مثل غيري، استقبلت الانباء التي راجت عن قبول الحكومة السودانية بالاجماع «المبادرة المصرية ـ الليبية المشتركة» بالارتياح، وكأني رميت طنا من الحجر من اكتافي، لأتنفس الصعداء، كما يقولون. ولا ادري مسببات شغفي في السودان، سوى تقديري لاصالة شعبه ونبل اهله، وتقديري بأن هذا الشعب يستحق آليات حكم حديثة ومؤسسات حكم مستنيرة، ونظام حكم مميز. عرفت الكثيرين من السودانيين، ابرزهم المرحوم محمد احمد محجوب رئيس الوزراء خلال حرب 1967، كان يترأس وفد السودان في اجتماعات الجمعية العامة الطارئة لبحث آثار الهزيمة الشنيعة، وكان وزراء خارجية الدول العربية يلتقون يوميا في قاعة الامم المتحدة، «القاعة رقم ثمانية»، ويتولى محجوب رئاسة تلك اللقاءات. كان محجوب سياسيا من الطراز الفطين والفاهم، يملك الباع الطويل في معرفة آليات العمل الدبلوماسي، ومطلع على الحضارة الغربية، وملم بثقافتها، يساعده المرحوم الشريف الهندي، الذي كان وزيرا للمالية ومن الحزب الديمقراطي. وعرفت العديد من الدبلوماسيين والفنيين والتقنوقراطيين، كان يجمعهم الايمان بأن السودان لا يتعافى دون الديمقراطية، ولا يتقدم دون اجماع الشعب شمالا وجنوباً، وهم على علم باستحالة فرض توجه وعقيدة معينة على كل ابناء الشعب. جاء النميري في الانقلاب المشهور، وبدأ بالاعتدال وانتهى إلى المنفى، بعد ان تلاشت قدرته على التعامل مع جميع المشارب من ابناء الشعب السوداني. وعاد الصادق المهدي إلى الحكم في انتخابات بعد سقوط النميري، ولم يتطور حكمه، وعاد بنفس المصطلحات، وبنفس الذهنية مرتكزا على تراث المهدية، دون ان يعطي قضايا الجنوب الاهتمام الذي تستحقه. وخرج المهدي بنفس السهولة التي دخل بها، بعد ان اطاح به الائتلاف الاسلامي العسكري تحت ستار حكومة الانقاذ. منذ ايام احتفل الفريق البشير بمرور اثنتي عشرة سنة على حكم الانقاذ، ولا يحتاج المتابع للشأن السوداني إلى قوى خارقة للتوصل إلى الحقيقة من ان حكم الانقاذ يحتاج إلى انقاذ سريع، وان السودان تحت حكم مجموعة الانقاذ يتجه نحو الانشطار والتجزئة، وان هيكل الحكم فيه غير قادر على توفير الاجماع الشعبي. ولم يكن هناك بد من التدخل الاقليمي ممثلا في الايجاد، مجموعة من دول الجوار الجنوبية، أو من التدخل العربي ممثلا في المبادرة المصرية ـ الليبية المشتركة، بعد ان اتضحت الصورة التي لا تحتمل خطب التهديدات، ولا تحتمل الوعود غير الواقعية، ولا التبشير بقرب الانفراج ونهاية التمرد كما يقولون. قبلت حكومة السودان المشاركة المصرية ـ الليبية بعد اجتماع استمر طوال الليل، حاولت فيه حكومة السودان القيام بدور المتأني وغير المتلهف، بعد ان قبلت مجموعات المعارضة المبادرة المصرية ـ الليبية، واعلنت رأيها في بعض نقاطها. جاءت موافقة حكومة السودان في مؤتمر عقده وزير الخارجية السوداني مصطفى عثمان اسماعيل، بمشاركة ممثلين لمصر وليبيا، قال فيه الوزير «بأن الحكومة السودانية حرصا منها على تحقيق الوفاق والسلام تعلن قبولها ورقة المباديء، وبنودها التسعة، مع طلب كل من مصر وليبيا باتخاذ كافة الاجراءات اللازمة لدفع البنود ووضعها موضع التنفيذ، وان تقييم المبادرات مستمر ولكن هذه الورقة مقدمة على كل المبادرات وسيكون التركز عليها في المستقبل». ويضيف الوزير بان حكومة السودان «قرأت افكار الشارع السوداني، واجرت استطلاعات في الداخل والخارج، وتوصلت الحكومة إلى ان اي موقف ضد هذه الورقة سيكون صداما مع الرأي العام السوداني، وكان لابد من ان تعطي الحكومة السودانية موافقتها. وفي رد عن سؤال حول الفترة المقبلة وتشكيل حكومة انتقالية جامعة، يقول الوزير بان الحكومة السودانية قبلت المبادرة بكل جوانبها. ويمكن لي القول بأن السودان يقف على مفترق الطرق، لا تنقذه إلا حكمة اهله وارادة شعبه، وبمساعدة الحريصين من دول الجوار. وجاء رد الحكومة بعد استشعارها لنبض الشارع السوداني، واذا ما سارت الامور كما يتمناه المخلصون من الداخل والخارج، فأتصور بأن الوضع القادم سيكون على الشكل الآتي: أولا- سيخرج