تحدى ضياء الدين داوود الأمين العام للحزب العربي الناصري الحكومة ان تسقطه في دائرته إذا جرت انتخابات برلمانية نزيهة، نافياً أن تكون الانتخابات الأخيرة والتي جرت للمرة الأولى في تاريخ الانتخابات المصرية تحت إشراف القضاء قد تمت بحياد ونزاهة. وفي حواره مع «البيان» تذرع ضياء الدين داوود بنقص التمويل الذي حال دون عقد المؤتمر العام للحزب مشيراً الى انه يتم جمع التبرعات لانتشال صحيفة «العربي» من أزمتها المالية المزمنة ولعقد المؤتمر في نهاية العام الحالي. ورأى داوود الذي يقود الحزب من إشهاره إنه لا يملك التخلي عن موقعه بعد فشله في انتخابات مجلس الشعب الأخيرة، كونه تولاه بالانتخاب. وقدم داوود نقداً لاذعاً للحكومات العربية التي تعيش منفصلة عن الشارع العربي، وحسب تعبيره «الحكام في واد والشعوب في واد آخر». وقلل من قيمة السلطة الفلسطينية وزاد بأنه لا يوجد شيء اسمه السلطة فإذا أرادت اسرائيل اخراج ياسر عرفات من غزة وأريحا لأخرجته فوراً. وحدد البديل للمفاوضات الحالية بأن يتحول الشعب العربي إلى شعب فصائل الا انه امتنع عن الدعوة لاعلان الحرب على اسرائيل. وتحت ضغط المأزق الراهن لكل الأحزاب المصرية اعتبر داوود الذي يقود حزباً لا تتوقف أزماته بشكل يشل فاعليته ان الحياة السياسية في ظل ثورة 23 يوليو وتحت مظلة التنظيم السياسي الواحد، الاتحاد الاشتراكي العربي ـ كانت أفضل كثيراً من نظام التعددية الحالية، نظراً لكثرة القيود الحكومية، وحصار الأحزاب داخل مقارها. ضياء الدين داوود الأمين العام للحزب الناصري، يقف وخلفه تاريخ عريض وثري من النضال الوطني، حيث قذف به العمل السياسي من مسقط رأسه دمياط في الستينيات، حيث كان محامياً بالأرياف إلى القاهرة، ليصعد الى قمة الهرم السياسي عضواً في اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي ووزيراً في أواخر أيام الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، وعندما وقعت ما يسميه الناصريون بالثورة المضادة دخل داوود السجن مع قيادات عبدالناصر الذين سماهم السادات بمراكز القوى، والآن يحاول داوود أن يصل بحزبه الى بر الأمان وسط أجواء حزبية مريضة، وإلى الحوار: سألناه في البداية: ـ هل يقتصر دور المعارضة المصرية على مجرد شجب الممارسات الاسرائيلية، وتأييد الحق الفلسطيني؟ ـ في المؤتمر الذي عقدته أحزاب المعارضة المصرية مؤخرا، ويقدمون الشهداء بفتح حساب لجمع التبرعات، لدعم المقاومة الفلسطينية.. وأنا أرى أن هذا غير كاف، لأن الشعوب العربية، بما فيهم الفلسطينيون في واد، والحكام في واد آخر، ففي الوقت الذي يناضل فيه الفلسطينيون عن طريق الانتفاضة، ويقوم شهداء، يوميا ما زالت لهجة الحكام العرب، على ماهي عليه، لا تتغير، وتركز على السلام، ومبدأ الأرض مقابل السلام، والعودة للمفاوضات، وغير ذلك من الاصطلاحات الخاطئة، التي تساوي بين العمل الفدائي المشروع، والعنف الاجرامي الاسرائيلي. ـ وما دور المعارضة المصرية في كل ذلك؟ ـ إن مهمة الأحزاب والقوى الشعبية هي تثوير الجماهير، ورفع حماسها وتفهمها للقضايا المحلية والقومية، والعمل على توصيل صوتها للحكام، ليعرفوا ماتريده الشعوب، ويعملوا على تنفيذه، اتقاء لغضبها اذا ثارت أو تحركت. ـ ولكن هذا لم يحدث حتى الآن، والبعض يردد أن الأحزاب لا تملك أن تجبر الحكام على شئ، فماردك؟ ـ هذا غير صحيح، نحن نملك أن نضغط، ولا يوجد حاكم يستطيع أن يتجاهل القوى الشعبية، ايا كان جبروته، وانما هو يتجاهلها اذا كانت تتجاهل نفسها، والسكوت قد يشجع على استمرار الوضع على ماهو عليه، وقد يفسر على أنه تسليم بالأمر الواقع الموجود. ـ ماذا يملك الرئيس عرفات، حاليا، أن يفعل سوى الاستمرار في المفاوضات؟ ـ أنه يملك مايملكه رجل الشارع الذي ثار ضد العولمة في دافوس وسياتل، وغيرها، وفي المظاهرات التي قامت في جميع بلاد العالم الرأسمالي في أول مايو، عيد العمال، وأفشلت مؤتمرات العولمة. ـ هل تطالب عرفات بإعطاء ضوء أخضر لتصعيد الانتفاضة؟ ـ طبعا.. طبعا.. عرفات لم تكن له مهمة، وليست له شرعية، سوى أنه زعيم المجاهدين، وليس حاكما، ولم يختار على أنه حاكم، ولم يتول المسئولية على انه حاكم، ولم يدعمه العالم العربي والشعب العربي على أنه حاكم. ـ لكن السلطة الفلسطينية، التي يرأسها، جاءت بالانتخابات؟! ـ لا يوجد شئ اسمه السلطة الفلسطينية.. هذه أكذوبة صنعتها اسرائيل وأمريكا من أجل تمرير أهدافهما، والسلطة الفلسطينية، الآن، بلا دولة، ولا مقومات أو كرامة دولة. وهي مجرد مجموعة من الـ «كانتونات» تحيط بها اسرائيل من كل جانب، بحيث يمكنها أن تحبس الشعب الفلسطيني في البيوت، ولا تدع أحدا يخرج. ـ بعض الصحف الأجنبية نشرت، أن أجهزة التجسس الأمريكية التقطت مكالمة لعرفات، وهو يأمر الفصائل التابعة لمنظمة فتح بتصعيد الانتفاضة.. أي انه لايزال يقوم بدوره كزعيم للمجاهدين كما ذكرت؟ ـ عرفات هو الذي وقع جميع الاتفاقات التي نراها نحن اتفاقات استسلام، تفرط في القضية الفلسطينية أو تعطى للشعب الصهيوني حقا في التواجد على فلسطين. وهو الذي وقع بيمينه على اتفاقيات تقر أن لليهود حقا في هذه الأرض، وأن لهم حق البقاء، دون تحديد للحق العربي. لدينا سلاح يمكنه قهر اسرائيل ـ ألا ترى أن الهجوم على عرفات بهذا الشكل، يضعف موقفه أمام الاسرائيليين، وحتى أمام الشعب الفلسطيني؟ ـ لو أرادت اسرائيل بجدية أن تخرج عرفات من فلسطين، لفعلت خلال نصف ساعة. ـ كيف؟! ـ نعم يستطيعون أن يخرجوه.. لأنه يخرج بإذن منهم، ويعود بإذن آخر، ولو أنهم لا يريدوه سوف يسمحون له بالخروج، ولا يسمحون بعودته. ـ هذا الكلام يصب في النهاية لمصلحة اسرائيل؟ ـ لا اطلاقا.. فمصلحة اسرائيل لا تتأثر باختفاء كل الذين خانوا القضية العربية. ـ ما البديل إذن؟ ـ البديل ان يتحول الشعب العربي الى شعب مقاتل، كما كان في عام 1948، وأن يقاتل من شارع لشارع، ومن بيت الى بيت، وهذا لا يفرق معه أن تستولى اسرائيل على أراضي السلطة الفلسطينية وأن يبسطوا نفوذهم عليها. ـ هل معنى ذلك انك تطالب الشعب العربي باعلان الحرب على اسرائيل؟ ـ لا.. هذا ليس معناه اعلان الحرب، لكن معناه أن يحرص الشعب العربي على امتلاك قوة تمكنه من ضرب اسرائيل. والعالم العربي يمتلك القوة بالفعل، لكن ليس من أجل اسرائيل، وانما من أجل الترويج للمصانع الأمريكية التي تنتج السلاح. ـ كيف؟! امتلاك السلاح في أكثر دول العالم العربي، جاء من أجل الترويج لمصانع السلاح التي يملكها الرأسماليون اليهود في امريكا، والعرب لا يملكون القدرة على استخدام هذه الأسلحة، والبلاد العربية بها الأسلحة مكدسة ـ حسبما تنشر بعض المجلات الأجنبية المتخصصة ـ لو صح أنها قابلة للاستعمال، ولدى العرب النية لاستخدامها، بإمكانها أن تقضى على اسرائيل، وتخلص العالم العربي منها. ـ هل العرب في حال يسمح لهم باعلان الحرب؟ ـ العرب الآن أحسن مما كانوا عليه وقت قيام ثورة 23 يوليو.. وقتها كانت كل الدول الغربية تحت الاحتلال الفعلي لدول أجنبية ورغم ذلك.. استطاعت الثورة عن طريق (تثوير) الشعوب العربية، وقبل أن يمتلك العرب السلاح الكافي، وعن طريق تجنيد قوى سياسية عالمية للتعاطف مع قضيتنا، أن تقوم بهذا الدور. والآن تخلينا عن كل ذلك، وأصبحنا غير قادرين، حتى على أن نثور ضد سياسات العولمة الأمريكية.. حتى مجرد أن يخرج الشارع في مظاهرات، رغم أن الدول الرأسمالية اجتاحتها المظاهرات المنددة بالهيمنة الأمريكية على العالم، في حين لم نر أية مظاهرات في الدول المقهورة. ـ ماذا عن الجهود المبذولة لاعادة الفلسطينيين والاسرائيليين لمائدة المفاوضات؟ ـ أنا غير موافق اطلاقا على أي نوع من الاتصال أو التفاوض أو المباحثات مع الاسرائيليين، لأنها لن توصلنا لشئ، الا اذا وقعنا صكوك اعتراف بحق اسرائيل الدائم في البقاء، وفي الانتشار والتوسع والسيطرة على المنطقة. واسرائيل لا تهدف لمجرد الاستحواذ على قطعة أرض، وأن تكون دولة ضعيفة، انها تريد أن تكون دولة مسيطرة على منطقة وخيراتها، ومصادر الثروة فيها.. انها تطمع في مياه النيل، واستولت فعلا على مياه الأنهار في سوريا والأردن ولبنان، وتطمع أيضا في بترول المنطقة. والهدف من وجود اسرائيل كان قهر الثورة الصناعية التي كانت قد بدأت في مصر، وباقي الدول العربية، وأيضا قهر كل بوادر الاستقلال الاقتصادي والسياسي، انها موجودة هنا كي تستنزفنا في حروب بطيئة. ـ معنى ذلك أنك ضد وجود اسرائيل أصلا؟ ـ طبعا. ـ وماهي الطريقة، من وجهة نظرك، للقضاء على وجود اسرائيل في المنطقة؟ ـ نفس الطريقة التي اتبعتها اسرائيل للاستيلاء على الأراضي العربية.. فالتاريخ لم يعرف دولة اسمها اسرائيل، انهم مجموعة من يهود العالم تجمعوا، وعقدوا مؤتمرا في «بازل» وقرروا أن تكون لهم دولة، وبدأوا في شراء بعض الأراضي في فلسطين وعلى مدار سنوات طويلة تمكنوا من الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية.. «متر بمتر، وشبر بشبر». إن الخطر الاسرائيلي ليس مرتبطا بحجم كيان موجود، ولكن وجود الكيان الصهيوني نفسه، ولو على شبر واحد من الأرض.. معناه أن يظل خطرهم موجودا. ـ دعني اسألك السؤال مرة أخرى.. ما الذي يمكن أن نفعله حتى نطرد اسرائيل من المنطقة؟ ـ بأن نتبع نفس أسلوبهم، ونرى كيف خلصنا بيت المقدس والمسجد الأقصى من الصليبيين بعد احتلال دام مئة عام. ـ مارأيك في الدور الذي تقوم به الولايات المتحدة في المنطقة؟ ـ الحكام العرب المعنيون بالقضية الفلسطينية يراهنون على أهمية الدور الأمريكي، في انهاء الصراع العربي الاسرائيلي، وهذا رهان خاطئ والدور الأمريكي لن يتغير أيا كان من يحكم أمريكا، ونحن منذ عام 1948، والسياسة الأمريكية تجاه المنطقة، على وتيرة واحدة، مؤيدة ومساندة، دائما، لاسرائيل؟ الاعتماد على أمريكا لن يفيد ـ هل ترى في التحركات العربية الأخيرة، وعلى رأسها، زيارة الرئيس مبارك لروسيا، وزيارة الرئيس بشار لأسبانيا، تحولا في الموقف العربي تجاه أمريكا؟ ـ أتمنى ذلك.. ولكن الطريق الذي يسير فيه الحكام العرب، واعتمادهم على الدور الأمريكي بالدرجة الأولى والأخيرة، لن يؤدي الى شئ، وانما سوف يمكن أمريكا من الاستحواذ على ارادتنا عن طريق السياسات الاقتصادية التي أجبرنا على تطبيقها في العالم العربي، اتباعا للمنهج الأمريكي، وتيسيرا لها حتى تتمكن من احكام قبضتها على الارادة العربية. ـ الا يوجد بديل لهذه الهيمنة؟ ـ نستطيع أن نناضل ضد أمريكا، وسياساتها مثلما فعلت شعوب العالم التي ثارت ضد العولمة. ـ اذا ما انتقلنا لقضايانا الداخلية فقد احتفل حزب التجمع مؤخرا، بمرور 25 عاما على وجود نظام التعددية الحزبية، هل ترى أن هناك تعددية حقيقية في البلاد؟ ـ الى الآن لم يجر تطبيق حقيقي لتعددية حزبية في مصر، ولا في أي دولة عربية، وهذه التعددية عبارة عن أمور مكتوبة على الورق، وليس لها أساس من الواقع. وكل الدول العربية التي اتجهت الى التعددية وضعت فرامل بما يجعل هناك شكل لتعددية، بدون مضمون حقيقي، فهناك حزب واحد يحكم والباقي عساكر في الطابور. السلطة ممنوعة من التداول ـ ماالذي يمنع وجود تعددية حقيقية، تسمح بتداول السلطة؟ ـ الوضع التاريخي هكذا. فالتعددية نشأت في ظل حكم فردي؟ ـ التاريخ يؤكد أن مصر كان بها تعددية حقيقية قبل الثورة، والبعض يقول أن الثورة قضت على هذه التعددية.. فما رأيك؟ ـ الثورات لا يوجد بها تعدديات ديمقراطية، فالقائمون بأي ثورة، يرون أنهم يعبرون عن الشعب، ويتبنون مبادئ يريدها الشعب، ولذلك تلتف حولهم الجماهير، وتظل الثورة مصدر السلطة، وهي التي تحكم. ـ هذا يؤكد ماسبق أن قلته أن ثورة يوليو قتلت التعددية الحزبية التي كانت قائمة قبلها؟ ـ هذا غير صحيح، فأي ثورة في العالم، تحدث تغييرا جذريا في المجتمع، بمعرفة مجموعة ثورية، وتأخذ فترة لتحقيق أهدافها، ولتصنع التحول الاجتماعي الذي قامت من أجله.. ثم تتجه الى الديمقراطية. والثورة في بدايتها لم تكن قادرة على اجراء استفتاء حول قانون الاصلاح الزراعي، مثلا، أو تأميم الشركات، لأن الكثيرين كانوا يتربصون بها.. وحتى الذين اختلفوا مع الثورة، لا يستطيعون أن يذكروا ماقامت به من اصلاحات. ـ بعد أن قامت الثورة بكل هذه الاصلاحات لماذا لم تتجه الى الاصلاح السياسي؟ ـ لأنها لم تلتقط نفسها دقيقة واحدة، فالمؤامرات ضدها لم تتوقف، وقد خضنا ثلاث حروب عقب قيام الثورة، وحتى وفاة عبدالناصر. ـ كان هناك فترة هدوء بين حربي 1956 و1967 وكان من الممكن أن يجري عبدالناصر اصلاحا سياسيا؟ ـ هذا غير صحيح.. فالمؤامرات لم تتوقف ضد الثورة منذ أن قامت، سواء من الداخل أو الخارج. عبدالناصر طرح تعدد الأحزاب ـ هل سبق لك أن ناديت بالديمقراطية عندما كنت في السلطة؟ ـ الدارس لتاريخ الثورة يعرف جيدا أن فكرة التعددية كانت مطروحة باستمرار للحوار، وجمال عبدالناصر، تكلم كثيرا في هذا الموضوع وتكلم، أيضا، عن حزب معارض. ـ كان مجرد كلام؟ ـ لم يكن مجرد كلام.. ولكن حقيقة، فعندما أنشأ التنظيم الطليعي، كان ينشئ نواة لحزب آخر. ـ ولكن كل ذلك كان في اطار الحزب الواحد؟ ـ لم يكن حزبا واحدا، وفكروا زي ماأنتوا عايزين فليكن حزبا واحدا أو اثنين. إن ذلك الوقت بالذات لم يكن يصلح للتعددية الديمقراطية، حتى لو أراد الحكام ذلك، والثورة الفرنسية لم تطبق الديمقراطية، الا بعد مئة سنة، وتسبب ذلك في مذابح رهيبة. ـ البعض يتهم الثورة بعسكرة الحكم في مصر، وانها خلقت نوعا من الخوف داخل المواطن المصري من ممارسة حقوقه الديمقراطية.. فما رأيك؟ ـ ياسيدتي الناس في ظل الثورة «اللي بتخوف دي» كانوا أعلى صوتا، وأكثر تعبيرا، ولم تتوقف المظاهرات في عهد جمال عبدالناصر وحتى آخر لحظة عاشها.. ـ كانت كلها مظاهرات تأييد؟ ـ لا، غير صحيح، كانت مظاهرات ضده، وضد ماجرى في حرب 1967، وضد أحكام الطيران، ومظاهرات تنادي بسقوط زكريا محيي الدين، عندما قرر رفع أسعار الأرز. اننا ننسى التاريخ، واليوم ومنذ عشرين عاما لم تخرج مظاهرة واحدة في الشارع، رغم انه حدث في خلال هذه المدة، مايحرك الجبال. لقد كان عبدالناصر يلجأ الى الشارع في كل المواقف الصعبة.. لجأ الى الازهر أثناء العدوان الثلاثي في 1956، وخرج الناس الى الشارع تأييدا لعبدالناصر، هل من الممكن أن يخرج أحد الى الشارع اليوم تأييدا لأحد، حتى ولو كان الرئيس نفسه؟ الأحزاب ممنوعة من النزول للشارع ـ ماالذي يمنع أن تلتحم القوى الشعبية والحزبية بالشارع؟ ـ الكثير.. قبل أيام كان هناك مؤتمر منعقد في مقر حزب التجمع، لتأييد الحق الفلسطيني وكانت قوات الأمن تحاصر المؤتمر حصارا شديدا، فكيف يمكن لنا أن نخرج، وننزل الى الشارع.. إن كل فرد كان موجودا في المؤتمر، يقابله مئة عسكري وضابط في الخارج، فكيف ننزل الى الشارع إذن؟ لو أردنا أن نفعل ذلك ستحدث معركة دموية، وطبعا لا يوجد أحد على استعداد لهذا، وهناك عشرات العوائق.. لا أحد يستطيع أن يجلس مع الناس في أي مكان عام.. ورغم اننا في عهد ديمقراطية عبدالناصر الفاسدة ـ كما يطلقون عليها ـ كنا نلتحم بالجماهير، ونقيم مؤتمرات في الميادين، وكان الناس يقولون رأيهم في محاضر اجتماعات، وكان جمال عبدالناصر يقرأها بنفسه، ويضع عليها ملاحظاته بخط يده، ويأمر بحل جميع المشاكل. أما الآن لو أردت أن أقيم مؤتمرا أتحدث فيه الى الناس.. يمنعنى الأمن، وحتى لو قررت أن أوزع نشرة أو بيانا في الشارع - غير جريدة الحزب - فإن هذا ممنوع أيضا. العربي في أزمة مالية ـ صحيفة «العربي» الناطقة بلسان الحزب، مهددة بالتوقف عن الصدور، ما الأسباب وراء ذلك؟ ـ «العربي» كغيرها من صحف المعارضة تعاني من مشاكل مالية. ـ البعض يقول أن ضعف التوزيع هو السبب وراء ذلك وآخرون يؤكدون أن انصراف القراء عن «العربي» عناه انحسار شعبية الحزب في الشارع؟. ـ هذا غير صحيح.. والعربي الآن، بعد أن اصبحت أسبوعية، توزع كل الاعداد التي يتم طباعتها، بدون أي مرتجع.. والمشكلة الحقيقية أن الدخل الاساسي لأي صحيفة يأتي من حصيلة الاعلانات، ومعظم مصادر الاعلانات في مصر، في يد جهات حكومية، وهذه الجهات لا تنشر اعلانات لدينا، لأننا نهاجم الحكومة. ـ الصحفيون والعاملون بالجريدة نظموا مسيرة مؤخرا الى المجلس الأعلى للصحافة، للمطالبة بصرف أجورهم المتأخرة منذ أربعة شهور.. ماهو الموقف الآن بالنسبة لهم؟ ـ إننا نبحث الآن عن طرق جديدة للتمويل، ونظمنا حملة لزيادة الاشتراكات في «العربي» وهناك كثيرون تبرعوا من أجل استمرارها في الصدور، وكل المشاكل المالية التي تعاني منها الصحيفة في طريقها للحل. ـ أستاذ ضياء أرجوا أن يتسع صدرك لهذا السؤال. ـ تفضلي. ـ لماذا لم تتخل عن رئاسة الحزب، عقب فشلك في الانتخابات البرلمانية الأخيرة؟ ـ إن هذا شئ يقرره المؤتمر العام للحزب، فقد جئت الى موقعي هذا بانتخابات ديمقراطية وأعضاء الحزب يمكنهم أن يختاروا غيري في المؤتمر العام المقبل. ـ ولكن المؤتمر العام كان مقررا انعقاده العام الماضي، وتم تأجيله؟ ـ تأجيل المؤتمر جاء لأسباب مالية، فإنعقاده يحتاج الى حوالي 100 ألف جنيه، والحزب حاليا لا يمتلك هذا المبلغ. الانتخابات لم تكن نزيهة ـ معنى ذلك أن هذا المؤتمر لن ينعقد؟ ـ من قال ذلك؟ إننا نعد لانعقاده في نهاية العام الحالي، وقد بدأنا في جمع التبرعات لهذا الشأن. ـ دعني أعود لسؤالي الأول.. مارأيك فيما ردده البعض بضرورة تخليك عن رئاسة الحزب بعد فشلك في الانتخابات البرلمانية؟ ـ لا تصدقي أن الانتخابات الأخيرة كانت نزيهة، كما روجت الحكومة، فالقضاء لم يشرف سوى على عملية الاقتراع داخل اللجان فقط، أما الجداول الانتخابية فكانت في يد وزارة الداخلية، تفعل بها ماتشاء، وقامت قوات الأمن بمحاصرة قرى بأكملها، لتمنع الناخبين من الادلاء بأصواتهم لمرشحي المعارضة. وأنا اتحدى أن أسقط في دائرتي اذا جرت الانتخابات بحيدة ونزاهة. ـ دائما ماتنادون بضرورة تداول السلطة، ورغم ذلك، فلم نر حزبا معارضا واحدا استطاع أن يخوض الانتخابات في كل الدوائر الانتخابية على مستوى الجمهورية. كيف يمكن تداول السلطة اذا لم تحصل المعارضة على أغلبية المقاعد في الانتخابات؟ ـ أحزاب المعارضة خاضت الانتخابات الأخيرة حسب قدرتها المالية، ومعظم هذه الأحزاب تعاني من مشاكل التمويل، وقد شهدت الانتخابات الأخيرة انفاق ملايين الجنيهات من جانب مرشحي الحكومة، ورجال الأعمال، ومعظم المرشحين المعارضين، لم يمتلكوا هذه الملايين لانفاقها في الانتخابات، وحتى من لديه عدة آلاف، لا يغامر بها، لأنه يخشى أن تقف الحكومة ضد نجاحه. وبالاضافة الى ذلك، فأحزاب المعارضة في مصر تعاني من الحصار داخل مقراتها، والحكومة تسيطر على أجهزة الاعلام، سواء الاذاعة أو التلفزيون أو الصحف القومية واسعة الانتشار، وأحزاب المعارضة لا يمكنها عقد مؤتمرات عامة في الشوارع والميادين لنشر أفكارها، واجتذاب أعضاء جدد. الناصريون محبطون في الحزب ـ لقد تحدثت كثيرا عن المشاكل المالية التي يعاني منها حزبكم، لماذا لا تبحثون عن مصادر للتمويل وخاصة، أنكم تؤكدون أن الحزب يتمتع بشعبية جارفة؟ ـ إن مصادر تمويل أي حزب تكون من تبرعات واشتراكات أعضائه، وللأسف الشديد فإن أغلب أعضاء الحزب لديهم حالة من الاحباط، قد تدفعهم الى التوقف عن مساندة الحزب ماليا. ـ ماالسبب وراء هذا الاحباط؟ ـ إن هدف أعضاء أي حزب سياسي في العالم هو الوصول الى الحكم، وكل أعضاء الحزب المحبطين يرون أن كل الأوضاع الحالية لا تبشر بأي خير، وانه لا جدوى من العمل السياسي، طالما ظل الحزب الحاكم جاثما فوق صدورنا، دون أي بارقة أمل في التغيير. القاهرة حاورته ماجدة عبدالبديع