كان لكلمات السيدة سوزان مبارك مفعول السحر عليها.. (نعم يجب أن يكون للمرأة دور أكبر.. وأكبر.. خاصة في العمل السياسي).. وهنا قررت دخول الانتخابات.. المعركة صعبة.. النجاح مستحيل.. ألا تعلمين أين أنت ؟.. أنت في أقصى الصعيد حيث الكلمة الأولى للرجال.. لا يهم.. المهم أن أجرب تحدت الجميع حتى أهلها.وفازت.. حكاية طويلة تمتزج فيها الأفراح بالأحزان والضحكات بالدموع. ترويها لكم بنفسها. ناريمان الدرمللي عضو البرلمان المصري. وإليكم تلك القصة. في البداية حاولنا أن نتجاوز أسوار الرسميات التي تضفي لونها على حياة نائبة الشعب في محاولة منا للخروج بحوار خال من تلك الرسميات.. وسألناها: ـ من المعروف أن طفولة ونشأة أي إنسان لها أكبر الأثر في تكوين شخصيته ومن ثم خطوط سير حياته كلها بعد ذلك.. هل يمكن أن نتحدث عن نشأة وطفولة ناريمان الدرمللي ومدى تأثيرها على شخصيتكم والتي اشتهرت بالعناد والقدرة على المواجهة والتحمل..؟! ـ وتبتسم في وقار وكأنها تسترجع شريط ذكرياتها منذ البداية ثم تقول.. ما ذكرته شئ حقيقي وهام وعلى كل أسرة مراعاة ذلك وبخصوص طفولتي فقد كنت طفلة شقية جدا بل أكثر أخوتي شقاوة ورغم هذا كنت احاط بعناية خاصة جدا من والدي ورغم أن هذه الطفولة كان بها شئ من الرفاهية إلا أن ذلك لم ينتج عنه أن أصبح فتاة مدللة لا هم لها سوى المكياج والتنزه والاصحاب ولكن كان والدي يرى فيّ قدرة على تحمل المسئولية لذلك وقع اختياره علي من بين أخوتي ليثق في رأيي ويقربني منه أوقات القرارات الصعبة والمصيرية وكان دائم النصح والإرشاد لي.. وهكذا كانت طفولتي مزيجا من التدليل والجد مما كان له أكبر الأثر في شخصيتي، حتى الآن فأنا جادة جدا ولا أسمح بالتسيب وفي نفس الوقت مؤمنة أن الحياة بها مكان فسيح للترفيه وهو ما اتبعه مع أولادي. ـ وماذا تعلمت من والدك وخاصة وأنت أقرب الناس إليه؟! ـ كما ذكرت لك اختارني والدي لمصاحبة فكره وعقله وكان دائما ما يؤكد لي أن مساعدة الناس هي الطريق الوحيد للوصول لرضا الله سبحانه وتعالى ومن ثم رضا الناس المهم أن تكون هذه المساعدة دون انتظار أي مقابل.. هذا بالإضافة إلى أنه كان يترك لي الفرصة لأخذ قراراتي بنفسي بل ويمكن أن يحكمني في أمر من الأمور لأحكم فيه رغم أنه يحتاج لمشاركة الجميع وأذكر أنه رغم صغر سني إلا أن والدي كان يشركني في أمور خاصة (بالتركة) ويجعلني أواجه أموراً أكبر بكثير من قدراتي وهذا ما جعلني قادرة فيما بعد على تحمل المسئولية. ـ كيف بدأت رحلتكم مع الحياة العملية ثم الحياة النيابية بعد ذلك؟ ـ بعد حصولي على الثانوية العامة (فرنسي) لم يكن مجموع درجاتي يؤهلني للدخول لإحدى الكليات التي أتمناها والتحقت بمعهد لمدة (سنتين) وفور انتهاء الدراسة به تمكنت من العمل بإحدى الشركات الألمانية الموجودة بمصر وبعد أن انهت هذه الشركة أعمالها في مصر رحلت إلى بلادها وفي هذه الأثناء استطاع عمي الاستاذ عبد الرازق الدرمللي أن يمكنني من الإلتحاق بمجلس الشعب للعمل به في إحدى إداراته وتسمى إدارة الإتصال والترجمة. وتصمت قليلا وكأنها تتذكر مدى المعاناة والتي تبدو في السطور القادمة حيث استكملت قائلة : (قررت أن أعيد ترتيب أوراق حياتي مرة أخرى فقدمت أوراقي لاعادة امتحان الثانوية مرة أخرى ودخلت الفرع الأدبي ونجحت فيه والتحقت بعدها بكلية الحقوق وأذكر أن هذه المرحلة كانت مرحلة مرهقة جدا ولم يكن تحملها بالشيء السهل فقد كنت أعمل بالمجلس وأذاكر وكنت وقتها زوجة وحملت وأنجبت في هذه الأثناء ابني فكنت طالبة وموظفة وزوجة وأم.. والحمد لله تم كل هذا بنجاح. ـ ماذا عن فكرة الترشيح لعضوية مجلس الشعب.. هل كانت نتيجة لكل الخصائص التي رأيتها في نفسك أم أنها لثقة سيادتكم في أهل دائرتكم أم كانت طلبا مباشرا من أهل هذه الدائرة؟ ـ تجيب السيدة ناريمان الدرمللي بلا تردد وبكل سرعة: في البداية يجب أن أقول لك أن فكرة العمل السياسي لم تخطر ببالي مطلقا ولم أتقدم لأي عمل سياسي من قبل فلم أكن أبدا في أي إتحاد للطلاب سواء في المدرسة أو الكلية، ولم أفكر حتى في الالتحاق للعمل بالمحليات ولكن فكرة العمل السياسي ظهرت في حياتي بعد ميلاد المجلس القومي للمرأة والذي كنا نجتمع فيه كثيرا في محاولات لتدعيم وتفعيل دور المرأة أكثر في المجتمع المصري. مع السيدة الاولى ـ وتستطرد والحماس يغلف نبرات صوتها: حتى جاء اليوم الذي غير مجرى حياتي تماما حيث كنا على موعد مع السيدة الفاضلة سوزان مبارك حرم رئيس الجمهورية والتي كانت دائمة التأكيد على أهمية دور المرأة وكيفية تفعيل هذا الدور بشكل أكبر وأعمق وفي هذا الاجتماع طلبت منا سيادتها أن نزيد من دور المرأة في الناحية السياسية خاصة تحت قبة مجلس الشعب وكانت كلماتها كالسحر بالنسبة لي وأحسست أن كلماتها اخترقت عقلي وقلبي وهنا اتخذت قراري فورا بالترشيح لعضوية مجلس الشعب رغم إيماني الكامل بمدى صعوبة وخطورة هذا القرار إلا أن حديث السيدة سوزان مبارك الرائع كان يعيد نفسه داخل عقلي كلما أحسست بالخوف لأنها حقا مثال للشجاعة والإقدام وخدمة بني وطنها وبني أمتها. وبالفعل تقدمت بطلب للحزب الوطني باعتباري إحدى عضواته ولم يكن رفض الحزب لقبول طلب ترشيحي مفاجأة بالنسبة لي وذلك لعدة أسباب أهمها أنني لم أكن أقوم بالعمل السياسي داخل الحزب كما ينبغي وذلك لضيق الوقت المقسم بين العمل والبيت ثانيا لأن خطوة ترشيح الحزب لامرأة داخل الصعيد المصري المشهور بعصبيته الشديدة للرجال خطوة ليست سهلة ويمكن أن تكون مستحيلة ولكن هذا الرفض لم يترك بداخلي أي أثر وقررت نقل المعركة الإنتخابية إلى ميدان آخر هو الشكل المستقل. ـ كيف قوبلت فكرة الترشيح كعضو مستقل من جانب اسرتكم ومن جانب أهالي مركز طما والذي أعلم أنه لم يحدث منذ عشرين سنة أن تقدمت سيدة لترشيح نفسها؟ ـ بالطبع بعد رفض الحزب كانت كلمة الرفض هي الصوت الأعلى في العائلة بداية من زوجي الذي رفض بشدة معتبرا رفض الحزب هو نهاية هذه الفكرة تماما.. حتى أخي الوحيد الذي كنت أعتمد عليه اعتمادا كبيرا في مساعدتي من الناحية المادية رفض هو أيضا مبدأ الدخول في الإنتخابات كمستقل خاصة أنه كان يخاف علي جدا ويخشى المصادمات التي يمكن أن تحدث خاصة بعد رفض الحزب وقد أرسل لي أخي برقية ترفض هذا الموضوع إضافة إلى كم المكالمات الهاتفية التي يطالبني فيها بالتخلي عن هذا المشروع. وبخصوص مركز طما فقد كان الرفض فيه أكثر بكثير من أسرتي ولم يكن هناك مجال للمناقشة فعند (الصعيدي) كلمة (لا) لاتحمل داخلها معنى آخر غير لا وبالتالي لا مناقشة.. خاصة لمدى معرفتهم بقوة الخصوم الشرفاء الموجودين أمامي في نفس الدائرة. ـ إذن كيف سارت رحلة الإنتخابات بعد كل هذا الرفض؟ ـ بعد التأكد من رفض أخي المصدر المالي الأساسي في العملية كان يمكن أن أتخلى عن هذا الحلم وأترك الأمر كله ولكني تحديت كل هذا الرفض وقررت دخول المعركة مستعينة بالله سبحانه مؤمنة بأن النجاح هو حب الناس لذلك حتى لو فشلت في الإنتخابات يكفيني فقط أن أعرف مشاكل الناس وأحاول حلها وسأعتبر ذلك مقياسا وتقييما لي لمعرفة حب أهل بلدتي لي.. وجلست أحاول ترتيب أوراقي وكان علي أن أوفر سلاح المال الذي سأحتاجه في رحلتي وتذكرت أن هناك محلا تجاريا نملكه في إحدى العقارات وكان مؤجرا وكثيرا ما طلب المستأجر أن يشتريه فوافقت على ذلك و أخذت مبلغا يوازي نصف الثمن الفعلي للمحل ولكن كنت أقول لا يهم ثم سافرت فورا إلى (طما) لأبدأ مرحلة تعريفي بالناس ورغم صعوبة العملية إلا أن الله تعالى أرسل لي ابن عمي الأكبر سنا في العائلة والذي كان يتمتع بخبرة حياتية وسياسية كبيرة وقد وقف بجانبي وساندني وبدأ معي الرحلة من بدايتها. وتستطرد السيدة ناريمان بشكل سريع: (كانت البداية من قرية تسمى (سلامون) وكان استقبال الناس فيها لي مفاجأة كبيرة لي ولابن عمي نفسه الذي قال لي بالحرف أن هذه البداية لم يشاهدها لأي مرشح منذ سنين طويلة.. وأحمد الله فقد كانت هذه البداية هي أكبر حافز لي في الاستمرار من قرية لأخرى ومع كل نجاح كانت حدة الرفض في العائلة تخف يوما تلو الآخر حتى وقف جميع الأقارب بجانبي واستمروا في دعمهم لي حتى آخر يوم.. وأذكر أن أخي بعد أن علم بكل هذا أرسل لي توكيلا لبيع قطعة أرض كان يمتلكها على أن استغل مبلغ هذه الارض في العملية الإنتخابية وقد كلل الله كل هذا المجهود البدني والنفسي والصحي بالنجاح والحمد لله حصلت على أعلى الأصوات بعد أن دخلت مرحلة اعادة مع أحد المرشحين المحترمين وفزت باكتساح. دمعة وابتسامة ـ لنترك الإنتخابات وسخونتها وإرهاقها جانبا ونتحدث عن ناريمان الدرمللي الإنسانة وليست نائبة الشعب.. متى يمكن أن تترك ناريمان الدرمللي دموعها لتخرج دون أخذ أي إنسان أوموقف في الاعتبار؟ ـ وتصمت لفترة طويلة قبل أن يخرج صوتها محتبسا بالدموع وكأنني ذكرتها بما يستطيع أن يبكيها دوما وقالت: أنا لا استطيع أن أتمالك نفسى ولا دموعي حينما أرى بنات أختى الراحلة فقد كانت قريبة جدا منى ورحلت في ظروف قاسية وتركت بنتين لاأستطيع أن أرهما بشكل مستمر خاصة بعد ما أصبح لدي من مشاغل ومشكلات إلا أنني بمجرد أن أراهما لااستطيع إلا أن احتضنهما وأبكي بشدة.. إضافة إلا أنني أبكي حينما لا استطيع أن أمنع آلام مريض أومساعد محتاج. ـ إذن..ومتى تضحك من قلبها ؟ ـ تصمت قليلا ثم تبتسم وهو تقول: (والله أنا نفسي أضحك من القلب ولكن ما أراه يوميا من آلام الناس لا يجعلني قادرة على الضحك من القلب ولكن أنا أكون مسرورة بعد أن تتم مساعدة إنسان عن طريقي. لا وقت للمكياج ـ وسط هذا الكم الهائل من المشاغل والمشاكل والسفر والترحال.. هل تجدين في يومك وقتا لـ (ناريمان الدرمللي) المرأة. بمعنى آخر هل يمكن أن نرى سيادتكم مرة داخل المجلس تمسكين بالمرآة وتقومين بعمل (مكياج) قبل الدخول إلى جلسة ساخنة تحت القبة؟ ـ تضحك بصوت مسموع وهي تقول: في حياتي لا وقت أبداً لى كمرأة أنا يمكن أن تعتبرني إنسانا يحمل داخله هموما وأحلاما كثيرة لغيره ولأبنائه ثم لنفسه، أحاول أن أنحي أحلامي وهمومي الشخصية لأتفرغ للآخرين. ولكن هذا لا يعني أن أتخلى عن حسن المظهر المطلوب جدا في مواقع العمل.. ولكن بخصوص المرأة والمكياج فأنا لست من هذه النوعية من السيدات. ـ هناك موقف قابلك في حياتك وقتها حدثت نفسك قائلة.. هذا هو أصعب موقف قابلني.. ما هو هذا الموقف؟ ـ تفكر طويلا قبل ان تجيب: أعتقد أن المواقف كثيرة ولكن يمكنك أن تقول أن يوم الاعادة هو أصعب هذه المواقف خاصة وأنني قبله كنت وصلت إلى ذروة المجهود العصبي والبدني والصحي والمادي وبعد نتيجة الفرز الأول علمت أننا سنعيد كل هذا من جديد وكنت وقتها أصرخ: ماذا سأفعل أكثر من هذا يكفيني ما حدث.. ولن أعيد وحدث أن جاءني إنهيار عصبي استمر معى لمدة ايام وقفت بعدها على قدمي مرة أخرى بفضل الله تعالى ثم بفضل من حولي استعددت للجولة مرة أخرى والحمد لله فزت في النهاية. كلمة شكر ـ بعد هذا النجاح والذي يزداد حاليا بعد دخولك البرلمان كلمة الشكر لمن توجهيها؟ ـ تقول: أولا الشكر لله عز وجل الذي وهبني القدرة على القرار وساعدني في مواجهة المصاعب وأكرمني بالفوز في النهاية.. ثم الشكر بعد ذلك للرئيس المحبوب رئيس الجمهورية الذي أتوجه إليه من خلالكم بالشكر الوفير على قراره العظيم بإشراف القضاء المصري النزيه على العملية الإنتخابية حتى يتأكد الجميع من أنه ليس محل ظلم أو ما شابه وأحب أن أؤكد أن هذا القرار الحكيم كان له أكبر الأثر في مرور العملية الإنتخابية. وأخيرا أشكر كل من وقف بجانبي في هذه العملية من أهالي (طما) وأسرتي وعائلتي وأعاهدهم أنني سأعمل على أن أكون محل هذه الثقة. ـ سؤال أخير.. لو عاد الزمن بك إلى الوراء هل ستدخلين التجربة نفسها مرة أخرى..؟ ـ وبلا تردد تجيب: (نعم.. وكلي فخر) القاهرة ـ أحمد عبد المنعم: