اجتمعت بالأخوة رؤساء الجاليات السورية واللبنانية يوم 3 أغسطس صباحاً، لنقرر الاجتماع بكل من تم اختيارهم كوفد مرشح للسفر للقاء الرئيس عبد الناصر بالقاهرة، وعددهم ثمانية أعضاء يمثلون جميع التجمعات المنتشرة على ساحة ومدن أرض دولة البرازيل وممثلين كذلك جميع أعضاء جاليات عرب المهجر بـ «البرازيل»، وتحدد موعد لقائى بهم فى العاشرة من صباح يوم 4 أغسطس 1959، للاتفاق على كل المطلوب إثارته من مطالب، واستفسارات، واتفاقات مع الرئيس جمال عبد الناصر بالقاهرة، لأساعدهم فى دراسة، وتحضير المطلوب إعداده ليسافروا إلى القاهرة وهم جاهزون لطرح كل مطالبهم، واتفاقاتهم لمناقشتها، وإقرارها بالقاهرة. ونظراً لعدم خبرتهم فى التعامل مع تجار الأسلحة، وصعوبة تورطهم فى الإلمام بأنواع الأسلحة المختلفة، والتى يحتاجها المسئولون عن قيادة وتدريب المتطوعين، للقيام بالشئون العسكرية - فإن هذا الموقف دفعهم إلى تحميل الرئيس عبد الناصر مسئولية التكليف والإشراف على شراء كل احتياجات القوات الفدائية، لمواجهة العدوان الخارجى بمعرفة مسئولى القوات المسلحة المصرية، وتوزيعها فى نصابها القانونى واللازم. وسنقدم للرئيس عبد الناصر شيكات بأثمان ما يكفى من أنواع الأسلحة المختلفة، فى نطاق قدراتنا المالية، التى سنجمعها من جميع أعضاء الجاليات العربية فى البرازيل. وستتم مناقشة الرئيس عبد الناصر فى اختيارنا لبعض أبنائنا كمتطوعين لحمل السلاح، والوقوف إلى جانب فدائيى ومتطوعى الشعب العربى المصرى، والسورى، وأى دولة عربية أخرى.وانتهى هذا اللقاء، متواعدين على لقائنا الجديد بإذن الله وتوفيقه بالقاهرة يوم 15 ديسمبر 1959، تمهيداً للاجتماع بالرئيس جمال عبد الناصر. فى صباح يوم 5 أغسطس اتصلت تليفونياً بالسيد جوان اسكاروس نائب مدير قناة بنما حسب الاتفاق بينى وبينه، لأخطره بميعاد سفرى إلى القاهرة فى آخر مرحلة، وهى زيارة البرازيل، وأبلغته بأننى حجزت للسفر صباح يوم 7 أغسطس 1959، وعليه يمكنه البدء فى اتخاذ الإجراءات التى حدثنى عنها لمصلحة سيطرتهم على مصالحهم فى القناة، على أن يتم ذلك بعد سفرى، لاستبعاد أى ارتباط ما بين وجودى فى دول أمريكا اللاتينية وما يحدث فى بنما، وكان رده أنهم جاهزون تماماً لاتخاذ كل الخطوات المتفق عليها، وطمأننى بأن الجميع جاهز ومستعد، وهم سعداء بكامل هيئتهم النقابية، وسيخطروننى بإذن الله بعد وصولى للقاهرة بما تم وبالتفصيل الكامل وأملهم فى النجاح كبير . وقد فوجئت بعد صعودى الطائرة، وأنا فى طريقى للقاهرة صباح يوم 7 أغسطس 1959، وأثناء اطلاعى على جريدة هيرالد تريبيون»، ومجلة نيوز ويك الأمريكية ، بمقالين كاملين يتناولان حدوث ثورة منظمة فى إدارة قناة بنما من جانب جميع الأعضاء البنميين وعلى اختلاف صفاتهم، وطبيعة أعمالهم، ونوعيتها، وكلها تهدف إلى الإطاحة بكل من له ارتباط بالسلطات الأمريكية، لإبعاده