قبل وفاته في مايو 1980، حذر الرفيق جوزيف بروز تيتو مؤسس يوغسلافيا الثانية (بعد انهيار الإمبراطورية اليوغسلافية على يد الجيش النازي بقيادة هتلر) خلفاءه من رفع الحجر الذي ظل طوال الـ 35 عاما يعمل على الإبقاء عليه موضوعا فوق «جحر الأفاعي» قاصدا منطقة البلقان. إلا أن أصحاب النظام العالمي الجديد وعرابيه يبدو أنهم لم يعوا التحذير جيدا، وهاهم قد رفعوا الحجر مع تأليب الحركات الانفصالية في الجمهوريات اليوغسلافية السابقة وتدعيمها على النحو الذي أدى لانفراط عقد آخر دولة في أوروبا كانت لا تزال تتمسح في مسوح الاشتراكية، ومع أن القوى الغربية والأمريكية تذرعت في بداية الأمر بالرغبة في الدفاع عن الكوسوفيين الألبان ضد الكوسوفيين الصرب التي لم تكن مثلما اتضح للجميع بعد ذلك حبا في مسلمي كوسوفو وانما رغبة في احكام السيطرة على بقعة كانت «مارقة» على النظام العالمي الجديد حتى ذلك الحين. وليس أدل على ذلك من أن قوات الناتو لم تأل جهدا في قصف كوسوفو عن بكرة ابيها لمدة 74 يوما دون تفرقة بين مسلميها وصربها كما دمرت جزءا من صربيا وأجهزت على البنى التحتية للدولة لم تستثن في ذلك الطرق والجسور أو وسائل الإعلام أو المستشفيات وصولا الى السفارات الأجنبية. ولم تكن قوات الناتو لتقبل بأقل من تركيع النظام المحلق خارج السرب حتى ولو استخدمت في سبيل ذلك اليورانيوم المنضب الذي سيظل سكان يوغسلافيا ـ التي كانت ـ صربا وبوسنيين وكوسوفيين وكروات ومقدونيين ومن الجبل الأسود، يعانون آثاره الأليمة لأجيال قادمة. وبالمثل لم يكن إصرار الولايات المتحدة على تسليم ميلوسيفيتش وغيره من القادة الصرب إلى محكمة جرائم الحرب ـ التي لم تورط واشنطن نفسها في الاعتراف بها رسميا الى الآن ـ رغبة حقيقية في عقاب مجرمي الحرب بقدر ما هو رغبة في ارساء النفوذ، وربما كان في جزء منه رغبة في التعتيم على جرائم التحالف الأمريكي الأوروبي إبان قصف كوسوفو، وإلا فلماذا لم يقدم مستخدمو اليورانيوم المنضب إلى نفس المحكمة؟ اثار تسليم الرئيس اليوغسلافي المخلوع سلوبودان ميلوسيفيتش إلى محكمة الجزاء الدولية ضجة لا يتوقع لها أن تهدأ حتى بعد انتهاء محاكمته التي يتوقع لها القائمون عليها أن تستمر ثمانية عشر شهرا. فوسط جوقة إعلامية صاخبة انطلقت تهلل وتحيي تقديم «جزار البوسنة» كما يسميه الإعلام الغربي إلى العدالة، حرص هذا الإعلام على أن يغطي الصخب الاحتفالي على أي تساؤلات عما إذا كان قادة الصرب هم المسئولون وحدهم عن مأساة البلقان، ومدى مسئولية حلف الناتو وما قام به من قصف استمر 74 يوما على اقليم كوسوفو عن تشريد وقتل عشرات الالاف، وتدمير البنية التحتية لشعب باتت بعض قياداته على استعداد لبيع بعض بنيها كما قيل لإطعام البعض الآخر. ولما كنا في عالمنا العربي قد أدمنا ـ أو البعض منا للدقة ـ الانسياق وراء الصوت العالي واستسهال تصديق الدعايات بدلا من اجهاد الذهن وإعمال العقل، فقد بات البعض يحلم بانتصار هذه العدالة معتبرا أن ميلوسيفيتش لن يكون سوى أول طابور من «الطغاة» و«المجرمين» الذين يتعين محاسبتهم على جرائمهم، وبات كل يحلم بطاغية ـ ما ـ يهمه بالتحديد أن يساق ضمن هذا الطابور ليلقى جزاءه، فمن قائل «اليوم ميلوسيفيتش وغدا صدام» إلى قائلين «بل بعد غد انشاء الله شارون»، ولم يكلف الكثيرون أنفسهم التدقيق في الأمر مليا، لمعرفة لماذا ميلوسيفيتش بالذات الذي حرصت عدالة النظام العالمي الجديد على أن يعاقب؟. وهل المطلوب معاقبته عن جرائم يتحمل مسئوليتها وحده فعلا أم يشاركه آخرون لن تطالهم هذه العدالة؟ وهل يمتد سيف العدالة ليطال رقاب آخرين مرضي عنهم من قبل واشنطن بالتحديد؟ أم أن أولئك يتمتعون بالحصانة التي تضمنها الشرعية الدولية المفصلة وفق مقاس واشنطن ومن يدورون في فلكها؟ مبدأ عنان لا يعني حديثنا هذا أننا نتباكى على ميلوسيفيتش الشخص، وإنما يحق لنا أن نتساءل عن السبب الذي يكمن وراء انتقائية عدالة ذلك النظام العالمي الجديد التي لا تطال إلا أولئك المحرومين من رضا الولايات المتحدة الأمريكية. ولنا أيضا أن نتساءل: أين ذهبت سيادة الدولة التي هي أحد العناصر الثلاثة لتعريف الدولة وفقما اجمعت عليه الكتب التي درسوها لنا في العلوم السياسية؟ وماذا جرى لمبدأ عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول؛ فمتى كان رئيس دولة سابق، أو حتى مواطن عادي في دولة، يساق ليحاكم خارج بلاده دون علم رئيس دولته مثلما يقال، وباستخدام أقسى وأخس وسائل الضغط: التلويح بتجويع شعب. أما بالنسبة لمبدأ سيادة الدول، فقد كفتنا «منظمة مراقبة حقوق الإنسان» ـ في تقريرها السنوي لعام 2000 ـ حتى مئونة الترحم عليه، بعدما زفت إلينا مولد مبدأ جديد، يليق بمقدم ألفية جديدة، أسمته «مبدأ عنان» مشيرة إلى خطاب الأمين العام للأمم المتحدة في افتتاح دورة الجمعية العامة للمنظمة الدولية في خريف 1999 الذي «أكد فيه أن السيادة الدولية يجب ألا تقف حائلا أمام الالتزام بوضع حد للجرائم المرتكبة ضد الإنسانية». وهو ما يعني في نهاية الأمر حق معاقبة أي شخص يرتكب مثل هذه الجرائم دون مراعاة لكونه من رعايا دولة ما يتعين أخذ رأيها على الأقل. وطبقا لهذا المبدأ يصبح اجبار الحكومة الليبية على تسليم مواطنين من رعاياها لمحاكمتهما، وخطف المواطن ميلوسيفيتش من بلاده لمحاكمته دون ابلاغ رئيس جمهوريته أمرا جائزا، ولكن أين هي تلك الجهة التي سيكون منوطا بها تحديد ذلك الشخص المراد معاقبته أو حتى محاكمته، أوليست هي ذلك الحاكم بأمره الملقب بالقوة العظمى الوحيدة في عالم اليوم؟ انها ليست في الواقع بحاجة لمبدأ عنان أو غيره، فهي الوحيدة المنوط بها وصم من تريد بالمجرم وفرض العقوبات عليه، كما يحق لمن يلوذ بجوارها أن يمارس ما يشاء من أفعال أو جرائم دونما أي اعتبار لعدالة أغمضت عينيها عن ذوي الحظوة. كراهية تاريخية أما بالنسبة للمذابح التي ارتكبت في حق ألبان كوسوفو، فربما كان يتعين بشأنها تو قيع العقاب على مجمل الصرب ـ وليس ميلوسيفيتش ومساعديه وحدهم ـ الذين يحملون إرثا من العداء التاريخي ضد المسلمين منذ أيام الاحتلال العثماني للبلقان الذي استمر خمسة قرون منذ أواخر القرن الرابع عشر من الألفية المنصرمة، وما خلفه من جروح عميقة، لم تمحها القرون، نجمت عن المذابح والجرائم الوحشية التي ارتكبها الأتراك الغزاة، والتي ظلت تلهم أدباء وكتاب البلقان العديد من الروايات وقصائد الشعر مسجلين هول ما تعرض له سكان هذه المناطق على أيدي أولئك الذين اغتصبوا بلادهم ونهبوا ثرواتها تحت ستار الدين الإسلامي وهو من فظائعهم براء مثلما تسربل الغزاة الأوروبيون من قبل براية المسيحية خلال الحروب الصليبية قبل أن يردوا مدحورين، ولعل الكثيرين يذكرون رواية «جسر على نهر درينا» للكاتب اليوغسلافي ايفو اندريتش الحائز على جائزة نوبل، التي صور فيها في منتصف القرن الفائت بعض هذه الفظائع على نحو بليغ، ومن بينها عقوبة «الخازوق» الرهيبة التي اخترعها أولئك العثمانيون لمعاقبة سكان البلاد الأصليين الذين قاوموا الاحتلال، فضلا عن اختطاف الصبية من أبناء السكان الأصليين ونقلهم الى الآستانة لإجبارهم على تغيير ديانتهم وأسمائهم وتربيتهم عسكريا ليعودوا بعد ذلك رجالا يحكمون بلادهم الأصلية بالحديد والنار باسم المستعمر التركي وينهبون ثرواتها لصالحه. وظل أبناء القومية الصربية يتوارثون شعورا مرا بالكراهية ضد المسلمين باعتبارهم عرقا ينتمي إلى غزاة الأمس وليس لكونهم يمثلون الدين الإسلامي مثلما حاولت تصوير ذلك دعايات الناتو والولايات المتحدة التي لم يكن من بين أولوياتها أبدا الذود عن المسلمين في يوم من الأيام، وانما هي الرغبة في التلاعب بمشاعر العالم الإسلامي وتأليبه ضد الخارجين عن طاعة واشنطن. تأديب نظام مارق ومثلما نعلم جميعا فقد بدأت القلاقل في منطقة البلقان مع بداية انهيار الاتحاد السوفييتي وتفتت الكتلة الاشتراكية. وتلفتت واشنطن حولها فلم تجد سوى يوغسلافيا ما زالت تتشبث بأذيال «النظام العالمي القديم»، ولم يكن من الصعب على الدولة العظمى التي تمرست على سياسة فرق تسد، أن تتذكر فجأة حقوق مواطني كوسوفو والبوسنة والهرسك والكروات والسلوفانيين، واثر اعلان القيادة الصربية إلغاء حق الحكم الذاتي لإقليم كوسوفو الذي كانت الحكومة الاتحادية قد أقرته في عهد تيتو عام 1974 وسرعان ما نشط جيش تحرير كوسوفو مطالبا بالانفصال، الأمر الذي واجهته الدولة الاتحادية بالقمع بدعوى الحفاظ على وحدة الدولة. فإذا نحينا جانبا الاعتبارات العاطفية، وبعدنا قليلا عن الدعاية الانفعالية التي جرتنا اليها تلك المسماة بالشرعية الدولية، وحاولنا النظر للأمر من الناحية الموضوعية بعيدا عن التمسح في الشعارات الدينية وأخذنا في اعتبارنا أن سكان البوسنة والهرسك