فقط القوة العسكرية وصلابة المواقف العربية الجادة هما اهم عنصري الردع لما ترتكبه اسرائيل من اعمال قتل وتجويع للفلسطينيين.. على ان يتزامن ويسير ذلك في ظل ابواب دبلوماسية مفتوحة.. حتى يبقى العرب دعاة سلام حقيقي.. ولابد ان يعرف المجتمع الدولي هذا التوجه، وقطع الطريق امام اسرائيل لكي لا تتمكن من تشويه صورة العرب، حتى ينكشف الوجه القبيح لساسة وعسكر الدولة العبرية امام العالم كله، واصرارهم على جر المنطقة كلها الى حافة الانهيار مع ما يستتبعه ذلك من انعكاسات خطيرة اقليميا ودوليا. حول استمرار التصعيد العسكري الاسرائيلي.. اهدافه ونتائجه.. التقى «الملف السياسي» في بروكسل بخبير الشئون الفلسطينية الاسرائيلية «عبدالقادر سليمان» وحاوره حول القضية التي تشغل عقل وضمير العرب وتثير قلق المجتمع الدولي من احتمالات انفجار غير محسوب في المنطقة. ـ هل يوجد امل في عودة اسرائيل مع الفلسطينيين لمائدة مفاوضات السلام؟ ـ في الوقت القريب لا اعتقد بوجود امل حقيقي في ذلك، ولو حدث فستكون المعجزة، طبعا هذا من وجهة نظري، حيث تكشف ممارسات الحكومة الاسرائيلية برئاسة «شارون» عن تخبط سياسي، فهو يحاول ارضاء جناح اليمين المتطرف حفاظا على بقاء حكومته في السلطة، وهي المهددة بالانهيار في اي لحظة. لهذا فهو يتصرف مع الفلسطينيين بعنف، ويضرب بكل الاتفاقيات والوعود عرض الحائط لاهداف سياسية داخلية، كما ان سلوكياته العسكرية تسيطر على شخصيته وترسم افعاله منذ ان كان وزيرا لدفاع الدولة العبرية، ولا يوجد في تاريخه السياسي والعسكري ادنى حد لتوجه نحو السلام، وهو الامر الذي كان وما زال مؤشرا واضحا جليا، مفاده ان بقاء هذا «الشارون» على رأس حكومة اسرائيل، لن يحقق الاستقرار لا في الاراضي الفلسطينية المحتلة، ولا في داخل اسرائيل. ومن ناحية اخرى ينبغي الا ننسى بأن صك وصول شارون للحكم كان وعده بتحطيم الفلسطينيين خلال مئة يوم، وشارون لن، يعود لمفاوضات السلام وينهي ضرب الفلسطينيين بدون مواقف عربية جادة، غير اطلاق عبارات الشجب والادانة. مخاوف السلام! ـ هل توجد فعالية لمواقف الدول العربية ازاء التطورات في الاراضي المحتلة؟ ـ لعلي اوضحت ضرورة كف الدول العربية عن التنديد بأفعال اسرائيل، التي تسقط الشهداء يوميا، فالتحركات العربية مصابة بالشلل، وإن كانت تحدث محاولات دبلوماسية عربية تقليدية لا تفي بالغرض منها، وهذا يعود لمرض الجسد العربي وحالة التمزق على المستويات الرسمية، فتوجد بين الانظمة العربية خلافات تجهض وحدة المواقف، واسرائيل تعرف ذلك جيدا وتلعب على أوتار التفكك، وأمريكا اصبحت هي الاخرى تدرك ذات اللعبة. وأبسط الامور مثلا حدوث مقاطعة عربية شاملة لاسرائيل، وهو الامر الذي لم يحدث فالتجارة بين كثير من الدول العربية واسرائيل قائمة وتوجد بينهم علاقات دبلوماسية وهي امور تبعث على الخجل والاحباط في الوقت الذي تطلق فيه اسرائيل النار على الاطفال والنساء والشيوخ. ـ شارون يدمر جهود الوساطات الدبلوماسية وهو امر يهدد بانفجار المنطقة كلها، فهل هو صاحب مصلحة في ذلك؟ ـ نعم.. هو وغالبية الشعب الاسرائيلي وهو يعرف ذلك جيدا ويسعى اليه، واليمين عندهم يعتقد تماما ان التوتر والحرب بين كل مرحلة واخرى شرط اساسي لضمان كيان اسرائيل اطول فترة زمنية ممكنة في المنطقة وهو ـ شارون ـ يحاول جر سوريا او مصر لحرب، ليس بالضرورة ان تكون حربا شاملة، لكن ضربات خاطفة لارباك المنطقة، واثارة التوتر الاجتماعي وضرب الاستقرار، وتعطيل حركة التقدم الاقتصادي، وهز ثقة المواطن العربي في جيوشه، وتضييع فرصة بناء جيوش دفاع عربية قد يؤدي توحدها لو حدث الى وضع نهاية لاسرائيل. الامر الثاني هو ان السلام مع الفلسطينيين يهدد بحدوث خلل في الديموجرافية الاجتماعية الاسرائيلية، حيث ان معدلات زيادة المواليد عند الفلسطينيين اعلى بكثير من الاسرائيليين، وهذا يشكل مخاوف بالنسبة لهم. ومعنى حدوث سلام فعلي، وحرية انتقال العمالة الفلسطنينية لاسرائيل بالداخل وبداية طريق لفيدرالية، في شكل نظام حكم يضمن الحياة لجميع السكان، يبتلع