في كل مرة اتذكر ما حدث في مجزرة صبرا وشاتيلا ابان الاجتياح الاسرائيلي في العام 1992، اشعر بالالم للضحايا لتقصيرنا عن القيام بواجباتنا تجاه هذه المأساة لبنانيا وعربيا. وعلى الرغم من ان المسئولية القانونية تقع كاملة على اسرائيل عملا باحكام القوانين والشرائع الدولية على اساس ان الدولة المحتلة هي المسئولة بالكامل عن سلامة المدنيين الذين يقعون تحت الاحتلال، فان الحكومة الاسرائيلية عرفت كيف تبعد عن الجيش الاسرائيلي المسئولية القانونية عبر تشكيل لجنة كاهان التي عينت لها مهمة تحديد دور القوات اللبنانية ومسئوليتها في احداث صبرا وشاتيلا، ولم يعين لها مهمة التحقيق في مجازر صبرا وشاتيلا، والفارق كبير بين المهمتين. بكلام اوضح فان الحكومة الاسرائيلية حددت المتهم مسبقا وطلبت من لجنة كاهان التفتيش عن الادلة لادانته، ولم تطلب من اللجنة التحقيق في المجزرة وتحديد الفاعل نتيجة التحقيقات، وهكذا صارت مهمة لجنة كاهان ايجاد كبش محرقة لبناني لتغطية الفاعلين الحقيقيين. وبالطبع جاءت النتيجة كما يشتهي اصحاب القرار الاسرائيلي، فحملت لجنة كاهان ارييل شارون وزير الدفاع آنذاك المسئولية غير المباشرة عن المجزرة، وحملت القوات اللبنانية «بقيادة إيلي حبيقة» المسئولية المباشرة. صفق العالم، بما فيه العالم العربي، لقرارات لجنة كاهان، ورأى فيها عملا في غاية الشجاعة مما اسبغ على اسرائيل صورة الدولة التي تحترم القوانين والشرائع وحقوق الانسان. اما في الواقع فقد توصلت لجنة كاهان إلى تبرئة اسرائيل من التبعات المعنوية والسياسية من جراء مجزرة صبرا وشاتيلا والصقتها بفريق لبناني، واقتنع اللبنانيون والفلسطينيون والعرب بأن مأساة صبرا وشاتيلا هي جزء من الصراع اللبناني الفلسطيني ونتيجة الحرب الاهلية اللبنانية، علاقة اسرائيل بها هي مجرد علاقة غير مباشرة وقد تكون هامشية. اكثر من ذلك، منحت لجنة كاهان ارييل شارون اقصى الاسباب التخفيفية عن الجريمة التي ارتكبها مما اتاح له الفرصة بان يخرج في حينه من وزارة الدفاع من دون ان يخرج من الحكومة ولا من السياسة، ومما اتاح له بأن يعود لاحقا إلى رئاسة الحكومة الاسرائيلية. واختلط الامر على العرب والفلسطينيين واللبنانيين، لجنة كاهان هي لجنة تحقيق وليست هيئة محكمة، غير اننا تعاملنا مع نتائج تحقيقاتها وكأنها احكام نهائية بدل ان نتعامل معها وكأنها مجرد تحقيقات اولية، وهي لجنة غير محايدة مؤلفة من اسرائيليين فقط وقد حكمت على الاطراف اللبنانيين من دون ان تستمع اليهم أو تعطيهم حق الدفاع عن النفس، وتعاملنا مع هذه اللجنة وكأنها مرجعية دولية محايدة وكأن اعمالها تمت وفق الاصول المتعارف عليها دوليا. وبعد تسع عشرة سنة بادرت مجموعة من الفلسطينيين واللبنانيين، وحسنا فعلوا، إلى طرح ملف مجزرة صبرا وشاتيلا امام القضاء البلجيكي الذي اخذ على عاتقه ان يكون قضاء مفتوحا وصالحا للنظر في كل قضايا الجرائم ضد الانسانية حيثما حصلت ومهما مر عليها الزمن. ومنذ ايام بادر ايلي حبيقة المتهم في هذه المجزرة وفق القراءة الاسرائيلية، ليعلن جهارا بقوة انه مستعد للمثول امام المحكمة البلجيكية وفي جعبته ما يكفي من الوثائق والادلة التي تثبت براءته وتقلب القراءة الاسرائيلية رأسا على عقب. في حين الكل يهرب من المثول امام المحاكم الاجنبية ذات الطابع الدولي، فان ايلي حبيقة، بشجاعة وثقة، قرر وبعكس الجميع ان يواجه لأول مرة القراءة الاسرائيلية لمجزرة صبرا وشاتيلا ويدحضها عبر قراءة لبنانية مضادة، ويترك للقضاء البلجيكي ان يحكم بين القراءتين. بالطبع ايلي حبيقة يعي اكثر من غيره ماذا يعني مواجهة ارييل شارون والآلة الاعلامية والاستخباراتية التابعة لاسرائيل، لكنه قرر الا يسمح لاسرائيل ان تكتب تاريخ لبنان فجمع كل قواه وكل معلوماته، وهي غزيرة، ليعيد كتابة قصة حرب لبنان، أو على الاقل جزءا من هذه القصة، وابراز الحقيقة الصعبة وهي ان اسرائيل دفعت ببعض أفراد مسيحيني ليغطوا جريمة كانت قد ارتكبتها قبل وصولهم بقصد لبننة هذه المأساة. حذار ان «نلبنن» مآسينا أو «نعريها» فنبريء من حيث نريد او لا نريد اسرائيل من كل اعمالها الوحشية خلال قرن ونيف. بقلم: كريم بقرادوني