كانت سوريا في فترة ما قبل الخمسينيات تنعم بمياه وفيرة رغم انها لا تعتبر من البلدان الغنية بالمياه، وكانت المياه اللازمة لمشاريع الشرب والصناعة والزراعة للقطاعين العام والخاص تنفذ بسهولة بمجرد توفر الاموال اللازمة، اذ لم تكن هناك اشكالات تتعلق بشح المصادر المائية. وفي بداية الخمسينيات ولدى التوسع في الزراعات المرورية وبعد شيوع زراعة القطن في سوريا، وانتشار استعمال معدات الحفر الحديثة والمضخات، ازداد استهلاك المياه الجوفية والسطحية بصورة متميزة لاسيما في المناطق الداخلية، وقد نتج عن حفر آلاف الابار في حوض السلمية الجوفي والاستهلاك الجائر لمياه ذلك الحوض في حينه إلى نصوبه تماما في عدة سنوات، كما نضبت كذلك احواض جيرود والناصرية القلمون، وفي فترة الستينيات وما بعدها بدأ التزايد الكبير في عدد السكان نتيجة تقدم الوعي والخدمات الصحية في القطر وبمعدل نمو كبير وصل في ذروته إلى 3.3% حيث قفز عدد السكان من 4.5 ملايين نسمة في عام 1960 إلى اكثر من 16 مليونا في عام 2000، وهكذا كان استهلاك المياه للاستعمالات المنزلية والصناعية والزراعية منذ بداية الستينيات يزداد بشكل كبير عاما بعد عام مع زيادة السكان. ولو استعرضنا وضع الاحواض المائية الداخلية في القطر الواقعة على شريط المدن الكبرى: (حلب، ادلب حماه، حمص، دمشق، درعا، السويداء، القنيطرة)، للاحظنا انه منذ حوالي 15 عاما ومنسوب المياه الجوفية ينخفض في تلك الاحواض باستمرار نتيجة التوسع في حفر الابار، وقد جف الكثير من ابار هذا الشريط في السنوات الاخيرة، اما مياه الانهار الداخلية لشريط المدن المذكورة فقد سبقت المياه الجوفية شحا، حتى اصبح منظر النهر في أيامنا هذه وهو فارغ أو مملوءا بقليل من المياه الضحلة منظرا مألوفا. وحيال هذا الوضع بدأ بعض الفلاحين بتعميق آبارهم وتركيب محركات ومضخات اكبر، آملين التغلب على هذه المشكلة، مما زاد في تكاليف تأسيس المشروع الزراعي ونفقات المحروقات، ولم تكن محاولاتهم في اغلب الاحيان تكلل بالنجاح، اذ لا تلبث المياه ان تنخفض من جديد بعد عدة سنوات، اما الفلاحون الاخرون ممن لا تتوفر لديهم تكاليف تعميق البئر فقد اخذوا ينتظرون ان تجود عليهم السماء بالمياه عاما بعد عام ليرتفع منسوب المياه في ابارهم ويتمكنوا من زراعة ارضهم من جديد، وهم على يقين ان المياه لن تعود كما كانت عليه في الماضي. ان اكثر المناطق تأثرا بنقص المياه السطحية والجوفية في سوريا هي مناطق الشريط الداخلي الذي يمتد من شمال سوريا إلى جنوبها ويشمل محافظات: «حلب، ادلب، حماه، حمص، دمشق، درعا، السويداء، القنيطرة»، ويشكل سكان هذه المحافظات حوالي 75% من سكان القطر، ووفقا للملاحظات الواقعية فانه يمكن اعتبار عام 1985 هو عام التوازن المائي في ذلك الشريط، حيث ان المياه السطحية والجوفية بدأت تتأثر بشكل ملحوظ بعد ذلك التاريخ، ومنه فان الزيادة في عدد السكان بعد هذا العام تمثل في الواقع نقصا في كميات المياه التي يحتاجها السكان لسد حاجاتهم من الاستهلاكات المنزلية والصناعية والتوسع في زراعة ارضهم دون احداث استنزاف للمياه الجوفية. العجز المائي تقدر كميات موارد المياه السطحية والجوفية في الاحواض المغذية للشريط الداخلي وهي احواض: حلب، العاصي، دمشق، اليرموك، بـ 4663 مليون م3 في السنة، اما عدد السكان لهذا الشريط فقط كان 7.5 ملايين نسمة في عام 1985 حيث كانت كميات المياه المذكورة كافية بشكل عام، وبموجب الاحصائيات الاخيرة يقدر عدد السكان في وقتنا الحالي في منتصف عام 2001 بـ 12.4 مليون نسمة، أي بزيادة وقدرها 4.9 ملايين نسمة، وبحساب بسيط فان هذه الزيادة السكانية تحتاج إلى 3046 مليون م3 من المياه في السنة. اما اذا اردنا ان نصمم مشروعا لارواء الشريط الداخلي، يأخذ بالاعتبار الحاجة من المياه في عام 2025، فان عدد السكان المتوقع في ذلك العام يصبح 19.84 مليون نسمة، محسوبا على اساس نمو سكاني متوقع لما بعد عام الـ 2000 قدره 2% «نمو سوريا في الثمانينيات 3.3%» اي ان الزيادة الصافية المتوقعة في عدد السكان عما كان عليه العدد