الديون الخارجية، والتي تزايدت منذ السبعينيات مشكلة تؤرق الكثير من بلاد العالم الثالث وتشغل الكثير من المنظمات والمؤتمرات الدولية. وقد تفاوتت حدة المشكلة في الدول العربية.. وبينما بدأت في الدول غير البترولية التي دفعت فاتورة نفط كبيرة في السبعينيات، فقد امتدت في التسعينيات الى بعض الدول البترولية والتي تزايدت أعباؤها الأمنية بينما قلت حصيلتها النفطية بسبب انخفاض أسعار النفط. وسط هذه التقلبات كانت مصر قد أفلتت من المديونية الثقيلة والتي تراكمت حتى نهاية الثمانينيات وتخطت الخمسين مليارا من الدولارات. لكن التسعينيات بالنسبة لمصر كانت شيئا آخر.. فقد بدأت بحرب الخليج الثانية، وفي أعقابها تم إعفاء مصر من نصف الديون المستحقة للخليج والدول الصناعية الكبرى. انخفضت المديونية التي كانت تثقل كاهل الاقتصاد المصري بينما دخلت مصر في خطة اصلاح مالي واقتصادي استهدف الحد من عجز الموازنة العامة وعجز ميزان المدفوعات.. وكان العجز الأول يتحول الى اقتراض داخلي واصدار نقدي يتحولان بدورهما الى تضخم وارتفاع في الأسعار.. بينما يتحول العجز رقم (2) والخاص بالمدفوعات الى اقتراض خارجي وتدهور في سعر العملة. ولكن.. وعبر سنوات قليلة اجتازت مصر هذا الموقف فتحول عجز المدفوعات الى فائض وصدرت التعليمات: ممنوع الاقتراض.. وتحولت قروض أكبر المانحين وهي الولايات المتحدة الى منح لمعظم من تعطيه. وبالفعل أمكن تثبيت الديون الخارجية تحت الثلاثين مليارا من الدولارات مما اعتبره الاقتصاديون اقتراضا آمنا وعبئا مقبولا. ومضت السنوات فإذا بنتائج الاصلاح تتراجع واذا بالمشاكل التي واجهتها مصر في بداية التسعينيات تطل برأسها من جديد في نهاية الحقبة.. واذا بالحكومة تفتح باب الاقتراض الخارجي من جديد! في الفترة الأخيرة طرحت الحكومة المصرية سندات دولارية في الأسواق العالمية، والسند ـ كما هو معلوم ـ نوع من الاقتراض ويستحق الوفاء في تاريخ محدد بعد أن يكون قد سدد الفوائد المتفق عليها. حدث خلاف في مجلس الشعب حول طرح سندات دولية، لكن القرار في النهاية كان المضي قدما فكلا الموازنتين: موازنة العملة الأجنبية وموازنة الدولة العامة تعانيان من عجز كبير. وفي التطبيق وحتى الاسبوع الماضي، وطبقا لوزير المالية المصري، كانت هناك عروض عالمية من (224) مؤسسة وبقيمة تصل الى (3.8) مليارات دولار خصصت وزارة المالية مليارا ونصف المليار منها بالفعل كسندات جاهزة للبيع. وبصرف النظر عن الأرقام تبقى الظاهرة لماذا بدأ الاصلاح ثم تراجع؟.. ولماذا يتحسن اقتصاد دولة ثم تعود عوامل الضعف لتطل من جديد؟ والاجابة من التجربة المصرية أن الاصلاح المالي أو الاصلاح الجزئي وحده لا يفيد كثيرا.. صحيح أن التوازنات المالية والنقدية مسألة ضرورية.. وصحيح أن مصر حققت ولسنوات عدة فوائض جعلتها تبني احتياطيات نقدية تجاوزت العشرين مليار دولار، ولكن الصحيح أيضا أن ما يفرزه الهيكل الاقتصادي هو الأساس في الاستمرار. لقد اعتمدت مصر، وما زالت تعتمد على النقد الأجنبي الذي يقدمه قطاع البترول (صعودا وهبوطا) وما يقدمه قطاع الخدمات غير السلعي مثل: قناة السويس، والسياحة، وتحويلات المصريين في الخارج. في نفس الوقت كان القطاع السلعي، أو ما يسمى بالميزان التجاري يزداد اختلالا.. فالبون يتسع بين الواردات والصادرات.. فالأخيرة لا تغطي ربع الواردات، والواردات تزايدت بسبب فتح الأبواب وحرية التجارة وانخفاض أسعار السلع الآسيوية. وفي العامين الأخيرين بدت ظاهرة الركود أو نقص السيولة وقالت الحكومة: السبب زيادة المعروض من السلع فالمستوردون كدسوا واردات آسيوية رخيصة والمنتجون لم يدرسوا الأسواق جيدا.. وكانت النتيجة زيادة كبيرة في المعروض. وكنت أقول: بل إن السبب الآخر الجوهري هو نقص الطلب فبلوغ الفقر لنسب تقترب من (40%) من السكان.. وشيوع البطالة التي تتراوح تقديراتها بين (1.5) مليون متعطل ـ وهو الرقم الحكومي ـ و(3) ملايين متعطل في تقديرات أخرى.. العنصران معا، وهما متداخلان يصنعان نقصا في الطلب وفي القدرة الشرائية. لقد برزت مشكلة مصر، كدولة أخرى كثيرة تتجه بعض مؤشراتها للتحسن.. لكن مجمل الموقف الاقتصادي شئ آخر، وأثبتت مصر أن المقولة العالمية التي باتت تتحدث عن نمو مشوه مقولة صحيحة.. فالدخل كان يزيد، لكنه من حصة الأغنياء بالدرجة الأولى.. حتى باتت الظاهرة واضحة.. تركز في الثروة وانتشار للفقر.. فلما عجز الفقراء عن الشراء تأثرت الأسواق وأضير الأثرياء من رجال الأعمال وراحت المليارات التي جرى سحبها من البنوك تتعثر وتتسكع رافضة العودة الى الجهاز المصرفي، ومن ثم للتشغيل من جديد! أيضا، فلم يكن نمط المشروعات التي أقيمت مكثفا للعمالة.. فالقطاع الخاص والذي باتت له الريادة لا يهتم بهذه القضية. باختصار عادت الأزمة وعاد الاقتراض والعجز وعادت أيضا الحاجة للاصلاح من جديد! والدرس بات واضحا: الاصلاح لابد أن يكون مستمرا، وأن يكون في عمق الاقتصاد وليس في محيطه الخارجي فقط، وهذه مهمة دولة وليست مهمة قطاع خاص. بقلم: محمود المراغي