تحولت مشاهد الأطفال المشردين في الشارع الى صداع عنيف في رأس القاهرة مدينة الألف مئذنة والعاصمة التي لا تنام. وأضافت ظاهرة مئات الآلاف من الأطفال الهائمين على وجوههم وجعاً جديداً الى أوجاع قاهرة المعز، التي تختنق يومياً من التكدس المروري، والتلوث بفعل الأنشطة العشوائية للباعة الجائلين، وغيرهم. ورغم تسارع خطوات تجميل القاهرة واستعادة ألق وجهها الحضاري، إلا أن جيوش العاطلين والمتشردين تعتبر بقعة سوداء في ثوب العاصمة الأبيض. وأصبح ضمن المشاهد المألوفة ان ترى مجموعات الأطفال المتشردين يتسكعون في شوارع القاهرة، لا فرق بين الأحياء الشعبية مثل بولاق الدكرور وروض الفرج أو تلك الراقية في مصر الجديدة وجاردن سيتي والزمالك والمهندسين. وتتنوع وسائل أطفال الشوارع في البحث عن لقمة العيش من الوقوف في اشارات المرور للتسول أو بيع المناديل الورقية، وتنظيف واجهات السيارات، مقابل قروش قليلة، إلى التكدس أمام الفنادق والمنشآت والمطاعم السياحية للتسول، وربما يخرج الأمر الى دائرة المحظورات حيث تجد مافيا السرقات الصغيرة في أطفال الشوارع ضالتها وتحولهم الى نشالين صغار، مقابل توفير الحماية والمأوى لهم، وإغراقهم في دائرة إدمان المخدرات! ويستخدم أطفال الشوارع «لغة» خاصة بهم و«قانونا» غامض الملامح لا يخلو من المآسي. وعلى سبيل المثال، تعتبر كلمة «سنتكة» في قاموسهم مرادفة للتسول، وكلمة «يعرق» تعني تعاطي الحبوب المخدرة، في حين تشير «يقلب» الى سرقة احدهم وهو نائم، بينما تفسر كلمة «مترجم» بأنها تعني التحدث بطلاقة مع الغير. وتتكفل جمعية «قرية الامل» بعدد من هؤلاء الاطفال في مراكز الاستقبال التابعة لها والبالغ عددها عشرة في العاصمة المصرية. وفي حين تفيد احصائيات اعتبرها عدد من الاكاديميين «عشوائية وغير دقيقة» بأن عدد اطفال الشوارع في مصر يفوق المليون ونصف المليون، تشير ارقام اخرى الى ان عددهم لا يتجاوز 90 الف طفل. واوضح ان صفة اطفال الشوارع تنطبق على من يمضون اوقاتهم ليلا ونهارا في الطرقات دون مأوى وهؤلاء لا يتجاوز عددهم 90 الف طفل، اما الاخرون الذين يمضون نهارهم في التسكع ويعودون الى اسرهم ليلا فهم اكثر من نصف مليون، وذلك فضلا عن حوالى اكثر من مليون طفل يعملون في مختلف المهن. ومن جهته، قال محمد عويرس من المعهد العالي للخدمة الاجتماعية، وهي مؤسسة خاصة خاضعة لاشراف الحكومة، لفرانس برس ان «الدائم والمؤقت ينطبقان على اطفال الشوارع»، موضحا ان الاحصائيات غير محددة وهي غالبا ما تكون «اجتهادات شخصية خاصة بمنطقة جغرافية معينة». وتابع ان تفاقم ظاهرة اطفال الشوارع يعود الى «تفكك الاسرة والمعاملة القاسية للطفل» موضحا ان «التفكك الاسري قد لا يكون سببا كافيا ليهجر الطفل بيته لو لم يترافق ذلك مع المعاملة السيئة». واضاف ان «المدارس ايضا باتت مراكز طرد للاطفال، خصوصا وان بعضها يتقاضى منهم اموالا رغم مجانية التعليم حسب نصوص الدستور المصري». وقال ان الفئات العمرية الاكثر تأثرا ومعاناة بين اطفال الشوارع تتراوح بين سن العاشرة والخامسة عشرة، وهم في «غالبيتهم العظمى من الذكور لان الاناث لا يشكلن اكثر من 8% من المجموع». واضاف الخبير ان اسباب الظاهرة تكمن في الهجرة من الريف الى المدينة وانتشار المناطق العشوائية وارتفاع معدلات الهرب من المدارس والزيادة السكانية والاتكال على الاطفال لتولي بعض الاعباء العائلية اضافة الى اسباب عائلية كاليتم والاقامة مع الغير وغياب الأب. واضاف ان البنك الدولي سيمول مشروعا بقيمة خمسة ملايين دولار تنفذه جمعيات مختصة باشراف وزارة التأمينات والشئون الاجتماعية دون تدخل مباشر منها، الا ان المشروع الخاص بتقديم مساعدات للاطفال المعرضين للانحراف والمعوقين ما زال في بداياته خصوصا وانه اقر قبل شهرين فقط. أ.ف.ب