وكوسوفو وكرواتيا وسلوفانيا والجبل الأسود لم تكن مطالبهم للانفصال عن الجمهورية اليوغسلافية ذات أبعاد دينية بقدر ما كانت ذات أبعاد قومية وعرقية وتستند إلى رؤية الداعين للانفصال إلى مصالح أقاليمهم التي يرون تحقيقها بالانفصال عن الدولة الأم، بينما كانت القيادة الصربية ترى من منظورها إن استمرار الدولة اليوغسلافية الاتحادية بزعامة الصرب أمر يقع في صميم المصلحة القومية للاتحاد اليوغسلافي ومن ثم قاومت بضراوة كل دعاوى للانفصال. سيناريو آخر ومن نافلة القول ان الولايات المتحدة كانت ستتبنى رؤية الصرب وتدعو لعقاب المتمردين الانفصاليين في البوسنة والهرسك وكوسوفو لو كانت الدولة اليوغسلافية تحظى برضا العم سام في ذلك الوقت، خاصة وان جيش تحرير كوسوفو كان مدرجا على القائمة الأمريكية للمنظمات الإرهابية من قبل، ثم رفع اسمه من القائمة الإرهابية وبدأ الإعلام الأمريكي يعلن أنه منظمة تحرير. وقياسا على المبدأ الأمريكي الذي يبيح لحلفائها اقتراف ما يبتغون من جرائم ضد الإنسانية دون أي محاسبة طالما ظلوا سائرين في ركاب واشنطن، فربما استندت الدعاية الأمريكية إلى تقرير منظمة العفو الدولية لعام 1999 الذي سجل اختفاء مئات الأشخاص وتهجير أكثر من 250 ألفا من اصل ألباني على أيدي افراد الشرطة والجيش أو «قوات المعارضة المسلحة من أصل ألباني» بل أن تقرير المنظمة الدولية كما أدان عملية القمع الحكومية أشار إلى أن قوات المعارضة المسلحة من أصل ألباني «كانت مسئولة عن ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان؛ منها خطف عشرات الأشخاص الذين ظل الغموض يكتنف مصيرهم» بل أن منظمة العفو في سردها لعمليات القمع التي قامت بها الحكومة اليوغسلافية أشارت إلى أنها جاءت «ردا على الهجمات التي قام بها جيش تحرير كوسوفو الذي يسعى إلى استقلال الإقليم بوسائل عنيفة»، وأضاف التقرير «استمرت منذ العام 1996 الهجمات التي يقوم بها جيش تحرير كوسوفو ضد مراكز الشرطة والمدنيين الصرب، وضد أشخاص من أصل ألباني يعتبرهم موالين للسلطات الصربية» كما قال التقرير «تواترت أنباء عن أن أفراد جيش تحرير كوسوفو وغيرهم من المسلحين من أصل ألباني، ارتكبوا انتهاكات لحقوق الإنسان، وخاصة عمليات التهجير القسري وإساءة المعاملة والخطف الموجهة إلى غير المقاتلين من الصرب والجبل الأسود والغجر والألبان». وهكذا، نتبين أنه لو كانت القيادة اليوغسلافية تسير وفق هوى الشرعية الدولية ـ الأمريكية، لربما كانت الأمور ستتجه وفق سيناريو آخر، بل ربما كنا نجد قياداتهم سلمة مثل علي عزت بيجوفيتش وابراهيم روجوفا هي التي تساق الآن إلى محكمة جرائم الحرب. ولم تكن واشنطن لتعدم وسيلة لجمع أدلة وبراهين على فظائع ارتكبها أولئك المسلمون الذين كانوا سيسمون وقتها بالمتمردين الانفصاليين الراغبين في زعزعة استقرار المنطقة. انتفى الغرض ومن هنا، يتعين علينا النظر إلى الأمور من