عن عمله فى إدارة قناة بنما، بعد أن مكنوا القادرين على الإحلال محلهم من أبناء بنما، وانعكاس هذا الموقف على الشعب البنمى، الذى قام بمظاهرات صاخبة على أرض العاصمة بنما، وفى جميع أنحائها، ابتهاجاً بنجاحهم فى السيطرة على إبعاد الأمريكيين، وسيطرتهم على القناة باعتبارها قناة بنمية يملكها مواطنو بنما فقط . اختتم المقالان بأن هذه الإجراءات القانونية والانقلابية فى السلطة جاءت - حسب ما اكتشفته السلطات الأمريكية فى بنما - نتيجة وجود جاسوس مصرى لعبد الناصر مكث عدة أيام، واتصل بجميع الأعضاء البنميين العاملين بقناة بنما، وكذلك نقابات العمال البنميين، وأثارهم ليتخذوا هذه المواقف العدوانية ضد الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أنهم لم يحصلوا على الاسم، ولا الصورة لهذا الجاسوس . وحينما فهمت من كتابة المقالين أن كل ما حدث تم صباح يوم 6 أغسطس، شككت أن يكون وراء هذا التغيير فى المواعيد - لأن من المفترض أن يتم العمل يوم 7 أغسطس حسب الاتفاق - إحساس الاخوة البنميين باكتشاف السلطات الأمريكية لحقيقة التدبير لهذه العملية قبل ميعادها، عن طريق وصول معلومات من أحد عملائها عن طريق خيانة ما من أحد المتصلين من أبناء بنما، الأمر الذى دفع قيادة العملية إلى البدء فوراً فى تنفيذها دون انتظار الموعد المقترح، وعموماً لم أهتم كثيراً وحمدت الله على نجاحهم فيما قاموا به. قبل صعودى للطائرة علمت بأنها ستطير من ريودى جانيرو، لتهبط فى داكار، عاصمة السنغال، ثم فى لشبونة عاصمة البرتغال، ثم فى جنيف بسويسرا، مما جعلنى أتم حجز طائرتى من جنيف إلى القاهرة منذ وجودى فى البرازيل، لأعود للقاهرة على طائرة شركة مصر للطيران، لذلك تم بحمد الله طيران الطائرة وهبطت بالنظام المحدد نفسه، ووصلت إلى جنيف فى موعدها، وهبطت لاستقل طائرة مصر للطيران بمطار جنيف، لأتم رحلة العودة بسلامة الله وتوفيقه ظهر اليوم الثانى أى يوم 8 أغسطس 1959 . ما أن وصلت إلى مطار القاهرة، حتى استقللت سيارتى لأتوجه إلى منزلى، لأستبدل ملابسى، وأتجه مباشرة إلى منزل الرئيس عبد الناصر بعد الاستئذان فى مقابلته تليفونياً . تم الاجتماع بالرئيس عبد الناصر فى الساعة الواحدة ظهراً يوم 8 أغسطس 1959 بمنزله، لأسعد بترحيبه بى، واطمئنانه على سلامة عودتى، خاصة بعد ما كان قد اطلع على هيرالد تريبيون و النيوز ويك وقرأ خبر جاسوس عبد الناصر، وألاعيبه فى بنما، وجاءت ابتسامته العريضة وسؤاله ماذا تم ؟ وكيف عرفوا انك اللى عملت العملية ؟ وطلب منى الرئيس أن أعطيه الصورة إجمالية عن الأحداث المهمة فى كل الرحلة باختصار، واستفسر عن متى سأنتهى من عمل التقرير ويكون جاهزاً، فأجبته فى بحر يومين، وسأحضره مباشرة . أتممت كتابة التقرير الكامل للمهمة فى بحر يومين، ومما سهل على أن كل بلد كان تقريرها منفصلاً ومكتملاً تماماً، ولذلك جاء التقرير مسلسلاً بصورة مطابقة للواقع، ومؤكدة لمختلف أحداث المهمة بصورة متكاملة بالتسلسل نفسه الذى ورد فى هذا الكتاب . اتصلت بالسيد الرئيس، واستأذنته فى اللقاء ثانى يوم الموافق 12 أغسطس 1959، فأخبرنى بأنه منتظر التقرير منى الآن، لأقوم بتسليمه لسكرتيره الخاص، ليرسله إليه، نظراً لانشغاله طوال أيام 12 و 13 و 14 أغسطس فى اجتماعات متتالية. فى يوم 15 أغسطس طلب الرئيس جمال عبد الناصر لقائى به يوم 16 أغسطس الساعة الحادية عشرة صباحاً بمنزله، وفى الموعد توجهت إليه ليقابلنى بابتسامته المعروفة، والتى طالما أسعدتنى قائلاً إيه اللى عملته ده كله، أنا موافق على كل اللى عملته، وأبدى الرئيس جمال عبد الناصر استعداده لاستقبال هذا الوفد وتأييده فى كل مطالبه التى أوردتها بتقريرك، لما تعنيه من قيم أخلاقية وارتباط عضوى لمعنى الإخوة، والحرص على عدم التراخى والتهرب من المواقف القومية الصادقة الواقعية، كما أن الموعد الذى حددوه مناسب جداً لنا، وأعتقد أنه سيساعدنا على اتخاذ قرارات عاجلة ومدروسة دراسة كافية، تحقق الأهداف بكل ما نتمناه . أما بخصوص موضوع التبادل التجارى، فسأكلف من الآن الدكتور القيسونى، ووزير التجارة، لدراسة كل ما أثاره الوفد السورى اللبنانى بـ البرازيل من مقترحات للتبادل التجارى، لنكون مستعدين للالتزام بالتنفيذ الفورى لما هو مطلوب، داعين الله أن يوفقنا جميعاً لما فيه الخير والفلاح والصلاح لأمتنا العربية. ما أن بدأ شهر أكتوبر 1959 حتى تلقيت رسالة عاجلة من سفارة الجمهورية العربية المتحدة بالبرازيل، ليخطرنى فيها السفير جمال الفرا باتصال الأخوة أعضاء الوفد البرازيلى لعرب المهجر به، ليؤكدوا التزامهم بالبدء فى تجهيز أنفسهم للسفر إلى القاهرة، ليصلوا فى موعد غايته 7 أكتوبر 1959، على أن يبرقوا لنا بموعد وصولهم قبل مغادرتهم ريودى جانيرو بيومين على الأكثر . وبعد أن أخطرت السيد الرئيس جمال عبد الناصر بتطور الموقف كما سبق وذكرت، اتخذ عدة قرارات بشأن التحضير الكامل لتفاصيل الاجتماعات المنتظرة بالاتفاق مع الدكتور القيسونى، ليتم كل ذلك بعد اللقاء الأول للوفد بالرئيس جمال عبد الناصر، الذى سيتم بحديقة أنطونيادس بالاسكندرية، وتركزت كل القرارات فى الاختيار الكامل لأعضاء الوفد المصرى، مع التركيز على النوعيات التى لديها القدرة على استيعاب نوعيات وأصناف السلع البرازيلية، المتعامل بها بين كل من مصر والبرازيل، واختيار بعض المختصين من القوات المسلحة، لتغطية كل ما يتعلق بالاستشارة الكاملة باحتياجات القوات المسلحة من السلاح، والذخيرة والمعدات الجارى تصنيعها - حينذاك - بالبرازيل، بالإضافة إلى عدم انتهاج أسلوب التجارة المغالى فى شروطها، حتى لا يتصور الوفد العربى البرازيلى أى فهم خاطئ لحقيقة نيات وأهداف الاتساع فى مجالات التبادل التجارى المزمع القيام بها بين البلدين. باشرت