يستمد هذا الكتاب أهميته من أنه يكشف النقاب عن أسرار جانب لم يتم القاء الضوء عليه من عبقرية جمال عبدالناصر وقدرته على الحركة السياسية الفاعلة على امتداد العالم، حيث نتابع هنا الكيفية التي مدت بها ثورة 23 يوليو الجسور، الى عرب المهجر تفاعلاً معهم وحرصاً عليهم ودعماً لقدراتهم وفي الوقت نفسه ربطا لهم بعالمهم العربي في زمن كان بكل المعايير زمن الشموخ. وعلى صفحات الكتاب سنطالع للمرة الأولى تفاصيل عملية مد الجسور هذه وصولاً الى عرب المهجر، بما في ذلك التجمعات العربية في المكسيك، بنما، تشيلي، بيرو، الارجنتين، اوروجواي، والبرازيل. والمؤلف، فتحي الديب، كان في مقدمة القائمين بعملية مد الجسور هذه على صعيدي الفكر والحركة معاً، وقد مكنه تاريخه الحافل من القيام بهذه المهمة الصعبة التي يروي أسرارها في هذا الكتاب، فقد تولى مسئولية بناء جهاز المخابرات العامة في مصر وادارته من 1953 حتى 1961 وعمل سفيرا لمصر في موسكو وعين وزيراً برئاسة الجمهورية وهو الموقع الذي ظل يشغله حتى استقالته بعد وفاة عبدالناصر في 1970. ما أن انتشر خبر وصولى إلى الأرجنتين، وبدأت طبيعة مهمتى تتضح أهدافها بشكل واضح، حتى بدأت التساؤلات تلاحقنى من جميع القيادات السورية واللبنانية، عن طريق ارتباطاتهم الشخصية بأعضاء سفارة الجمهورية العربية المتحدة بالأرجنتين؛ مستفسرين عما إذا كانت نياتى تضم زيارة عرب المهجر بـ «مونت فيديو» عاصمة « أوروجواى »، لأقوم بالتفاهم معهم فيما يتعلق بطبيعة مهمتى، ودورهم كجالية عربية استوطنت دولة لاتينية وأقامت بها، وشكلت جيلاً من المواطنين الجدد. بعد وصولى إلى « بيونس أيرس» استفسر منى الملحق العسكرى عما إذا كان لدى فيزا لزيارة أوروجواى، وأخبرته بأننا لم نسمع من السوريين أو اللبنانيين فى دمشق أو بيروت ما يفيد بهجرة عدد كبير منهم إلى أوروجواى، ولأول مرة أسمع منك موضوع أوروجواى، فأخبرنى بأنه معين ملحق عسكرى للجمهورية العربية بالأرجنتين وشيلى وأوروجواى، ومن المفيد أن أقوم بزيارة لأوروجواى لألتقى بالجالية المقيمة في «مونت فيديو»؛ لأن هذا التصرف سيعنى الكثير بالنسبة لموقف عرب المهجر بأوروجواى، ويظهر لهم أن دولة الوحدة بين مصر وسوريا بدأت تهتم بكل الجاليات المهاجرة من البلدين، وبالذات بعد إتمام الوحدة، وتولى الرئيس جمال عبد الناصر رئاسة الجمهورية العربية المتحدة. واستطرد ليقول إنه سيحاول أن يسافر معى على العبارة إلى «مونت فيديو»، ويحضر معى فترة بقائى فى أوروجواى ولقائى بالأخوة أبناء الجاليتين السورية واللبنانية المستوطنة عاصمة أوروجواى «مونت فيديو». تطوع الأخ أبو اليسر الأنصارى - الملحق العسكرى - بمرافقتى بالعَبَارة من ميناء «بيونس أيرس» فى اتجاه «مونت فيديو»، وجلسنا معاً؛ ليزودنى خلال رحلة السفر بأكبر قدر من المعلومات التفصيلية عن الجالية العربية فى أوروجواى، وأماكن إقامتهم، وطبيعة عملهم ونشاطهم التجارى بالذات فى العاصمة. وإن كان عدد الأسر