كافة أوجهها حتى لا نجد أنفسنا مستدرجين دائما إلى التهليل لكل ما تروج له الدعايات الأمريكية أو الغربية. فإذا اتفقنا من البداية على أن قوات التحالف الأمريكي الأوروبي لم تكن لتتدخل في البلقان لنجدة المسلمين حتى وإن أبيدوا عن بكرة أبيهم، وإنما الدافع دائما لتحريك الذراع العسكرية الأمريكية لم يكن أبدا سوى الدفاع عن النفوذ الأمريكي وبسط هيمنة القوة العظمى على مختلف بقاع العالم وعدم اتاحة الفرصة لظهور المزيد من المارقين. وإلا فأين التأييد الأمريكي والغربي عندما تطالعنا الصحف أن قوات الناتو اعتقلت في نهاية الشهر الفائت89 من ألبان كوسوفو لدعمهم جيش التحرير الألباني في شمال مقدونيا بالأسلحة والمواد الغذائية، وتم احتجاز المعتقلين في سجن القاعدة الأمريكية بتهمة عبور الحدود بطريقة غير قانونية، وتهريب أسلحة غير مشروعة وأغذية عبر اقليم كوسوفو الخاضع لإدارة الأمم المتحدة. وأين هذه المساندة من تصريح جورج روبرتسون الأمين العام لحلف الناتو من أن الحلف سوف يقدم المساعدات لحكومة مقدونيا في حربها ضد المقاتلين الألبان فضلا عن قرار الرئيس الأمريكي بوش الذي أصدره في أواخر يونيو بمنع مواطني أمريكا من تقديم أي دعم مالي أو عيني للمقاتلين الألبان وحظر دخولهم للأراضي الأمريكية، وتقديم الدعم الكافي للرئيس المقدوني «بوريس ترايكوفسكس» وقال بوش محذرا «لقد تلقينا معلومات بأن المقاتلين من أصل ألباني يجمعون المال ليس فقط في أمريكا، ولكن أيضا في أوروبا، ونحن عازمون على القيام بما يجب لمنع تمويل أي أنشطة تزعزع وضع الحكومة المنتخبة في مقدونيا». هكذا اذا، لقد استخدم المسلمون ذريعة وتكئة يستند اليها التحالف الأمريكي الأوروبي لإزاحة آخر مخلفات النظام العالمي القديم، ولما انتفت الحاجة إلى تلك الذريعة، لم يجد المتحالفون حرجا في أن يظهروا الوجه الاخر الداعي للمحافظة على الشرعية ورفض الدعوات الانفصالية التي من شأنها زعزعة الاستقرار في البلقان. وليس هناك من داع بالطبع للتساؤل عن أين كان هذا الحرص على الاستقرار عندما لعبت الأصابع الأمريكية دورها في فرط عقد الاتحاد اليوغسلافي. بطل قومي وبصرف النظر عن موقفنا الرافض لحرمان أي قومية من حقها في تقرير المصير سواء كانت في البوسنة والهرسك أو كوسوفو أو كرواتيا أو الجبل الأسود، فإن موقف الرئيس اليوغسلافي السابق ميلوسيفيتش لم يكن موقفه وحده وانما أيده فيه معظم الصرب الذي اعتبره معظمهم بطلا قوميا ومدافعا شرسا عن المصالح الصربية، ويتفق معه في دفاعه عن القومية الصربية الرئيس الحالي فويسلاف كوستونيتشا الذي تعهد في أول خطاب له باستعادة سيطرة الصرب على كوسوفو. ومن ثم لم تكن الخلافات بين قيادات الصرب سوى خلافات داخلية وصراعات على السلطة حسمتها الانتخابات الديمقراطية التي أجريت في خريف العام الماضي وأسفرت نتيجتها عن فوز كوستونيتشا بنسبة 48 في المئة بينما حصل ميلوسيفيتش