مثلما يشكل الإرهاب أحد المكونات العضوية للفكر والممارسة الصهيونية، فإن (إرهاب الدولة) ظل دائما أحد الجوانب الأساسية لسياسة إسرائيل منذ قيامها حتى الآن. لذلك فإن قرار الحكومة الإسرائيلية المصغرة (المطبخ السياسي - الأمني) بتوسيع دائرة الاغتيالات ضد نشطاء الانتفاضة الفلسطينية لم يثر دهشة المراقبين، وخاصة من العرب، الذين يعرفون جيدا الطبيعة الإجرامية للدولة الصهيونية. ويقضي القرار المشار إليه بضرورة تصفية (26) من قادة ونشطاء الانتفاضة المنتمين إلى منظمات (فتح) و(حماس) و(الجهاد) و(الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين)بناء على توصية من جهات الأمن الداخلي (الشاباك) وشعبة الاستخبارات العسكرية. اللافت للنظر هو الاعلان عن هذا القرار في الوقت الذي كان فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون يقوم بجولة أوروبية، يفترض أن من بين أهم أهدافها تحسين صورة الدولة الصهيونية التي اهتزت كثيرا امام الرأي العام العالمي في الآونة الاخيرة نتيجة لجرائمها الوحشية ضد الشعب الفلسطيني وانتفاضته الباسلة. وكان طبيعيا ان يثير الإعلان الاسرائيلي عاصفة من الاستنكار والإدانة العربية والفلسطينية. كما اثار انتقادات واسعة النطاق على المستوى الدولي، وخاصة بين جماعات حقوق الإنسان، وانتقده الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان باعتباره (مخالفا للقانون الدولي، ويهدد بإفساد مساعي السلام في الشرق الأوسط). وحتى وزير الخارجية الأمريكية كولن بأول اضطر لاعلان معارضة بلاده (لهذا النوع من القتل العمد لاشخاص بعينهم). وبالرغم من هذه المعارضة الدولية واسعة النطاق فإن الدولة الصهيونية سارعت إلى وضع إعلانها الإجرامي موضع التنفيذ. فبعد ساعة واحدة فقط من انتهاء اجتماع (المطبخ السياسي - الأمني) جرت محاولة لاغتيال حازم النتشه احد كوادر (فتح) النشطين في مدينة الخليل، وتمت إصابته بجراح خطيرة، وكان قد تم قبل ذلك بيومين اغتيال ثلاثة من نشطاء الانتفاضة بإطلاق الصواريخ من طائرة هليوكبتر على سيارتهم في مدينة جنين بالضفة الغربية. والواقع ان اغتيال نشطاء الانتفاضة هو اسلوب تنتهجه إسرائيل منذ اندلاع الانتفاضة الباسلة في سبتمبر من العام الماضي. وقد تم في اطار هذه (الحرب القذرة) اغتيال عدد كبير من ناشطي المنظمات الفلسطينية وقادة الانتفاضة، باطلاق صواريخ الهيلوكبتر على سياراتهم، أو بتفجير أجهزة الهاتف المحمول، عن بعد، أو بإطلاق الرصاص عليهم مباشرة، وغير ذلك من الأساليب الإجرامية كما جرت عدة محاولات لاغتيال مروان البرغوثي أمين سر حركة فتح في الضفة الغربية وأحد أبرز قادة الانتفاضة. ليس أسلوب الاغتيالات ضد ناشطي الانتفاضة جديدا اذن لكن الجديد هو اعتماده علنا كسياسة رسمية للدولة الصهيونية، والاعلان عن وجود (قوائم الموت) لكوادر المنظمات الفلسطينية البارزين. وهو أمر كان متوقعا بالطبع في اطار محاولات إسرائيل المحمومة لاخماد الانتفاضة، تلك المحاولات المحكوم عليها بالفشل الأكيد، فلماذا لجأت حكومة شارون إلى الاعلان الصاخب عن سياسة اجرامية كانت تنفذها بالفعل طوال الأشهر الماضية، ونفذتها قبلها حكومة باراك؟؟ فشل سياسة شارون الواقع أن الاعلان الاخير يعكس درجة واضحة من العصبية ونفاد الصبر من جانب حكومة شارون ازاء فشلها الواضح في اخماد الانتفاضة، رغم لجوء الدولة الصهيونية إلى أشد الاجراءات بطشا ووحشية ضد الشعب الفلسطيني. وقد نال هذا الفشل بشدة من مصداقية شعار شارون الشهير حول (الأمن للدولة والمواطنين) الذي حقق على اساسه نجاحه الانتخابي الكبير في شهر فبراير الماضي. وتوضح استطلاعات الرأي الانخفاض المستمر في شعبية شارون فقد اشار استطلاع للرأي اجراه معهد (جالوب) ونشرت صحيفة (معاريف) الإسرائيلية نتائجه 6 يوليو 2001(إلى انخفاض نسبة الراضين عن سياسة شارون في المجال الأمني من (51%) في الأسبوع الاخير من شهر يونيو إلى (42%) فقط خلال الأسبوع الأول من الشهر الجاري، علما بأن هذه النسبة كانت تبلغ نحو (70%) في أوائل الشهر الماضي، قبل عملية القدس الاستشهادية. ومن ناحية أخرى فإن حلفاء شارون الأكثر تطرفا في الائتلاف الحكومي مثل (رحبعام زئيفي) وزير السياحة وزعيم حزب (مواليديت) و(أفيجدور ليبرمان) وزير البنى التحتية وزعيم حزب (إسرائيل بيتنا) يستغلان الوضع للمزايدة على رئيس الحكومة واتهامه بالتساهل مع الفلسطينيين، ومطالبته بالتخلي عن سياسة (ضبط النفس) وكأن حكومة شارون تمارس مثل هذه السياسة فعلا. وخلاصة القول ان شارون يهدف من خلال الاعلان الصاخب عن سياسة قديمة يجرى تنفيذها فعليا منذ وقت طويل إلى مواجهة التدهور المستمر في شعبيته ومصداقيته، واحتواء مزايدات حلفائه الأكثر تطرفا في يمينيتهم(ترى هل هناك حقا من هو أكثر يمينية وتطرفا من شارون)؟ تصعيد الانتفاضة يبرهن تاريخ الصراع الفلسطيني الاسرائيلي كله على فشل العنف الصهيوني - مهما ازدادت شراسته ووحشيته - في قمع مقاومة الشعب الفلسطيني. والواقع أن هذا درس يقدمه تاريخ كل الشعوب التي تعرضت أوطانها للاغتصاب. فتفعيل المقاومة الفلسطينية هو الرد على الاحتلال الاسرائيلي. ومادام الاحتلال مستمرا فسوف تستمر المقاومة. وقد برهن الشعب الفلسطيني بصورة ساطعة على انه قادر دائما على انجاب قادة وزعماء جدد يتقدمون نضاله من أجل الحرية. (فاغتيال الموساد) لزعماء مثل أبي يوسف النجار وكمال عدوان وكمال ناصر وغسان كنفاني لم يوقف الثورة الفلسطينية في السبعينيات، وحتى اغتيال زعيمين كبيرين مثل أبي اياد وأبو جهاد لم يوقف الانتفاضة الأولى، رغم أنهما كانا يمسكان بالكثير من خيوط الكفاح المسلح والعمل التنظيمي في الضفة والقطاع. واغتيال فتحي الشقاقي زعيم (الجهاد) ويحيى عياش الشهير بالمهندس - (حماس) لم يوقفا الكفاح المسلح لهذين التنظيمين والأمثلة أكثر من أن تحصى. أما بالنسبة لانتفاضة الأقصى الجارية فانها تنجب كل يوم مزيدا من القادة والنشطاء. وقد اندلعت في وقت اصبحت فيه العمليات الاستشهادية تقليدا كفاحيا فلسطينيا بارزا، لا يقتصر شرف ممارسته على ابناء الداخل وحدهم، بل يمتد ليشمل الفلسطينيين في الشتات. والملحوظ أنه كلما توسعت الدولة الصهيونية في الاغتيالات، وكلما صعدت عدوانها الوحشي على الشعب الفلسطيني، كانت تتزايد باستمرار وتيرة العمليات الاستشهادية والعسكرية. ومقابل نحو ستمائة شهيد فلسطيني حتى الآن، لقى نحو مائة وعشرين اسرائيليا مصرعهم في تلك العمليات، وحينما أعلن عن (وقف اطلاق النار) بعد عملية تل ابيب الاخيرة، لم تلتزم القوات الإسرائيلية بها، وواصلت الاعتداء على الفلسطينيين واغتيال نشطاء الانتفاضة كما تصاعدت اعتداءات المستوطنين ضد الشعب الفلسطيني، تحت حماية الجيش الصهيوني. وكان الرد الفلسطيني هو توجيه نصل الكفاح المسلح ضد المستوطنين وجنود الاحتلال في الضفة والقطاع، وتصفية عدد منهم في الفترة التالية للاتفاق على (خطة تينت) التي تلبي شروط إسرائيل الأمنية بصورة كاملة تقريبا. إن القصف الجوي بطائرات (اف - 16) لم ينجح في وقف العمليات الاستشهادية في كبرى المدن الإسرائيلية. وكان الايلام الشديد الذي سببته هذه العمليات للإسرائيليين هو ما دفع واشنطن للتحرك ومحاولة تهدئة الموقف ووقف نزيف الدم الصهيوني. واذا كان الفلسطينيون لم يقعوا في الفخ الأمريكي - الإسرائيلي، وميزوا بوضوح بين وقف ا لعمليات الاستشهادية ووقف الانتفاضة، فإن امكانية العودة إلى تلك العمليات لا تزال قائمة - كما ان استمرار العمليات العسكرية ضد جيش الاحتلال والمستوطنين في الضفة والقطاع يحافظ على وتيرة لا بأس بها للانتفاضة، كما يحافظ على معنويات الفلسطينيين، وقدرتهم على مواجهة احتمالات التصعيد الاسرائيلي، بغض النظر عن حالة التخاذل العربية التي تحيط بهم من كل جانب، أما اذا أقدمت إسرائيل على اجتياح الضفة والقطاع كما يجري الترويج في الأيام الاخيرة، فالمؤكد أنها ستدفع ثمنا فادحا لمثل هذه الخطوة، سواء اثناء عملية الاجتياح نفسها بفرض حدوثها، أو بما سوف تتعرض له من رد فلسطيني وسط كتلتها السكانية الرئيسية في الأرض المحتلة عام 1948 لذلك نعتقد أن الدولة الصهيونية ستفكر ألف مرة قبل الاقدام على مثل هذه الخطوة. يبقى في قضية توسيع نطاق الاغتيالات نقطة بالغة الخطورة أشارت إليها صحف (7) يوليو 2001 تلك هي الخاصة بتسرب مضمون (وثيقة سرية للغاية) هي تقرير لجهاز الأمن الداخلي (الشاباك) خلاصته أن (غياب عرفات) يمكن أن يكون أكثر فائدة لإسرائيل من وجوده، وينسجم هذا التوجه مع الحملة العنيفة التي يشنها شارون خلال الايام الأخيرة ضد رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، متهما اياه بأنه (ارهابي) و(مثل بن لادن)، واذا صح صدور مثل هذا التقرير عن (الشاباك) ولم يكن مجرد حلقة من حلقات الحرب النفسية الضارية على السلطة الوطنية - فإنه يعكس تطورا بالغ الخطورة في مسار تفكير الحكومة الإسرائيلية، التي كان أقصى ماتذهب إليه هو التهديد باجتياح الضفة والقطاع وطرد عرفات، وهذا في حد ذاته أمر بالغ الخطورة. أما اذا اقدمت إسرائيل على اغتيال ياسر عرفات فسيكون الامر أخطر بكثير. فسوف تدفع الدولة الصهيونية في تلك الحالة ثمنا بالغ الفداحة. والمؤكد أن الرد الفلسطيني سيكون بالغ العنف. وسيندفع مئات وربما آلاف الفلسطينيين للثأر لزعيمهم التاريخي مهما تكن انتقاداتهم له أو تحفظاتهم عليه. فقد أصبح عرفات عبر عقود من الكفاح السياسي والمسلح رمزا للشعب الفسطيني وقضيته، صحيح أن تعويض مثل هؤلاء الزعماء التاريخيين أمر بالغ الصعوبة رغم اخطائهم التاريخية، الا ان الصحيح ايضا أن زعماء إسرائيل لن يجدوا زعيما فلسطينيا، بعشر معشار وزن عرفات، مستعد للتفاوض معهم حول أي شيء. وسيكون أول درس يستخلصه الفلسطينيون انه اذا كان الصهاينة قد اغتالوا رجلا بمثل (إعتدال) عرفات فلم يبق مجال للتفاوض وسيفتح الباب على مصراعيه امام فوضى ستكون إسرائيل أول من يدفع ثمنها الفادح، ولن يتوقف نضال الشعب الفلسطيني رغم كل شيء. فالمقاومة رد فعل طبيعي للشعوب الحية على اغتصاب حقوقها واحتلال أراضيها، ومادام الاحتلال مستمرا، ومادامت الحقوق مغتصبة، فلن تتوقف المقاومة. هذا هو درس التاريخ. وقد برهن الشعب الفلسطيني بصورة رائعة على انه يفهمه جيدا، ويطبقه بامتياز. بقلم د. محمد فراج أبوالنور ـ كاتب مصري