اتخاذ جميع إجراءات استقبال الوفد صباح يوم 7 أكتوبر، واتصلت تليفونياً بوزير التجارة، لنكون فى استقبال الوفد باستراحة كبار الزوار بمطار القاهرة فى التاسعة والنصف من صباح اليوم نفسه، وفى العاشرة والنصف صباحاً تحركنا لنستقبل الوفد وهم السيد حميد الأتاسى - رئيس الجالية السورية بـ ساو باولو ، السيد عبد الرحيم كرامى - رئيس الجالية اللبنانية بـ ساو باولو، السيد مطاع العسلى - رئيس الجالية السورية بالعاصمة ريودى جانيرو، السيد بسام سالم - رئيس الجالية اللبنانية بالعاصمة ريودى جانيرو ،السيد صبرى عمران - من قادة الجالية السورية ريودى جانيرو، السيد جميل مراد - من قادة الجالية اللبنانية ساو باولو، السيد كميل تكلا - من قادة الجالية اللبنانية ريو دى جانيرو . وتم الاستقبال، وتوجهنا بهم إلى الفندق، ليستقبلهم مدير الفندق بالترحاب الواجب بصورة طيبة، واستأذنتهم أنا والأخ وزير التجارة فى تركهم للاستراحة، والعودة إليهم فى الساعة الثامنة مساءً. فى الثامنة صباح يوم 8 أكتوبر 1959تحركنا وبالسيارات نفسها المعدة لتنقلات الوفد وأسرهم، لاصطحابهم للقاء الرئيس جمال عبد الناصر بقصر انطونيادس بالأسكندرية، ووصلنا فى الحادية عشرة صباحاً وتمت استضافتهم فى قصر انطونيادس المتوافر به جميع التزامات الضيافة الكاملة، وقد وزعوا هم وأسرهم على غرف القصر المعدة لذلك بالأسكندرية. وفى السابعة مساءً اصطحبت وفد عرب المهجر للقاء الرئيس جمال عبد الناصر فى حديقة انطونيادس، حيث استقبلهم هو وكل السادة المدعوين من مجلس الثورة والمسئولين من ضباط القوات المسلحة. انتقل الرئيس عبد الناصر فى حديثه إلى تناول موضوع التبادل التجارى بين الجمهورية العربية المتحدة والبرازيل، وناقش جميع التفاصيل الخاصة بعملية التصدير والاستيراد القائم حالياً وتطويره إلى الأفضل والأحسن، وزيادة معدل التبادل التجارى، ليشمل الأصناف التى جدت صناعتها وزاد إنتاجها، ومصر فى احتياج إلى الاستفادة بهذا الإنتاج الجديد، وبالذات كل ما يتعلق بالناحية العسكرية اللازمة لدعم كل مجالات التحرير العربى على ساحة الوطن العربى، وخاصة فى المناطق التى ما زالت ترزح تحت نيران الاستعمار والاستبداد والقهر، مثل أرض فلسطين المستعمرة بمعرفة الصهيونية الدولية، فيما هو معروف حالياً باسم إسرائيل، التى لا تكف عن العدوان المستمر، واغتيال أبناء الشعب الفلسطينى بلا مبرر، بمعاونة السلطات الأمريكية وأتباعها من الدول الغربية. وقد لاقى حديث الرئيس بهذا الشكل اهتماماً كاملاً من الوفد العربى البرازيلى، واندفاعاً من جانبهم لتأييد دعمهم كأصحاب مصلحة مباشرة فى معاونة ثورة 23 يوليو فى ضرب الاستعمار الصهيونى .وهنا نهض الوفد العربى البرازيلى، ليقفوا فى صف واحد أمام الرئيس جمال عبد الناصر - وسط دهشتى ودهشته - ماذا يريدون أن يفعلوا؟ وتقدم الأخ حميد الأتاسى بشيك للرئيس جمال عبد الناصر بمبلغ ثلاثة ملايين وخمسمائة ألف دولار، دعماً من الجاليتين السورية واللبنانية بالبرازيل لما تقدمه مصر من جهاد ونضال تحررى كامل، لتحرير الشعب العربى من براثن الظلم والاستغلال والاستعباد، ومن كل الجبابرة ممن تولوا الحكم من أبناء الأمة العربية، أو نفذوا تعليمات الاستعمار الغربى، لاستغلال كل خيرات الأمة العربية لمصلحة المستعمر الأجنبى، على حساب ما يعنيه أبناء الأمة العربية، من قصور فى حياتهم، وشعورهم بآدميتهم الصادقة وإيمانهم العميق بأمتهم العربية . وقد تسلم الرئيس جمال الشيك، مُعبراً عن شكره وتقديره لما لمسه من جانب الوفد العربى البرازيلى من إيمان وصدق وتضحية، فى سبيل دعم نضال الأمة العربية، لتتحرر تحرراً كاملاً ويمارس أبناؤها على اختلاف مستوياتهم الحياة الحرة الكريمة بلا تطلع لأهداف شخصية على حساب من عانوا طوال حياتهم، حتى يوم لقائنا هذا بالعديد من العيش الكريم فى إطار من الإحساس بآدمية حياته التى لا ينقص أرضها أى خير أو منفعة بعيداً عن متناوله، والله يوفقنا جميعاً فى أن يكلل مسعانا جميعاً كمتطوعين فى خدمة وطننا بالنجاح والفلاح والخير الكبير لمصلحة أمتنا العربية . وانطلق الرئيس جمال عبد الناصر فوراً ليبلغ الإخوة أعضاء الوفد العربى البرازيلى بأنه يسعده أن يكلفنى بإخطار الدكتور عبد المنعم القيسونى - وزير الاقتصاد المصرى - بدء اجتماع الوفد العربى البرازيلى بالوفد المصرى، الذى تم اختياره لدراسة مشروع الاتفاق الذى تم إعداده وبحث تفاصيله بمعرفتكم، مع الأخ فتحى الديب خلال وجوده معكم سابقاً فى البرازيل، مع الاستعداد شخصياً للاتفاق الكامل بما يتماشى مع مصلحة الشعب البرازيلى بكل فئاته، وبما يخدم التبادل التجارى لمصلحته ومصلحة الجمهورية العربية المتحدة، حتى يتم التوقيع على الاتفاق المقترح. بعد إقراركم لكل ما شمله من تفاصيل تتماشى ومصالحكم فى البداية.وأشكركم شكراً جزيلاً، وسوف أسعد بلقائكم مرة ثانية بعد توقيع الاتفاقية التى ستقرونها، لألتقى بكم وأهنئكم بإتمام هذا الجهد الممتاز، وأحييكم بما قدمتموه من جهود جليلة فى هذا المجال . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . ما أن أتم الرئيس كلمته حتى اصطحب معه الإخوة الضيوف وأسرهم إلى المكان المعد لتقديم العشاء الكامل لجميع أعضاء الوفد وأسرهم، والأخوة أعضاء الوفد المدعو لمشاركة الرئيس فى تكريم وفد عرب المهجر بالبرازيل، الذى استغرق نحو الساعتين. وباشر الوفدان المصرى، والعربى البرازيلى فى ثلاثة أيام متتالية اجتماعات طويلة خلال أيام 8 و 9 و 10 أكتوبر 1959، وتم توقيع الاتفاق بين الوفدين برئاسة الدكتور عبد المنعم القيسونى، ثم رفع القيسونى صورة للاتفاق المقر، والموقع عليه للرئيس جمال عبد الناصر، للاطلاع عليها، الذى أمر بتحديد موعد للقاء الوفد العربى البرازيلى فى الساعة