على 40 في المئة فيما يوضح ضعف الفارق في عدد المؤيدين والراجع أساسا إلى خلافات في التوجهات الداخلية. ومن هنا كان اصرار كوستونيتشا منذ بداية حكمه على عدم الموافقة على تسليم الرئيس السابق لمحاكمته أمام جهة خارجية. بل أن كوستونيتشا لم يكن يخفي أبدا تحفظاته نحو الغرب الذي قصف بلاده ودمر بنيتها التحتية و«الذي يهوى إعطاء الدروس» على حد قوله كما لم يتقبل أبدا مطالب محكمة الجزاء الدولية التي اعتبرها دائما «منحازة وذات أهداف سياسية وعدالة انتقائية». كما كرر الرئيس اليوغسلافي الحالي في أكثر من مناسبة أنه يتعين تحديد مدى مسئولية حلف الناتو عن مأساة البلقان. وهو وان اعتبر ميلوسيفيتش مشاركا في المسئولية عما لحق ببلاده من دمار إلا أنه رأى وجوب محاكمته داخل يوغسلافيا، كما رأى المسئولون في بلجراد أن ميلوسيفيتش ليس مسئولا عن كل جرائم الحرب التي ارتكبت في البلقان، وأكدوا ان محاكمته يجب ان تنصب على قضايا تتعلق بالفساد والتلاعب في نتائج الانتخابات فقط. ابتزاز غير أخلاقي بل أن رئيس الوزراء اليوغسلافي زوران دينديتش الذي انتهى به الحال إلى تسليم رئيس الجمهورية اليوغسلافية السابق كان قد تعهد في أول الأمر بعدم تسليم ميلوسيفيتش إلى المحكمة الدولية. ثم عاد ليؤكد استعداد بلجراد للتعاون مع محكمة جرائم الحرب الدولية بلاهاي فيما يتعلق بمحاكمة ميلوسيفيتش عبر تشكيل محكمة صربية يتولاها «قضاء خارجي». موضحا أنه عندما يحاكم ميلوسيفيتش في صربيا أولا سيبدأ التعاون مع محكمة جرائم الحرب الدولية بصورة جدية. وقال اثر عودته لبلاده من زيارة قام بها لواشنطن في فبراير الماضي، وهي الزيارة التي هددت فيها أمريكا بوقف المساعدات عن يوغسلافيا ما لم تسلم رئيسها السابق إلى محكمة جرائم الحرب التي لم تعترف الولايات المتحدة بها رسميا حتى الآن، إنه دعا في واشنطن إلى محاكمة المسئولين عن جرائم الحرب في يوغسلافيا، وقال إنه طالب بأن تعطى المحاكم في بلاده الفرصة لتبرهن أنها قادرة على إجراء مثل هذه المحاكمات. وأضاف أن وزير الخارجية الأمريكي شدد على محاكمة مجرمي الحرب دون أن يذكر أين يجب أن تتم محاكمتهم. لكن دينديتش قال عقب وصوله بلجراد قادما من واشنطن إن الكونجرس الأمريكي قرر في حالة عدم تعاون الحكومة اليوغسلافية مع المحكمة الدولية التصويت ضد أي مشروع لصالح بلجراد في المؤسسات الدولية ومن بينها صندوقا النقد والبنك الدوليان. وأضاف أن الكونجرس أمهل حكومة بلجراد حتى الحادي والثلاثين من الشهر المقبل لتتخذ قرارا في هذا الأمر. وهكذا بدأت الضغوط على جمهورية يوغسلافيا، أو ما تبقى منها وهو اتحاد هش بين جمهوريتي صربيا والجبل الأسود، بات يئن من جراء الصعوبات الاقتصادية الحادة التي نجمت اساسا عن قصف الناتو للبنية الأساسية للبلاد وتدميرها حتى أن أجزاء كبيرة من الدولة كانت تعاني من انقطاع التيار الكهربائي لمدد تصل إلى 12 ساعة