يرى المحامي كنعان الاحمر في مقدمة دراسته الاقتصادية الجديدة التي قدمها إلى ندوة سيما الاقتصادية بدمشق والتي حضرت السيدة الاولى قرينة الدكتور بشار الاسد، جانبا منها، دور ثقافة حماية الملكية الفكرية في عملية التنمية في سوريا، ان كل نظام أو نمط اقتصادي جديد يحتاج لنظام قانوني ينظم علاقاته ويحمي منتجاته وقيمه، فحقوق المنتجين والمتبادلين لهذه المنتجات والنصوص القانونية والمؤيدات الجزائية لا تكفي وحدها لضمان فعالية أداء النظام القانوني، ولابد من أن يتداخل هذا النظام مع الوعي العام للمجتمع ويدخل ضمن نظامه الاخلاقي وثقافته بحيث يصبح الادراك والوعي العام لاهمية النظام القانوني الجديد لاستقرار النظام الاقتصادي ونجاحه هو الحافز على اعمال وتطبيق القانون . فاذا اخذنا بعين الاعتبار ان الاقتصاد الجديد يتجه بسرعة نحو صيرورته اقتصاد معرفي يقوم على المعرفة والمعلومات والمنتجات الفكرية بشكل عام، فقد اصبحت هذه المنتجات تشكل قيما مادية اساسية في هذا النظام وفي علاقاته التبادلية لأدركنا عمق الحاجة لتعميق الوعي والادراك العام لقوانين الملكية الفكرية التي تشكل النظام القانوني الرئيسي الذي يحمي هذا الاقتصاد الجديد وقيمه ولدمجه بالاخلاق والثقافة والعامة، فهذا الوعي يجب ان ينعكس بشكل خاص في ثقافة وأداء الادارات العامة والخاصة. ويشير المحامي الاحمر عن دور الملكية الفكرية والصناعية في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية لأي مجتمع مشيرا إلى ان بعض الدول الغربية تساءلت منذ ظهور الحماية المنظمة للملكية الفكرية والصناعية في القرن الثامن عشر، عما اذا كان من المصلحة العامة منح المبدعين والمخترعين حقوقا احتكارية مؤقتة على ابداعاتهم ومخترعاتهم يمكن ان تعطيهم مراكز متفوقة في عملية المنافسة والتي يفترض ان تكون حرة بشكل مطلق، وقد تراجعت بالفعل بعض الدول الغربية آنذاك عن مبدأ الحماية للملكية الفكرية والصناعية، والغت القوانين التي سبق واقرتها في هذا المجال، فهولندا على سبيل المثال اقرت قانون الحماية براءات الاختراع عام 1809 ثم الغته في عام 1869 لتعيد تطبيقه عام 1912. وفي سوريا بقيت مسألة حماية الاختراعات محل جدل طيلة النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبعدها استقر مبدأ الحماية بعد ان ادركت جميع الدول جدواها الاقتصادية والاجتماعية وبدأت تتكرس وتأخذ بعدا دوليا عن طريق المعاهدات الدولية ذات الصلة. ويشير الباحث في دراسته الاقتصادية الجديدة إلى ان التطورات الدولية السياسية والاقتصادية المتسارعة أدت إلى ظهور منظمة التجارة الدولية باتفاقياتها المتعددة، ومنها اتفاقية الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية «تريبس» ويذكر انه خلافا للانطباع السائد بأن اعضاء المنظمة هم فقط الدول الصناعية فان غالبية اعضاء المنظمة وبالتالي التريبس هم من الدول النامية والاقل نموا بينهم احدى عشرة دولة عربية هي: البحرين، الاردن، جيبوتي، موريتانيا، مصر، الكويت، المغرب، قطر، تونس، عمان والامارات العربية المتحدة، وهناك عدد من الدول العربية غير المنضمة والتي تقدمت بطلب انضمام مثل السودان ولبنان والسعودية، اما سوريا فتدرس الان تقديم طلب انضمام وقد تقدمت وزارة الاقتصاد لهذه المنظمة، وقالت وزارة الاقتصاد ان بقاء سوريا خارج منظمة التجارة العالمية WTO بات أمراً غير واقعي وذلك في اطار السياسة الاقتصادية الحالية باتجاه اقامة منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى والمفاوضات التي تجريها مع الاتحاد الاوروبي لاقامة منطقة تجارة حرة بين سوريا وبلدان الاتحاد الاوروبي. وعن دور الوعي بأهمية حماية الملكية الفكرية في عملية التنمية يرى الاحمر انه من مصلحة سوريا والدول النامية بشكل عام، نشر الوعي العام بأن حماية حقوق المبدعين والمخترعين شرط ضروري لاستمرار عملية الابداع والخلق بكافة اشكاله حيث لا يمكن الاستغناء عنه في عملية الانتاج، فحماية عناصر الملكية الصناعية والفكرية هي شرط لتنظيم عملية المنافسة بشكل عادل وعامل اساسي في الاداء الاقتصادي الصحي للسوق اضافة لذلك فإن الحماية تخدم مصلحة المستهلك. ضرورة حماية الاختراع والمؤلفات وتأتي صعوبة الدراسة التجريبية من عدم امكانية عزل تأثيرات حماية الملكية