العربية - سواء السورية أو اللبنانية - قليلاً إلا أن طبيعة ونوعية العمل الذى اتخذوه مصدر رزق لهم زودهم بوافر من الأموال، التى جعلتهم يساهمون فى كثير من الأنشطة فى مجال تجارة السيارات وآلات الصناعة، وصناعة الأغذية الجافة، بالإضافة إلى تجارة اللحوم، وجميعها تتشابك بوضوح مع تجارة اللحوم المصنعة فى الأرجنتين، مما جعلهم يمثلون نوعية من المشاركة سهلت من أسلوب تعاملهم مع جميع أنحاء دول العالم المستوردة لأنواع اللحوم الحية والمذبوحة والمصنعة بجميع صورها. وهنا لا يمكن إغفال تجاهلهم لتحمل مسئولية أى عمل يدفعهم للتعاون مع سلطة الدولة فى مجالات الأمن والحراسة والدفاع عن مصالح مواطنى أوروجواى. ونتيجة لقصور احتكاكهم المباشر بسلطات الحكم، وبالصورة التى تتيح لهم التعامل المستمر، وبالأسلوب الأخوى والمتسم بالوعى والولاء للوطن الجديد، لاحظت أن موقفهم ليس بالصورة التى وجدت عليها موقف الجالية السورية أو اللبنانية في «الأرجنتين»، أو الجالية الفلسطينية والأردنية في«شيلى». ووصلنا إلى شاطئ «مونت فيديو»، لنغادر العَبَارة ونتجه مباشرة إلى الفندق المميز والمعروف لأبو اليسر، وبعد وضعنا لأمتعتنا بالفندق صحبت الملحق العسكرى؛ لنقوم بزيارة أحد رؤساء الجالية العربية في «مونت فيديو»، المدعو « عدنان الأيوبى » ، بمكتبه التجارى وهو من أكثر الشخصيات المحبوبة، ويجله ويقدره جميع أسر وأعضاء الجالية. لم يقصر عدنان فى مرورنا العاجل على جميع أنحاء العاصمة، وفى الوقوف لدى المحال التجارية التى يمتلكها أحد أعضاء الجالية السورية أو اللبنانية؛ ليتم تعريفنا عليه ورؤية التجارة التى يمارسها فى محله، أو فى موقعه، وصورة النشاط الذى يقوم به كل من نقف عنده لتحيته، مكتسبين معرفته من خلال هذا التعرف العاجل، بواسطة المؤمن بوطنه وعروبته « عدنان الأيوبى » . وانتهى الطواف بجميع نواحى النشاط بالعاصمة، لنتوصل إلى لقاء عدد لا بأس به يمثل غالبية المسئولين عن كيان ونشاط الجالية العربية بأوروجواى، مما أعطانى - صورة إلى حد كبير - تشكل الكيان المتوافر فى كيان المجتمع العربى المستوطن لأرض دولة أوروجواى. وقد اخبرنا المضيف العزيز بأنه اتفق مع جميع أعضاء الجالية العربية للاجتماع بهم فى النادى العربى في «مونت فيديو»، وأنهم سيحضرون بالنادى فى الساعة السابعة مساءً؛ فى انتظار وصولنا للالتقاء بممثل الرئيس جمال عبد الناصر. وفى الموعد المحدد توجهت أبو اليسر إلى النادى، لنجد الأخ عدنان، وبصحبته عدد كبير من رجال ونساء الجالية العربية بـ «مونت فيديو»، وصافحت الجميع وجلسنا فى صالة النادى فى اجتماع أسرى لينهض - وهذه العادة التى أصبحت واضحة - أحد المتحدثين باسم الجالية للترحيب بنا، وليعلن تقديرهم جميعاً للدور الذى قام به الرئيس عبد الناصر فى تحقيق وحدة سوريا ومصر، وأملهم فى وحدة لبنان أيضاً قريباً ضمن هذه الوحدة الجديدة. وهكذا تم اللقاء، وعدنا إلى الفندق، لأستيقظ فى صباح اليوم التالى يوم 25 يوليو 1959، مودعاً زميلى و أبو اليسر قبل سفرى بالطائرة إلى عاصمة البرازيل « ريودى جانيرو »؛ لاستكمل القيام بواجبى، ولإتمام مهمتى على الوجه الأكمل بدولة نهاية المطاف «البرازيل» .