يوميا خلال موسم الشتاء. ثمن الرجل ووسط تفاقم الأعباء الاقتصادية وصعوبة ظروف الحياة، بدأ الغرب يستخدم مع القيادة اليوغسلافية سياسة العصا والجزرة أو كما سبق أن ذكرنا في مقال سابق الترهيب بسيف المعز والترغيب في ذهبه، فأعلن الرئيس بوش أن بلاده على استعداد لتقديم المساعدات الاقتصادية لبلجراد بشرط تسليمها ميلوسيفيتش لمحكمة لاهاي الدولية بل أن مسئولا أمريكيا قالها بصورة أكثر قسوة «ربما يذهب مندوب الولايات المتحدة إلى مؤتمر المانحين وبيده دفتر شيكات». وهكذا بات على اليوغسلاف الاختيار بين أمرين أحلاهما مر، إما التضحية بسمعة الدولة وسيادتها وشعبية الحكم فيها بتسليم ميلوسيفيتش انصياعا لرغبة حلف الناتو الذي أذل البلاد قصفا وتدميرا ويورانيوم منضباً، أو خسارة ذهب المعز الذي يؤمل معه أن يرفع نير المعاناة عن الجماهير، فكان ما كان واختارت القيادة الصربية أن تضحي بميلوسيفيتش، وقبضت الثمن فورا 1.25 مليار دولار قدمها المانحون في مؤتمرهم الذي عقد ببروكسل بعد يومين من تسليم ميلوسيفيتش منها 181 مليون دولار شيكا أمريكيا. وفي الحقيقة حق لميلوسيفيتش أن يفخر؛ فما أغلى ثمن الرجل. وربما لو كان الصرب ساوموا على ثمن أعلى لما تأخر المانحون. ورغم اصرار الرئيس كوستونيتشا على عدم علمه بتسليم مواطنه وأحد رعاياه ورئيسه السابق، الأمر الذي يشكك فيه دينديتش رئيس وزراء الصرب وصاحب قرار التسليم، إلا أن النتيجة واحدة، فالضائقة الاقتصادية لا ترحم، ومن الصعوبة بمكان الوقوف في وجه التيار، حتى لو كان الثمن مظاهرات تنطلق هنا وهناك تلعن القيادة التي «تبيع أبناءها». وهو ما اعترف به دينديتش بصراحة في بيان الحكومة الرسمي المتعلق بتسليم الرئيس السابق عندما قال بصراحة إن بلاده لم تكن قادرة على مواجهة العزلة الدولية والهوان وخسارة المساعدات. الشعور بالعار غير أن الأوضاع بعد تسليم ميلوسيفيتش لن تعود ابدا إلى ما كانت عليه أبدا، وها هو «جحر الأفاعي» الذي حذر منه تيتو قد زال عنه الحجر الذي كان يسده، وبدأ ت الصراعات الداخلية تتفاقم حتى بين صرب يوغسلافيا، وها هما كوستونيتشا ودينديتش اللذان كانا حليفين بالأمس تجمعهما معا المعركة للإطاحة بحكم ميلوسيفيتش يتخاصمان علنا ويكيل كل منهما الاتهامات للآخر، فكوستونيتشا يعتبر قرار التسليم غير مسئول ودينديتش يرفض علناً هذا الوصف ويشكك في عدم علم الرئيس مسبقا بالقرار. وتتطور الأمور إلى استقالة رئيس الوزراء الفيدرالي (من الجبل الأسود) زوران زيزيتش احتجاجا على تسليم الرئيس السابق. وتطل من جديد أفعى الانفصال لتطلق سمها في جسد الاتحاد الهش الذي ترفضه جمهورية الجبل الاسود وتريد تعديله بحيث يكون لكل دولة منهما مقعد في الأمم المتحدة مع استمرار وجود عملة واحدة بينهما ووزارات قليلة موحدة. ورغم فشل دعاة الانفصال في الحصول على أغلبية في الاستفتاء الذي أجري في ابريل الماضي إلا أن الأوضاع