الفكرية والصناعية في عملية التطور الاقتصادي والاجتماعي عن بقية العوامل الاقتصادية والاجتماعية المتشابكة معها بكل الاحوال، كما ان احد اهم الوسائل لفهم الاسهامات الايجابية للحماية في عملية التطور تكون عن طريق معاكس عبر دراسة الاثار السلبية لعدم الحماية أو لضعفها على التطور الاقتصادي والاجتماعي لمجتمع ما. ويؤكد الباحث السوري على اهمية دعم الابتكار من خلال براءات الاختراع فلا يمكن لأي تنمية اقتصادية واجتماعية ان تستغني عن الابتكار والتجديد اللذين تشكل حمايتهما الهدف الرئيسي لقوانين الملكية الفكرية والصناعية حيث تهدف براءات الاختراع لحماية حق المخترعين في اختراعاتهم وبشكل خاص حق الاستغلال المالي لهذه الاختراعات، تلك الحماية التي توفر الحافز لبذل الجهد من اجل الوصول إلى الاختراع وتؤمن الدعم المادي لتطويره ووضعه موضع التطبيق العملي للحصول على الفائدة الاقتصادية والاجتماعية وغيرها للمجتمع كله. بالاضافة إلى ذلك يرصد الاحمر فوائد متعددة للحماية الفعالة للاختراعات منها نشر المعلومات عن الاختراع والحث على تطوير اختراعات مماثلة وتنظيم السوق وحماية المنافسة والمستهلك كذلك قوانين المنافسة ومنع الاحتكار إلى جانب حماية المنافسة وتنظيم السوق عبر العلامات التجارية وتشجيع نقل وتوطين التكنولوجيا وتشجيع الاستثمار المحلي والاجنبي والمساعدة على الاندماج بالاقتصاد الدولي وتشجيع الابداع الفكري والفني ودعمه. وفي هذا الاطار يشير الباحث في دراسته إلى ان الحكومة السورية ادركت اهمية حماية الاختراع ودعم المخترعين، فبالاضافة إلى قانون براءات الاختراع، فقد صدرت بعض القرارات الحكومية الهادفة إلى دعم المخترعين وتشجيعهم منها القرار الصادر عن وزير التموين والتجارة الداخلية والقاضي بتشكيل لجنة مؤقتة تسعى لتشكيل جمعية للمخترعين السوريين، كذلك القرار الصادر عن وزير الاعلام القاضي بالشهر المجاني لاختراعات المخترعين في وسائل الاعلام السورية وقرار وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية القاضي بمنح المخترعين قروضا بشروط استثنائية وذلك من اجل وضع اختراعاتهم معرض التطبيق هذا بالاضافة لاقامة معرض الباسل للابداع والاختراعات والذي اصبح تقليدا سنويا. ومع ان قانون حق المؤلف قد صدر في سوريا مؤخرا ومع انه يشكل خطوة كبيرة نحو الامام في مجال الحماية الا انه لم يحم الا اعمال السوريين والاعمال العائدة لاشخاص أو جهات مقيمة أو المنتمية لدول ترتبط مع سوريا بمعاهدات لحماية حق المؤلف، لكن اذا اخذنا بعين الاعتبار ان سوريا غير منضمة لاتفاقية برن لحماية الحقوق الادبية والفنية لوجدنا ان معظم الاعمال العائدة لجهات اجنبية أو عربية غير مقيمة في سوريا بقيت خارج اطار الحماية على الرغم من ان استثناء الاعمال المذكورة من مجال الحماية سيوفر على سوريا اموالا كثيرة نتيجة لحصوله على الاعمال العربية والاجنبية المقرصنة بشكل مجاني، الا ان هذا لن يساعد على بناء وعي وثقافة المواطن السوري لضرورة واهمية حماية الملكية الفكرية بشكل عام كما انه لن يساعد السوق السورية على اكتساب ثقة المنتجين العرب والاجانب ولا على تشجيع الدول الاخرى على حماية المنتجات السورية على حد تعبير المحامي كنعان الاحمر مشيرا إلى مسألة رئيسية يشكو منها المفكرون والادباء والفنانون في سوريا والعالم العربي وهي ضعف الحماية القانونية لإنتاجهم الابداعي وهذا انعكس بشكل خاص على ضعف المردود المادي الذي يحصل عليه هؤلاء المبدعون مما يضطرهم لايجاد اعمال اخرى للارتزاق منها وهذا بدوره ينعكس سلبا على الابداع في هذه المجالات. كذلك تنعكس هذه المسألة سلبا على الصناعات والاعمال التي تنشأ على اساس الاعمال الابداعية من ادبية وفنية وموسيقية وغيرها، هذا بالاضافة إلى مشكلة النزيف المستمر للادمغة من الدول العربية وفي مقدمتها سوريا، لذلك فإن حماية انتاج واعمال هؤلاء الاشخاص المهاجرين وحماية حقهم في الاستغلال المادي لانتاجهم احد الشروط الضرورية لاستبقائهم وثنيهم عن الهجرة، كما ان الحماية الفعالة تسهم في نشوء وتطور شركات ومؤسسات اقتصادية كبيرة تعني بالبحث والتطوير العلمي والتكنولوجي يمكنها من استيعاب هؤلاء المبدعين وتأمين موارد مادية كافية لهم ووضع إنتاجهم وإبداعهم موضع التطبيق. دمشق ـ يوسف البجيرمي: