مع أن الولايات المتحدة قد تدخلت أخيرا في مسار الصراع العربي الإسرائيلي بعد شهور خمسة من توقف جهود الوساطة الأمريكية في عامنا الحالي، فإن خطة جورج تينيت، مدير المخابرات المركزية، للهدنة بين إسرائيل والفلسطينيين قد فشلت تماما على الرغم من النوايا الحسنة العربية عند إبرامها في 13 يونيو الماضي، وتغاضي السلطة الفلسطينية عن انحياز هذه الخطة التام لإسرائيل، وإعطائها الأسبقية الأولى لمطالب أمن إسرائيل داخل الخط الأخضر (حدود 4 يونيو 1967) وفي المستعمرات الاستيطانية في الضفة الغربية لنهر الأردن وغزة، وحرمانها الفلسطينيين من أي كسب سياسي أو أمني بعد تضحياتهم الكبرى طوال تسعة شهور من الانتفاضة الثانية. واستكمل الإرهابي العتيد آرييل شارون «خطة المائة يوم» لقمع الانتفاضة الفلسطينية في 18 يونيو الماضي غير آبه بخطة تينيت، أو جولة وزير الخارجية الأمريكي كولن باول الأخيرة في الشرق الأوسط لتثبيت وقف إطلاق النار الهش الذي تنتهكه إسرائيل حتى الآن. حدد شارون بوضوح هدفه خلال العام الحالي 2001 وهو إجهاض الانتفاضة الفلسطينية الثانية دون أي مقابل سياسي مكتفيا بقبوله تنفيذ بعض التزامات المرحلة الانتقالية التي كان يجب أن تكتمل في مايو 1999 ، والتي وردت في اتفاق شرم الشيخ المبرم في سبتمبر 1999 والذي صدق عليه الكنيست الإسرائيلي. ويصر شارون على أن يظل بمفرده الحكم الوحيد على درجة العنف المناسبة لبدء مرحلة التهدئة بأسابيعها الستة، وما يتلوها من فترة جديدة لبناء الثقة تنفذ فيها بعض الإجراءات الانتقالية وتمتد 3 - 6 شهور، مطمئنا إلى التأييد الأمريكي لتقديراته وتوقيتاته وواثقا من الحماية الأمريكية ضد أية ضغوط دولية على إسرائيل قد يسعى بعض الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن لفرضها في فلسطين المحتلة، وبخاصة فيما يتصل بالمراقبين الدوليين المحايدين في الضفة الغربية لنهر الأردن وغزة الذين تطلبهم مصر وفرنسا وروسيا، والسلطة الفلسطينية بالطبع. وقبل مرحلة التهدئة وفي أثنائها يستمر تنفيذ مخطط شارون لزعزعة وإضعاف السلطة الفلسطينية وبهدف إدخال تغييرات أساسية في تشكيلها، وحرمان الشعب الفلسطيني من بناء أهم مقومات اقتصاده الوطني، ويستغل في ذلك بطء تدفق المعونات المادية العربية إلى فلسطين المحتلة، والانخفاض النسبي في قيمتها وتأثيراتها شهرا بعد آخر، وهدوء أجهزة الإعلام العربية في مجملها على الرغم من استمرار البطش الإسرائيلي في الضفة الغربية وغزة. ويركز شارون في دعاياته على التشكيك في مصداقية وجدوى المساندة العربية المنتظرة للشعب الفلسطيني في كفاحه لإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، ويؤكد أنه لا مجال لتغيير حقائق الأمر الواقع في فلسطين المحتلة، ولا مفر من قبول السلام الإسرائيلي بكل شروطه اليوم وغدا، وبقاء القدس الموحدة عاصمة للدولة الصهيونية. أما الهدف الذي يخطط له شارون وخلفه نتنياهو في المدى القريب (خلال 3 - 4 سنوات) فهو إدارة صراع منخفض الشدة تتحكم إسرائيل في درجة تصعيده مع الفلسطينيين الواقعين تحت نيران الاحتلال في الضفة الغربية وغزة، وضد سوريا والمقاومة الإسلامية في جنوب لبنان، ومن ثم التحول من التسوية السياسية للنزاع العربي الإسرائيلي إلى احتواء النزاع بين إسرائيل ودول الطوق العربية، وإدارة الصراع دون انهيار تام للمفاوضات بين أطراف النزاع العربي/الإسرائيلي. وفي غياب الضغوط العربية المخططة والمتكاملة على واشنطن، وبخاصة من جانب الدول العربية المعتدلة كمصر والسعودية والمغرب والإمارات العربية المتحدة، فإن الولايات المتحدة سوف تقبل تدريجيا هذا التحول إلى إدارة أزمات الصراع العربي الإسرائيلي دون