قبيل الانتخابات الاسرائيلية عقدت القيادة السورية على ما يبدو اجتماعا سريا لتحسب نتائج وصول شارون شبه المؤكد يومئذ الى الحكم في اسرائيل، وكان بين تحسباتها العديدة أمران أساسيان، الأول هو ان عملية السلام ستدخل الثلاجة الى اشعار آخر، ومن هنا يجب تركيز ثقل الاستراتيجية السورية على دعم الانتفاضة، وتأمين سياج اقليمي رسمي وشعبي داعم لها، يعتبرها مركز الثقل في ادارة الصراع ضد اسرائيل. وقد تم في ضوء ذلك طي القيادة السورية لصفحة الماضي مع السلطة الفلسطينية، وحث المعارضة الفلسطينية الراديكالية على تحقيق مصالح وطنية معها، أما الأمر الأساسي الثاني فهو استبدال شارون لاستراتيجية باراك السابقة بتهديد سوريا ونشر سيناريوهات الحرب ضدها، بمحاولة ضربها فعليا في لبنان لاستدراج سوريا الى حرب اقليمية محدودة ردا على عمليات لحزب الله، أو استخدام أية ذرائع اخرى. وقد كان ما تحسبته القيادة السورية دقيقا الى حد كبير، أو انه بالاحرى يندرج في اطار الوقائع المحتملة، إذ ضرب الطيران الاسرائيلي في ابريل الماضي رادارا سوريا في منطقة البقاع ثم كرر ذلك بضربة أخرى وفي المنطقة نفسها في أواخر يونيو. والقاسم المشترك في العمليتين ان اسرائيل سترد على أية عملية لحزب الله بضرب القوات السورية بوصف ان «السوريين هم المسئولون كل واحد منهم بشكل شخصي عن استمرار التدهور» على حد تعبير شاؤول موفاز رئيس الاركان الاسرائيلي. بكلام آخر كان التصعيد أو جر المنطقة الى «شفا الحرب» على حد تعبير الرئيس السوري هو عنوان مرحلة شارون، إذ ان شارون يعيد صياغة الاستراتيجية العسكرية التقليدية الاسرائيلية التي تندرج كل مشاهدها في خانة الحرب بشكل صارم على أساس «الخيار الأسوأ» والتأهب لحروب المدى البعيد. ومن هنا حاول ان يقنع واشنطن بوجود «استعدادات عسكرية سورية ايرانية» في لبنان، لنصب قواعد صاروخية يمكنها ان تصيب العمق الاسرائيلي، وقامت مشاركته في المناورات الاسرائيلية ـ التركية الأخيرة على أساس مواجهة الهجمات الصاروخية المحتملة من سوريا والعراق وايران، مما يعطي اسرائيل موقعا اقليميا في استراتيجية الدرع الصاروخي الامريكية الجديدة. في الوقت الذي ليس سرا ان القيادة السورية تعوّض عن ضعف دفاعاتها وقواتها الجوية بتعزيز قوتها الصاروخية. فيتابع السوريون بدقة تطورات صاروخ حيتس المضاد، كما يتابع الاسرائيليون اتهام سوريا بالتطوير للصواريخ السورية التي «تضع كل اسرائيل ضمن مداها»، ونجاحها بتطوير رؤوس حربية متعددة العناقيد تضلل الصواريخ المضادة. وحصيلة الأمر ان العدوان على سوريا يمكن ان يكون مكلفا وباهظا. الا ان الرئيس السوري بشار الأسد الذي خيّب أمل الاسرائيليين ورأوا انه «أسوأ من أبيه» لم يستدرج الى الفخ، لكنه أكد ان هناك حدودا لـ «ضبط النفس»، وهي رسالة مفتوحة على احتمالات عديدة. ففي الضربة الثانية لم يدع وزير الدفاع الاسرائيلي المستوطنات الشمالية الى الملاجيء، قائلا ان سوريا «لن ترد» على الهجوم، وان حزب الله «يعرف حدوده». لكن رد حزب الله جاء سريعا وحادا بعد ساعة تقريبا من العدوان الاسرائيلي في شكل قصف مركّز على المواقع الاسرائيلية في مزارع شبعا وعلى رادار اسرائيلي في جبل الشيخ، وكان ذلك يعني ان رادارا اسرائيليا مقابل رادار سوري. إن غرفة العمليات في جنوب لبنان مشتركة ما بين سوريا وحزب الله. وبهذا المعنى فإن عملية حزب الله رد سوري على الغارة الاسرائيلية، وان كان شكله غير مباشر. إن مبادرة حزب الله بالهجوم ضد الموقع الاسرائيلي في مزارع شبعا الذي استدعى الضربة الاسرائيلية الثانية ضد الرادار السوري، يعني الاستمرار في خيار المقاومة المحسوب استراتيجيا وسياسيا بدقة، من دون الوقوع في فخ شارون لاستدراج سوريا الى حرب اقليمية بقدر ما ان مثل ذلك الهجوم ناجح سياسيا في اطار تدخل واشنطن والاتحاد الاوروبي بشكل فعال لتقييد شارون، وعدم اجازته لاشعال حرب واسعة، ستنطلق على ما يبدو من مزارع شبعا، وقد تحرق نيرانها شارون نفسه، إذ ان الانتفاضة خلقت معطى استراتيجيا جديدا في المواجهة العربية ـ الاسرائيلية. وان اشعال حرب اقليمية ضد سوريا ولبنان سيكافئها حرب ضروس ومرعبة داخل اسرائيل نفسها، مورست حتى الآن في أطر محدودة ومضبوطة، لكن يمكن اطلاقها في حدود اكثر ايلاما، ليس ضد المستوطنات الشمالية فحسب بل لمدن العمق الاسرائيلي. وتعرف اسرائيل انها يمكن ان تتوقع في حال عدوان بأوسع أو أشمل عمليات ليست من دمشق وجنوب لبنان فقط، بل من داخل «اسرائيل» نفسها، أي نقل الحرب الى داخلها. وهذا هو الجديد اليوم في احتمالات الصراع العربي ـ الاسرائيلي التي لم تزل مفتوحة، كما انه قد يشكل عنصرا عربيا في الردع. بقلم: محمد جمال باروت