الحادية عشرة من يوم 12 أكتوبر 1959، ليودعهم ويشكرهم على نجاح توقيع اتفاق بين البلدين فى إطار المصالح الشخصية لجالية عرب المهجر بالبرازيل . وصلنا من وفد عرب مهجر الأرجنتينى طبقاً للاتفاق السابق معهم خلال وجودى بالأرجنتين، ليخطرونا باعتزامهم السفر للقاء الرئيس جمال عبد الناصر بالقاهرة يوم 27 يوليو 1960، ووصلنا فى الوقت نفسه برقية عن طريق سفير الجمهورية العربية المتحدة بـ بيونس أيرس، ليخطرنا باتصال رئيس وفد عرب المهجر الأرجنتينى السيد أميل سعدون باتخاذهم جميع الإجراءات ليصلوا للقاهرة يوم 26 يوليو 1960، وفور وصول البرقيات تم اتخاذ إجراءات الاستعداد الرسمى، طبقاً للإجراءات التى تم اتخاذها وتنفيذها فى استقبال وفد عرب المهجر البرازيلى . وصل وفد عرب المهجر الأرجنتينى يوم 26 يوليو 1960، وتم استقباله بمعرفتى، وبصحبة وزير التجارة بمطار القاهرة، وتمت استضافتهم بفندق كونتننتال وصاحبهم جميع المسئولين عن الضيافة حتى الفندق، ليتم تناولهم العشاء بمطعم الفندق نفسه، وفى صباح يوم 27 يوليو 1960 صحبت وفد عرب المهجر الأرجنتينى، ومعى وزير التجارة المصرى لنصل إلى قصر القبة، للقاء الرئيس جمال عبد الناصر فى الساعة العاشرة صباح يوم 27 يوليو 1960، وما أن وصلنا إلى قصر القبة وصعدت إلى صالون القصر حتى فوجئنا بدخول الرئيس جمال عبد الناصر، لاستقبال الوفد بكل ترحاب واهتمام. وما أن جلسوا حول الرئيس فى الصالون حتى بادرهم - بكل ما يعنيه الحب والتقدير لهم، ولإخوانهم أبناء عرب المهجر، من شوق واهتمام كبير- بالاطمئنان على حياتهم ومعيشتهم، ورغبة الرئيس عبد الناصر المستمرة فى أن يطمئن على كريم ما يلاقونه من حياة واهتمام من كل أبناء الشعب الذى فتح قلبه لاستقبالهم كمهاجرين إلى بلدهم الجديد، وكلهم ثقة وإيمان واطمئنان على حياتهم، وحياة أسرهم، وطيب معيشتهم، وسط شعب مخلص أمين كريم . وفى الساعة الثانية عشرة مساءً اُختتمت السهرة الموسيقية والغنائية ليصطحب السيد وزير التجارة أعضاء الوفد وأسرهم إلى فندق الضيافة، متفقاً معهم على لقائهم صباح الغد فى العاشرة صباحاً، ليصطحبهم إلى وزارة الاقتصاد والتجارة للقاء الدكتور القيسونى، لمباشرة اجتماعات الوفدين وفد عرب مهجر الأرجنتين، ووفد الجمهورية العربية المتحدة بالقاهرة، لتبادل الآراء، والاتفاق على تطوير العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين ج.ع.م، والأرجنتين . وقد استغرقت هذه المفاوضات الأخوية ثلاثة أيام، لتشمل جميع صور وتفاصيل ما تحتاجه العلاقات الاقتصادية، والتجارية بين البلدين، لمضاعفة واتساع قدرات التعامل ما بين البلدين إلى النحو المطلوب لمصلحة الشعبين الأخوين. وتم اللقاء وودعهم الرئيس جمال عبد الناصر بكل صور التكريم والشكر والتقدير، آملاً وواعداً بتوافر اللحظة المناسبة ليزورهم على أرض الأرجنتين بحمد الله وتوفيقه.