الإصرار على محاولات الوصول إلى تسويات سياسية شبه نهائية على بعض مساراته في القريب العاجل. تبنى السيناريوهات المرجحة للصراع المسلح بين إسرائيل ودول الطوق العربية حتى صيف العام المقبل 2002 على ستة أسس رئيسية، أولها هو توظيف التفوق الكمي والنوعي (الكيفي) في القدرتين العسكريتين النووية والتقليدية على كل من مصر وسوريا منفردة إلى أقصى حد ممكن، مع استغلال تراجع الدعم العسكري الروسي والصيني لسوريا، والمصاعب المالية والاقتصادية التي تعاني منها مصر وسوريا معا، واستغلال القدرة النووية التكتيكية كأداة رئيسية - للردع الوقائي وتجريد دول الطوق العربية من المبادأة بالعمليات الحربية. والأساس الثاني من وجهتي نظر بنيامين أليعازر وزير دفاع الصهاينة ورئيس الأركان شاؤول موفاز، أن نمط الحرب التقليدية كالتي دارت في أكتوبر 1973، أو عند غزو لبنان عام 1982، ليس ملائما في الوقت الحالي لاعتبارات دولية وإقليمية في مقدمتها تجنب الإضرار بالمصالح الأمريكية في المنطقة العربية، والحذر من اشتعال حرب إقليمية فيها تشارك في عملياتها أكثر من دولة عربية واحدة ضد إسرائيل، ويواكبها احتدام وتصعيد المقاومة الفلسطينية في عمق الأراضي المحتلة. والأساس الثالث هو توجه أمريكي وإسرائيلي في آن واحد، وهو تجنب «توسيع النزاع الحالي» بإرادة عربية، وتجميد ثم تجاهل المبادرة «المصرية الأردنية» لوقف العنف واستئناف التفاوض، ومنع تدهور الموقف على اتجاهين استراتيجيين في نفس الوقت، وبخاصة إذا تم ذلك بتنسيق عربي تشترك فيه القاهرة أو دمشق أو كلاهما معا. ويفسر هذا الأساس مبادرة إسرائيل بضرب أهداف دفاع جوي سوري في لبنان أكثر من مرة ردا على نشاط حزب الله في مزارع شبعا، وتكرار المطالبة الأمريكية لسوريا بضبط النفس. وفي ضوء هذا الأساس يضرب شارون بشدة محاولات حزب الله لتخفيف الضغط الإسرائيلي على الفلسطينيين في الأرض المحتلة، ولا يحفل شارون بتبعات الاختراق المدبر للخط الأزرق على الحدود مع لبنان الذي قامت بتعليمه قوة الطوارئ الدولية. والأساس الرابع من وجهة نظر شارون ونتنياهو هو تقويم مدى تنفيذ قرارات قمة عمان العربية، وأداء لجنة متابعة هذه القرارات لدعم صمود الفلسطينيين بعد ما حاق بهم خلال فترة خنق الانتفاضة طيلة مئة يوم امتدت حتى منتصف يونيو الماضي، وما بعدها، أو لتفعيل المقاطعة الدبلوماسية لإسرائيل، أو خفض درجة التمثيل الدبلوماسي لمصر أو الأردن في تل أبيب، أو وقف صادرات البترول، والغاز الطبيعي من مصر وقطر لإسرائيل. والأساس الخامس هو محاولة إسرائيل إبعاد مصر عن التأثير المباشر في تطور الصراع في فلسطين أو في الجولان وجنوب لبنان، سواء بتجنب المواقف التي تؤدي إلى توتر مسلح على الحدود المصرية الإسرائيلية أو من خلال الدور الأمريكي في تهدئة ردود فعل القاهرة والضغط الاقتصادي على الحكومة المصرية. والأساس السادس هو تخطيط وإدارة حرب نفسية هجومية مخططة ضد الفلسطينيين ودول الطوق العربية، تشترك فيها أجهزة الإعلام الصهيونية والأمريكية، وتركز على استحالة الحل السياسي الشامل في المستقبل القريب، وعلى واقعية التفكير في حلول مرحلية متتالية ولكنها طويلة الأمد، ثم على هامشية دور القوى الدولية في أحداث النزاع العربي الإسرائيلي فيما عدا الدور الأمريكي الحليف لإسرائيل، وتؤكد على حاجة إسرائيل للأمن، وقبولها لإرجاء السلام الشامل سنوات طويلة مقبلة. وهذا الأساس يفسر تصريحات مارتن انديك السفير الأمريكي السابق في تل أبيب المؤيدة للتسويات الجزئية أو الانتقالية، ورفض واشنطن وجماعات الضغط اليهودية لوجود المراقبين الدوليين في فلسطين المحتلة، وإن بدا احتمال الاعتماد على عدد محدود من عناصر المراقبة الأمريكية. وترتبط سيناريوهات الصراع المسلح المرتقبة بقدرة دول الطوق العربية على اقامة تنسيق استراتيجي كامل بينها، وهو ما لم يتحقق بعد على الرغم من مؤتمري القمة العربيين في القاهرة وعمان، والدبلوماسية الثنائية أو متعددة الأطراف التي شاركت في جهودها المملكة العربية السعودية، فلم تتم المصالحة بعد بين سوريا والسلطة الفلسطينية، ولم تتم حتى الآن اجتماعات تضم دول الطوق العربية الخمس (سوريا ولبنان والأردن وفلسطين ومصر) معا كي تحدد بوضوح قاطع أسس خيار السلام الذي تقبله مع اسرائيل، وبخاصة بالنسبة لحدود وموعد قيام الدولة الفلسطينية، وتحرير القدس الشرقية شاملة القدس القديمة داخل الأسوار، واستعادة الجولان، وكامل التراب اللبناني. ولا يبدو حتى الآن دور متكامل لدول الطوق العربية أو جامعة الدول العربية في صياغة قرارات دولية من مجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة لفرض قوة مراقبة محايدة في فلسطين ورعاية مفاوضات التسوية، كما أن تفعيل دور مؤثر لمنظمة المؤتمر الاسلامي في قضايا القدس واللاجئين لا يزال مجرد أمل وهدف طال انتظاره. يبدو أن السيناريو الأول المرجح لدى شارون وأليعازر وموفاز هو القيام بضربة خاطفة واسعة النطاق ضد السلطة الوطنية الفلسطينية، ويتم فيها تدمير (40) هدفاً حيوياً فلسطينياً تشمل مؤسسات السلطة الأمنية والاقتصادية والادارية في غزة ورفح والخليل وجنين ورام الله لهدم بنيتها الأساسية واجبارها على الاستسلام أو فرض قيادة بديلة ترضخ لبعض مطامع اسرائيل، وتقبل اتفاقا مرحليا جديدا ينفذ خلال 2-3سنوات ويخطط شارون لتنفيذ هذه الضربة اذا تجددت الحوادث الاستشهادية ضد أهداف في عمق اسرائيل أو ضد المستعمرات الاستيطانية. ويسبق هذه الضربة حشد عسكري للقوات الاسرائيلية في مثلث شبعا وعلى امتداد الحدود المشتركة مع لبنان، وتزايد الطلعات الجوية الاسرائيلية فوق الأراضي اللبنانية مستغلة صمت الدفاع الجوي السوري المتمركز في سهل البقاع. والسيناريو الثاني هو القيام بعملية عسكرية خاصة، محدودة المدة بالأيام، ضد القوات السورية في سهل البقاع وحزب الله في الجنوب اللبناني بعد تصعيد التوتر المسلح على الحدود الشمالية لاسرائيل مع سوريا ولبنان، وتكرار الاغارات على مواقع الرادار السورية في الأراضي اللبنانية. وتتلو العملية عودة القوات الاسرائيلية الى مواقعها في الجليل الأعلى دون الاحتفاظ بأرض مكتسبة تجنبا للتداعيات الاقليمية المنتظرة وبخاصة من جانب مصر والسعودية. وبعد هذه العملية سيعلن شارون قبوله استئناف المفاوضات مع سوريا على أن تركز على الجانب الأمني أولا، ثم محاولة إبرام اتفاق مرحلي أو انتقالي في الجولان، والضغط على لبنان لنزع سلاح ميليشيا حزب الله، ووضع قوات الجيش اللبناني في الجنوب على امتداد الحدود المشتركة مع اسرائيل. ويصاحب هذا السيناريو استمرار الضرب الانتقائي ضد أهداف فلسطينية مختارة، واغتيال أو اختطاف قادة المقاومة الاسلامية في الضفة الغربية لنهر الأردن وغزة، في اطار الإخماد البطيء لأنشطة الانتفاضة الفلسطينية الثانية، والحاق الدمار بالبنية الاساسية لفلسطين المحتلة. ويبقى أن نؤكد خطورة ترك المبادأة السياسية والعسكرية في يدي اسرائيل، واكتفاء دول الطوق أو العمق العربية بسياسة ردود الفعل في الأراضي العربية المحتلة، واستمرار جامعة الدول العربية في نهج الدبلوماسية الهادئة الى حد السبات العميق في قضايا الصراع العربي الاسرائيلي، ومحاولات بناء نظام عربي جديد قادر على البقاء وتلبية غايات ومطالب الأمن القومي للأمة العربية. بقلم اللواء أ. ح: صلاح الدين سليم محمد ـ الأستاذ الزائر بأكاديمية ناصر العسكرية العليا