اسرائيل تدريجيا وهو الامر الذي لا تريده. ودعني اطرح هذه الفرضية ربما تكون مجنونة لو اتخذت كل الدول العربية قرارات بالتطبيع على كافة المحاور، وفتحت ابوابها لاقامة سلام شامل مع اسرائيل، فإن اول الرافضين ستكون حكومة الدولة العبرية، يسارها ويمينها وشرائحها السياسية الاخرى. وثالثا ادى فشل شارون في تنفيذ وعوده لانصاره وناخبيه بتحطيم الفلسطينيين في مئة يوم على حد قوله كما ذكرت آنفا الى محاولاته المستمرة في نقل وتصدير الصراع لخارج اسرائيل. المصداقية الغربية ـ ما هي حقيقة ما يتردد عن وجود ضغوط امريكية اوروبية على السلطة الفلسطينية؟ ـ بالفعل توجد ثمة ضغوط اوروبية على السلطة الفلسطينية باعتبار الاتحاد الاوروبي يقوم بدور الداعم الاقتصادي للفلسطينيين وكانت اوروبا تهدد بوقف المساعدات لهم، في معظم الاحوال بشكل سري وفي بعضها علانية، وتطلب منهم وقف الانتفاضة لتهيئة مناخ السلام، وهو تكرار لمطالب شارون هذه الضغوط فقدت قوتها كما ان المطالب فقدت مصداقيتها وذلك بعدما انفضحت ممارسات الجيش الاسرائيلي للعنف ضد الفلسطينيين، وتأكدت اوروبا من مواقف شارون واعطائه الاوامر بعمليات القتل، وتصفية عناصر قيادية فلسطينية. اما امريكا فإنها بدون ادنى شك لها مواقف منحازة لاسرائيل، وهذا ليس بجديد على واشنطن، فهي اكثر من يمارس الضغوط على السلطة الفلسطينية لاجبارها على الموافقة على طلبات اسرائيل. ـ طالما تحدثت عن قتل الجيش الاسرائيلي لقادة الانتفاضة فهل ستؤدي عمليات اغتيالهم وعناصر المنظمات الاسلامية لمزيد من التصعيد؟ ـ بالتأكيد فإن الممارسات الاسرائيلية تزيد من لهيب الشارع الفلسطيني وان الشعب الذي يعاني بسبب الفقر والجوع والمرض وسقوط الشهداء، لن يستسلم بسهولة حتى للسلطة الفلسطينية، حتى لو أرادت وقف الانتفاضة، حيث تسود حالة من الشك في قدراتها على التوصل لحل سلمي مقبول ينهى الاحزان ويوقف المذابح والشعب الفلسطيني يتصرف بناء على ذلك من تلقاء ذاته بدافع الثأر لشهدائه وكرامته، التي فشلت السلطة الفلسطينية في الحفاظ عليها. اذن فالتصعيد وارد لا مناص الا اذا مارست امريكا ضغوطها على اسرائيل، الامر الذي يدخل في اطار الاحلام وقامت اوروبا بدورها المطلوب. تطور جديد ـ كيف تقيم زيارة شارون مؤخرا لأوروبا؟ ـ في جولته الاوروبية الاخيرة حاول رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون كسب تأييد لوجهة النظر الاسرائيلية، وعلى الرغم من وقوف وسائل اعلامية تساند الصهيونية في بعض الصحف الاوروبية خاصة في فرنسا والمانيا الا ان رحلة شارون فشلت سياسيا، وقد حدثت خلافات مع شيراك وشرويدر اكبر زعماء اوروبا حول كيفية معالجة الوضع المتوتر، فلم تتحول مواقف اوروبا لصالح اسرائيل ضد الفلسطينيين. والملفت للنظر ان شارون تلافى زيارة بلجيكا، التي ترأس الدورة الحالية للاتحاد الاوروبي، وذلك بسبب القضية المرفوعة ضده الاتهام بجرائم حرب في صبرا وشاتيلا امام المحاكم البلجيكية. وكانت زيارته مؤخرا هي محاولة ثانية، بعد ان فشل قبل ذلك في اجراء مباحثات مع الاتحاد الاوروبي الذي رفض لقاءه بسبب تزايد العنف الاسرائيلي وكان تطورا غير مسبوق، ولم تنجح محاولات شارون بوصفه عرفات بالقاتل وعدم الالتزام بقرارات وقف اطلاق النيران. ـ ما هي السيناريوهات المتوقعة مستقبليا؟ ـ على اساس التكهنات فقط اولا شارون اسرائيل يراهن على نهاية عرفات بخروجه من السلطة او بأي شيء آخر حتى يجد لنفسه مبررا امام اليمين المتطرف الاسرائيلي لتهدئة الاوضاع وثانيا سقوط الحكومة الاسرائيلية الحالية قد يؤتي بحكومة اخرى تكون شبه معتدلة، حتى لاعادة الجميع لمفاوضات السلام وحقن الدماء. كما توجد آمال معلقة على الامين العام الجديد لجامعة الدول العربية، في ان ينجح لاعادة هيكلة بيت العرب وتطويره، ليكون اكثر فعالية. اما لو وقع بشار الاسد في فخ شارون وجره لحرب او تم استدراج القوات العسكرية المصرية، ففي هذه الحالة ستشتعل المنطقة كلها، ولا استبعد حدوث حرب شاملة، ونتمنى الا يحدث ذلك. أجرى الحوار في بروكسل: د. سعيد السبكي