كل العرب. قد تكون المعطيات الراهنة هي الاشد خلال الفترة الماضية، وقد يقوم شارون بتنفيذ خططه فيجتاح مناطق السلطة الفلسطينية ويضاعف من عمليات هدم منازل الفلسطينيين، الا ان هذه المعطيات تقابلها معطيات اخرى، ليست رسمية بل هي شعبية تنطلق من حق المقاومة والتحرير حتى وان وقفت الامم المتحدة وتحول بعض افرادها الى جواسيس في الجنوب اللبناني.. وحتى وان أفصحت الولايات المتحدة عن المزيد من التأييد لقوات الاحتلال الصهيوني وتبنت برنامجه التدميري خوفا من اللوبي الصهيوني في أمريكا. والسؤال هنا ليس للأنظمة العربية التي يتأكد عجزها مع كل قذيفة تطلقها قوات الاحتلال، انما السؤال لجمهور الأمة الذي يمارس غيابا واضحا هذه الايام، بالرغم من اشتداد موجات القتل والتدمير، وكأنه ارتخى للجهاز الرسمي الغائب أصلاً!! رضي الموسوي