حين قضت محكمة بلجيكية بامكانية إقامة الدعوى القضائية ضد رئيس الوزراء الاسرائيلى ارييل شارون لاح بريق أمل فى أن مجرم الحرب العتيد لن يفلت من العقاب حتى وان كان عقابا معنويا أو سياسيا ينتهى به إلى ما آل اليه من سبقوه من قاتلى العزل والأبرياء ومصاصى دماء الشعوب وعتاة النازية. ومع هذا فهناك نافذة يمكن اذا أحسن استخدامها نقل الملاحقة القضائية لشارون الى ساحة واحد من أوثق حلفائه أى الولايات المتحدة . وتتمثل تلك النافذة فى توجه بدأ يتنامى فى الولايات المتحدة بتزايد اللجوء الى النظام القضائى الأمريكى لنيل الحقوق ومحاسبة مرتكبى الجرائم من مختلف أنحاء العالم، حيث تفسح المحاكم الأمريكية المجال للفصل فى كثير من المنازعات التى يرفعها الأجانب حتى وان كان المدعى عليهم أوالمدعين ليسوا من رعايا الولايات المتحدة وحتى ان لم تكن الوقائع قد جرت على التراب الأمريكى أو أن أطرافها ليسوا أمريكيين. وكان هذا التوجه بدأ فى منتصف الثمانينيات ولكن خطاه تسارعت فى السنوات الأخيرة وتأتى قضايا حقوق الانسان والتعذيب فى صدارته رغم أنه لايقتصر عليها وحدها بل يتعداها الى قضايا أخرى من قبيل التعويضات التجارية وفقا لقواعد مكافحة الاحتكار المعمول بها فى الولايات المتحدة وقضايا الأوراق المالية ومحاكمة الارهابيين الذين اعتقلوا خارج الأراضى الأمريكية. ويمثل هذا التوسع للسلطة القضائية الأمريكية ترجمة دقيقة لمدى ما آل اليه العالم من تداخل وتشابك فى العلاقات والاعتماد المتبادل، ودفعت هذه الظاهرة التى يمكن تسميتها بعولمة القانون الامريكى ببعض خبراء القانون الأمريكيين الى القول بان القضايا التى تنظرها المحاكم الأمريكية فى هذا الاطار تشكل تغيرا جذريا يحول المحاكم الأمريكية إلى مؤسسات تحظى بنفوذ وسيطرة عالمية. وساهمت مدونة التشريعات الأمريكية التى أقرها الكونجرس الأمريكى منذ سنوات إلى جانب المعاهدات الدولية لمكافحة الارهاب منذ سبعينيات القرن الماضى فى تعزيز صلاحيات المحاكم الأمريكية فى نظر دعاوى الارهاب التى جرت وقائعها خارج الأرض الأمريكية بما يرسخ من هذا التوجه. وخير شاهد على هذا لجوء الولايات المتحدة إلى أحكام معاهدة تطلب من الدول الموقعة عليها اما مقاضاة أو تسليم المشتبه فى أنهم أرهابيون لاحضار عدد من المتهمين فى تفجير السفارة الأمريكية فى دار السلام لمحاكتهم على الأرض الأمريكية. ومع أن هذا التوسع لنفوذ المحاكم الأمريكية لايلقى استحسانا مطلقا فى المجتمع القضائى الأمريكي الا أن منتقديه قد لايجدون أذانا صاغية اذا ماتعلق الأمر بقضايا حقوق الانسان. بل ان تلك القضايا غالبا ماتحظى بمساندة ودعم حقوق الانسان ومنها منظمة هيومان رايتس ووتش التى طالبت صراحة بادانة شارون وأيد تلك المحاكمة كذلك مجموعة من كبار المفكرين الأمريكيين المستقلين على رأسهم المفكر المرموق ناعوم تشومسكي. ونظموا حملة من موقعهم على شبكة الانترنت لجمع التوقيعات لاتهام شارون. والمؤكد أن ضحايا شارون اذا ماقرروا اقامة دعوى ضد سفاح صبرا وشاتيلا سيلقون كل التأييد والمساندة من تلك الشخصيات وهذه الدوائر وغيرها بما لهم من تاريخ حافل فى كشف جرائم الحرب ومناهضة التمييز والعنصرية والدفاع عن حقوق الانسان. ا.ش.ا