الحالية تنذر بتنشيط دعاوى الانفصال في كل من كوسوفو والجبل الأسود، وهو الأمر الذي حذر منه عدد من المسئولين الغربيين ومنهم ايجور ايفانوف وزير الخارجية الروسي. ومع تزايد الشعور بالعار بين صفوف الصرب، يتوقع أن يتزايد أعداد المؤيدين لميلوسيفيتش بما يتوقع معه زيادة فرص الحزب الاشتراكي الذي كان يتزعمه الرئيس السابق في الفوز في أول انتخابات قادمة. وفي قائمة المعارضين لتسليم الرئيس اليوغسلافي السابق أعضاء في البرلمان اليوناني الذين كانوا قد قدموا لحكومة يوغسلافيا التماسا يطالبونها فيه بعدم تسليم ميلوسيفيتش، وفي اسبانيا قارن خوليو انجيتا المنسق العام لائتلاف اليسار المتحد بأسبانيا بين ميلوسيفيتش والرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون وخافيير سولانا مفوض السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي واصفا الثلاثة بأنهم مجرمون دوليون مزعومون على حد قول وكالات الأنباء، وعزا أنجيتا شن حملة الناتو الجوية على يوغسلافيا الى تجارة السلاح الأمريكي مشيرا الى وجود «حملة ضخمة لتزوير التاريخ تجري في عصرنا». ويبدو أن لرأي الرجل نوعا من الوجاهة وإلا فلماذا لا يلتف أحد للأسباب الأخرى لمأساة البلقان ومتى سيأتي الدور على مستخدمي اليورانيوم المنضب في كوسوفو والمسئولين عن تدمير العصب الاقتصادي لدولة وبنيتها التحتية على نحو يهدد بتجويع شعبها. هل ينتحروه اما ميلوسيفيتش الذي يطمح الغرب في أن يجعل منه المشجب الذي تعلق عليه خطايا الجميع في البلقان، فهو يواجه محاكميه بعجرفة حتى الآن مستهينا بمحكمتهم واصفا اياها بأنها سيرك هزلي ولعبة سياسية تهدف للتعمية على جرائم الناتو ضد شعبه، وهو يهدد في نفس الوقت بفضح اسماء مسئولين غربيين يزعم أنهم ساندوه في جميع أفعاله وشجعوه على كل ما قام به (ألا يذكرنا ذلك بزعيم عربي معاصر استخدمته نفس اليد ودفعته إلى قفزة نحو جحيم ما زالت نيرانه تلسعنا جميعا وتشوي ظهور أبناء شعبه؟) وبعد ذلك يلومون من يؤمن بنظرية المؤامرة! غير أن هناك هاجسا ما يطل برأسه كلما كثر الحديث عن الخشية من اقدام ميلوسيفيتش على الانتحار والتأكيد على أن والديه ماتا منتحرين وأن لديه ميولا انتحارية، هل ينذر ذلك بأن وراء الأكمة شيء ما. أيفعلونها وينتحروه قبل أن يخرج عن السيناريو ويكشف أمورا لا يصح كشفها؟ في الحقيقة، وسواء نجحوا في أن يعلقوا خطايا الجميع على ظهر ميلوسيفيتش، وسواء أدين وحكم عليه بالمؤبد مثلما يأمل الكثيرون، أو انتحر أو دفع للانتحار، فلا يجب أن يعمينا الدخان الإعلامي ويصم آذاننا الصخب الدعائي عن أن نرى ونسمع وندرك انها عدالة شائهة، تكيل بمكيالين، ولا يقع بين يديها إلا كل من غضبت عليه الشرعية الدولية ـ الأمريكية. ويبقى في آخر الأمر أن ندعو كل من كان منهم بلا خطيئة ارتكاب جرائم في حق الإنسانية أن يرمي سلوبودان ميلوسيفيتش بألف حجر. بقلم: إكرام يوسف