في عام 1985 هي 12.34 مليون نسمة، وبنتيجة الحساب «كما في السابق» فان الكمية اللازمة من المياه لهذه الزيادة السكانية هي 7672 مليون م3 في السنة، ولاخذ فكرة عن هذا الرقم نوضح ان تركيا تعهدت في عام 1987 اثناء ملء خزان سد أتاتورك بتمرير 500م3/ثا إلى الحدود السورية تبلغ حصة سوريا منها حوالي 6630 م3 في السنة والباقي للعراق الشقيق «ولحين التوصل إلى اتفاق نهائي بين البلدان الثلاثة المعنية: سوريا، العراق، تركيا»، اي ان الرقم المحسوب هو اكبر من الحصة الدنيا التي تعهدت بتمريرها في عام 1987 بما يزيد على 1000 مليون م3 في السنة. ترشيد الاستهلاك واجراءات التقنين حيال الواقع المشار اليه فانه لا غنى عن متابعة اجراءات التقنين وترشيد المياه علما انها لا تشكل بديلا عن تزويد المناطق المذكورة بالمياه لسد الاحتياجات وفي مقدمتها مياه الشرب وتنشيط الحياة الاقتصادية وامتصاص فائض اليد العاملة، ويمكن استعراض هذه الاجراءات فيما يلي: الاستهلاكات المنزلية تقوم مؤسسات المياه بمكافحة تسرب المياه من الشبكات بواسطة اجهزة كشف التسرب الالكترونية الحديثة، ويتم اصلاح الاعطال وكسور الانابيب فور اكتشافها، يعتبر نظام الشرائح التصاعدية لاثمان مياه الشرب اجراءا عمليا يخفف كثيرا من الهدر في قطاع الاستهلاكات المنزلية. الصناعة يمكن في هذا القطاع تحقيق التوفير عن طريق التوجه «ما امكن» نحو استخدام طرق صناعية تحقق وفرا في استهلاك المياه، ولا نرى داعيا للخوض في التفاصيل حيث انها معروفة لدى الاختصاصيين. في قطاع الزراعة ان نسبة استهلاك المياه في سوريا في قطاع الزراعة تزيد على 90%، والباقي يذهب للاستهلاك المنزلي والصناعي، ومن المعلوم ان الري الزائد يحدث بشكل عام ضررا للمزروعات، كما يتسبب في تملح بعض الاراضي حين عودة الماء في اعماق التربة المالحة وترسيب الاملاح على سطحها لدى التبخر، ويعتبر التحكم في كميات مياه الري من الامور الهامة في عالم الزراعة وذات اثر كبير في مردود وحدة المساحة، ورغم ان قسما كبيرا من فلاحينا لديهم خبرة جيدة في استعمال مياه الري الا ان العلوم والتجارب العالمية والمحلية تقدمت كثيرا في تحديد متطلبات المياه لكل نوع من انواع المزروعات وفقا لنوعية التربة والمعطيات المناخية الاخرى، لذا فان اعتماد مزارعينا وفلاحينا على الارشاد الزراعي في هذا المجال يحقق دون شك زيادة في انتاج وحدة المساحة وتخفيض نفقات الري، ولا يتأتى ذلك بشكل عملي الا بتركيب عدادات على مضخات المياه الزراعية حتى يعلم المزارع والفلاح كميات المياه المضخوخة بدقة ويعطي مزروعاته الكمية التي تناسبها. اما بالنسبة لنقل مياه الري بالانابيب واستخدام طرق الري بالتنقيط، الرذاذ لبعض الزراعات، فهي طرق جديدة لتخفيف الهدر تصل نسبة التوفير فيها إلى 50% احيانا، وقد اكد المجلس الزراعي الاعلى منذ فترة على اتخاذ كافة التدابير والاجراءات التي تؤدي إلى التحول من طرق الري القديمة إلى طرق الري الحديثة خلال عام، بهدف الحفاظ على الثروة المائية من الهدر والاستنزاف، ويعتبر هذا القرار خطوة فعالة عن طريق مكافحة الهدر، علما ان الرئيس بشار الاسد كان قد وجه حول ضرورة مكافحة الهدر في نطاق القسم التاريخي أمام مجلس الشعب، حيث قال: علينا ان نكافح الهدر والفساد. تعاني المحافظات السورية: حلب، ادلب، حماه، حمص، دمشق، درعا السويداء، القنيطرة، من عجز مائي منذ عام 1985 يقدر حاليا بـ 3046 مليون م3 في السنة، و7672 مليون م3 في السنة مستقبلا في عام 2025 وهي الاحتياجات اللازمة للنمو السكاني المتزايد فيما يتعلق بالاستهلاكات المنزلية والصناعية والتوسع الزراعي. وتقتضي الضرورة من اجل اجراءات التقنين: التوجه ما امكن في قطاع الصناعة نحو الطرق التي لا تستهلك كميات كبيرة من المياه، وفي قطاع الزراعة تشجيع منح القروض لمعدات الري بالتنقيط والرش، للمزروعات التي نجح فيها استعمال هذه الطرق، وتركيب عدادات مياه الابار المرخصة وغير المرخصة لتوجيه المزارعين والفلاحين في مناطق الشريط الداخلي إلى كمية المياه اللازمة بطريقة الارشاد الزراعي.