السودان، لأول مرة في تاريخه الحديث، من النهج القديم الذي يتسيد الشمال فيه المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وينفرد بالقرار بمعزل عن الحالة الجامعة للسودان. وقد أثبت التاريخ السوداني بان السيطرة الاحادية المنفردة لا تحقق الاستقرار ولا تأت بالسلام ولا توفر التنمية ولا تخلق الدولة العصرية المطلوبة. عاش السودان ثماني عشرة سنة من الحروب الاهلية المتواصلة، وعاش، منذ الاستقلال في وضع متأزم مع دول الجوار في الجنوب، كما عاش في اطار غير مستقر في علاقاته الدولية. ثانياً: اكتشفنا، واكتشف اهل السودان قبلنا، بأن السودان، لا يستقر مطلقا مع حكم قائم على ايديولوجية معينة، ومذهبية محددة، سواء كانت تلك العقيدة شيوعية، اسلامية، أو بعثية، أو انفصالية، وانما يتعايش السودان وفق القواعد الانسانية المتعارف عليها، وفق مبدأ المواطنة بحقوقها ومسئولياتها، وتحديد الانتماء وفق هذه الحقوق والمسئوليات بلا مداخلات دينية أو حزبية أو عرقية. ثالثا: لا يمكن ان يعيش السودان مستقرا وسط تراكمات سلبية افرزتها خصومات مع دول الجوار وعلاقات سيئة ومسكونة بالشك والتربص مع الدول الافريقية المجاورة. وقد حاولت حكومة الانقاذ التفاهم مع اوغندا واثيوبيا واريتريا، ولكن جاءت محاولتها بعد فترة طويلة شابتها الصدامات والتآمر المتبادل. رابعا: لم تعط حكومة الانقاذ في بدايتها البعد المصري ـ السوداني دوره في ترسيخ الاستقرار الداخلي في السودان وفي قدرته على الاسهام في نزع الكثير من فتيل التوتر والانفجار، ودخل الدكتور الترابي في صراع عقائدي مع مصر ليس له مبرر خلال ثنائية الحكم، وتسربت الايديولوجية للدبلوماسية السودانية. خامساً: لا يمكن للوضع في السودان ان يهدأ دون الاعتراف بحقوق المواطنين من اهل الجنوب في احترام ثقافتهم ولغاتهم وبيئتهم وديانتهم، وعدم فرض تقاليد الشمال وثقافته وديانته على اهل الجنوب، من مسيحيين وغيرهم، مع احترام حقهم في العبادة وممارسة شعائر العبادة. سادساً: يظل السودان متأثرا بالواقع الافريقي واطلالته على الوضع في السودان وحقوق افريقيا في رؤية السودان المنسجم مع بنود ميثاق منظمتها، ولا يمكن ان يهدأ السودان بدون مباركة افريقية للشأن الداخلي. سابعاً: اتصور ان السودان قادر على التأقلم مع حقوق المواطنة في الجنوب، بدونها، يصبح السودان ساحة اقتتال ستؤدي إلى انفصال الجنوب، وهو امر يضر بالامن القومي السوداني وبأمن دول الجوار وابرزهم مصر. ولذلك فالمطلوب ان يخرج السودان من مفهوم الوحدة إلى صيغة التنوع في اطار قومي موحد، وربما من الفائدة ان نتعامل بواقعية مع واقع الاقليات، سواء في شمال العراق أو جنوب السودان، أو في مناطق اخرى، وايجاد الحلول المقبولة للجميع مع تقنينها دستوريا. ثامنا: لا يمكن ان يعيش السودان بمعزل عن الاسرة الدولية، ومن ابرز المؤثرين في مسيرتها الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي، ولهما قوة لا يمكن تجاهلها في التأثير على مسيرة الشأن السوداني، ولا تستطيع حكومة السودان ان تدير ظهرها لهذا الواقع الذي لا يمكن تجاهله. تاسعاً: لابد من اتخاذ اجراءات بناء الثقة الداخلية، ومن ابرزها تشكيل حكومة انتقالية جامعة، ولابد من الاعتراف بأن قبول نظام الانقاذ هذا البند، هو اعتراف بعدم قدرته على ايجاد الحلول منفردا، وانه يقبل بالانسحاب من الحكم اعلاء للشأن الوطني ودعما للمصلحة الوطنية العليا. عاشراً: لابد من ان تعمل جميع الاطراف على انجاح المبادرة، ولا يتحقق ذلك دون التفاعل الايجابي معها سواء من الشمال أو من الجنوب أو من المعارضة الشمالية التقليدية. لا اشك ان ابناء الشعب السوداني سعداء بهذا التطور، متسلحين بوعيهم بأن تحقيق الاجماع الوطني بحاجة إلى تضحيات وإلى تجاوز الجروح وإلى القدرة على العفو، وإلى تقبل الصيغة المقبلة التي لا شك بأنها ستخرج السودان من حرب اهلية مدمرة، وتفتح ابواب البناء والاستقرار على اسس راسخة ومتينة تصمد امام طموح الذين اعتادوا على ركوب المغامرة. بقلم: عبدالله بشارة