وصلت « ريودى جانيرو» عاصمة البرازيل حين ذاك قبل أن يتم استكمال العاصمة الجديدة « برازيليا»، التى تتربع فوق هضبتها المرتفعة وسط مساحتها الكبرى بقارة أمريكا اللاتينية، والتى تتصل حدودها بحدود معظم دول أمريكا اللاتينية، ماعدا «شيلى» « الإكوادور »، مما دفع برئيس الجمهورية السابق « كوبتشيك » لإنشاء « برازيليا »، عاصمة فريدة تتخطى العصر الحاضر إلى مستقبل يفوق كل تصور طبيعى يتسم وتفكير عالمنا الحاضر، كما تمتاز بعماراتها الضخمة، وقبتى البرلمان البرازيلى بمجلسيه، وتحكم مسارات المبانى الضخمة طرق صاعدة هابطة، يتصورها المشاهد كأنها سور فولاذى يربط أطراف المدينة المترامية على قمة الهضبة الصلبة، التى تدور عليها فى كل اتجاه بلا فرصة لتتلاقى أو تتقاطع كما نراها فى طبيعتها الحالية، فهذه تغوص تحت الأخرى، أو تلف حولها فى أنصاف دوائر رسمت بدقة فائقة، كأنها لوحة فنية رسمها فنان مقتدر. وهبطت الطائرة البرازيلية الساعة الواحدة ظهراً، لأجد مستشار السفارة الأخ محمد علي فى استقبالى، ومعه سكرتير السفارة مرحباً بى، ومؤكداً قيامهم بتوفير جميع إجراءات إقامتى بفندق ممتاز على شاطئ « كوبا كابانا، فى مكان قريب من مبنى السفارة، وأبلغنى أن السفيرجمال الفرا موجود بالسفارة، وسيقابلنى صباح الغد؛ لنتفق على كل ما يتعلق بمهمتى. واصطحبنى محمد على بسيارته إلى الفندق، وشكرته واتفقت على لقاء الغد، وطلبت من السكرتير أن يحضر فى التاسعة صباح الغد للذهاب لمبنى السفارة للقاء السفير هناك. وغادرت الفندق؛ لتناول وجبة الغداء فى مطعم قريب من الفندق، بوصية من مدير الفندق، استحسانا لنوعية خدماته وطعامه. وتشاء المصادفات حينما وصلت للمطعم أن ألاقى شخصاً التقيت به سابقاً فى أسبانيا، تعاملت معه ويدعى » فرانكو دورا » ، كان يتاجر فى الأسلحة، الأمر الذى أثار فى نفسى كثيراً من التساؤلات حول ظروف وجوده فى البرازيل، الأمر الذى دفعنى إلى أن أواجهه، ويستقبلنى بمجرد رؤيتى باندهاش وسرور وإصرار على دعوتى على الغداء، وتسرعت بسؤاله عن أسباب وجوده فى البرازيل حالياً، وتشاء المصادفات أن ألتقى به فجأة، وكان سريع البديهة فى رده على بقوله: إنه موجود؛ لممارسة هوايته الطبيعية نفسها، أو بمعنى أصح، التجارة فى الأسلحة مع اطراف عديدة تشترى السلاح من البرازيل، وأنه كتاجر يشترى السلاح من البرازيل ويبيعه لهم، وبهذا أمكنه الحصول على ثقة تجار السلاح البرازيليين. وانتقل فوراً ليعرض على بكتالوج لأنواع الأسلحة الجيدة المتوافرة فى البرازيل، وأنه سيقوم بإعطائى أسعاراً خيالية؛ تكريماً لعلاقتى السابقة فى تزويد الجزائر بالسلاح، وانتابنى شعور لمشاكسته، فرددت عليه مبتسماً: إننى حالياً فى موقف مثله، أقوم بتجارة الأسلحة، والطائرات، والدبابات والبوارج والغواصات فبهت واندهش، وتصورت سيصيبه الدوار مما سمعه منى، فضحكت وابتسمت وصارحته بكل صداقة بإننى حاولت مشاكسته وليس أكثر من ذلك وإننى فى البرازيل بصفتى الدبلوماسية ليس إلا. فاطمأن على نفسه وأخبرنى إننى أرهبته بلا مناسبة، فكيف نكون أصدقاء وتهز أعصابى بهذا الشكل، واكتفيت بهذه المناوشة المسلية ودعوته أنا بصفتى صديق لتناول الغداء على حسابى وأتممنا طعام الغداء، لنترك المطعم ويدعونى لمصاحبته؛ للتعرف على عائلة برازيلية تربطه بها صداقة وأخوة كبيرة، تعاونه فى تلبية احتياجاته وتسهل له كثيراً من الحلول لأى مشكلة تقابله مع السلطات البرازيلية، لأن هذا الصديق يعمل مديراً بوزارة الداخلية البرازيلية. وصلنا إلى منزل الصديق « الفونسو كاردو»، وتم التعارف بالعائلة والتفاهم، وكان لقاءً جيداً جداً حيث قوبلت بترحيب ممتاز من رب العائلة وأسرته المضيافة. واستضافتنا الأسرة البرازيلية باهتمام وحفاوة لا تقل عما تقوم بها أى أسرة عربية كريمة. وانتهت سهرتنا لدى الصديق البرازيلى فى العاشرة مساءً، لنودعهم معبرين عن تقديرنا الكامل لضيافتهم وسعادتى بارتباطى بصداقة هذه الأسرة الكريمة، وأملى فى قبول رب الأسرة وأعضاء أسرته التكرم بزيارتى بالقاهرة، الأمر الذى سيسعدنى ويبهج أسرتى، لإتاحة هذه الفرصة ليقوموا بمرافقتكم لزيارة جميع أنحاء الجمهورية العربية المتحدة. صباح يوم 26 يوليو 1959 توجهت إلى سفارة الجمهورية العربية المتحدة بـ « ريودى جانيرو »؛ للالتقاء بالسفير/ جمال الفرا حسب الاتفاق فى العاشرة صباحاً، الذى وجدته فى انتظارى ومعه مستشار السفارة / محمد على، لتتم إجراءات التعارف بيننا، نظراً لأنه كان اللقاء الأول بينى وبين السفير/ جمال الفرا - المعين أخيراً بعد إتمام الوحدة المصرية - السورية فى أول فبراير 1958، ليتم ضم السلك الدبلوماسى السورى إلى السلك الدبلوماسى المصرى بوزارة خارجية دولة الوحدة. وبعد إتمام التعارف بدأت شرح تفاصيل مهمتى التى كلفنى بها الرئيس جمال عبد الناصر، للمرور على الجاليات السورية واللبنانية، بداية بالولايات المتحدة الأمريكية، ثم دولة المكسيك، فدولة « بنما » ومعاينة ظروف وأحوال إدارة قناة « بنما »، ثم لقاء الجالية العربية بـ « بنما »، مع دراسة لوضع الجالية اليهودية بدولة « بنما »، ونوعية نشاطها داخل الدولة، وتأثيرها فى مجال السيطرة على أسلوب إدارة وتشغيل القناة، وانعكاس ذلك على جماهير الشعب البنمى. ثم التوجه إلى «بيرو»، فجمهورية «شيلى»، ثم جمهورية «الأرجنتين»، فدولة «أوروجواى»، وأخيراً جمهورية « البرازيل » . على أن تتم دراسة متكاملة شاملة فى كل دولة لوضع جاليات عرب المهجر فى جميع مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، مع التركيز - وبكل وضوح - على أسلوب معيشة الجالية العربية، وكيف يتم التعامل بينها وبين سلطات الدولة من ناحية، وتعاملهم مع مواطنى الدولة من جانب آخر، وأخيراً الإلمام بمدى ارتباط أفراد جاليات عرب المهجر بالوطن الأم ؟ باشر الأخ المستشار محمد علي حديثه، ليطرح تفاصيل إيضاحه للأسئلة التى طرحتها والمطلوب إجابتها بكل دقة وبالتفصيل على النحو التالى: بدأت البرازيل منذ تعين « كوبتشيك » رئيساً للجمهورية - تواجه سياسة جديدة، بدأها بتغيير اسم العاصمة الجديدة لتكون « برازيليا »، وليُغير موقعها لتقام مدينة حديثة بمبانيها الضخمة ذات التصميم ونظام التشييد، ولتحتل موقعاً يتوسط مساحاتها الكبيرة، وفى منتصف غابات الأمازون، وليباشر الدعاية للعاصمة الجديدة بأسلوب ضخم، معلناً عن صفات لها تؤهلها لتكون العاصمة الوحيدة فى العالم - فى تصوره - التى لا يوجد لها مثيل فى كيانها، ومبانيها، وموقعها وأساليب الحركة فيها، وفن تشييدها... إلخ. وفى الوقت نفسه بدأت البرازيل تدخل مرحلة من مراحل التغيير الشامل فى سياستها المختلفة، خاصة فى السياسة الخارجية، فأصبح للبرازيل تعاونها فى ذلك من دول أمريكا اللاتينية الأرجنتين كدولتين كبيرتين من دول أمريكا اللاتينية تلعب الدور الرئيسى فى هيئة الأمم المتحدة من ناحية، وفى مجلس الأمن أخطر أجهزة الأمم المتحدة تحريكاً وتطويراً فى قضايا الدول المختلفة، مما جعلها دولة ذات كيان محورى، قادر على السيطرة على مُقدرات معظم دول أمريكا اللاتينية، ودفع جميع الدول ذات الصفة الفاعلة على مستوى هيئة الأمم، أن تقوم بدور يعطيها ميزة النفع للغير والانتفاع من الغير، بما يخدم سياستها فى جميع مجالات الأنشطة لها كدولة لها كيانها وقدراتها الصناعية والتجارية والثقافية والاجتماعية، وأيضاً بما عُرف عن البرازيل من أنها بلد تنتج أكبر كمية من البن فى العالم. لم يقتصر اهتمام الحكومة البرازيلية على هذه الأنشطة، إذ قامت - وباهتمام كبير - بتحويل إمكانياتها فى صناعة الأسلحة إلى مصاف الدول الكبرى المنتجة للسلاح الجيد بجميع أنواعه صغيرة وكبيرة، وبالتالى الذخيرة اللازمة لجميع أنواع هذه الأسلحة مع مختلف أنواع المدفعية، وانتقلت إلى صناعة آلات الحرب الأخرى كالدبابة والطائرات... إلخ.، والسيارات المصفحة. وكان طبيعياً إزاء انتشار مصانع الآلات والماكينات ومستلزمات النواحى العسكرية عدم إغفال صناعة السيارات بجميع أنواعها، الأمر الذى رفع من مكانة البرازيل من دولة مستوردة لمعظم احتياجاتها فى الحركة اليومية كشعب عادى، إلى دولة مصنعة ومنتجة لجميع مستلزمات الحياة السلمية والعسكرية والمدنية بكل متطلباتها. اتساع البرازيل فى مساحتها وبقاء أكثر من ثلاثة أرباع مساحتها مغلفة بالغابات والأحراش لم يُحد من تزايد عدد سكانها، عن طريق نمو المواطنين الأصليين أنفسهم، وهجرة كثير من أسر متعددة من جميع أنحاء العالم إلى البرازيل، واتخاذها موطناً جديداً لهم؛ مما فتح المجال أمام تزايد عدد العاملين فى الزراعة، وساعد هؤلاء المغتربين على امتهان الزراعة كوسيلة رزق، الأمر الذى دفعهم إلى اقتلاع الأحراش والأشجار. وتوسيع الأرض الصالحة للزراعة؛ تمهيداً لزراعتها بمختلف أنواع المحاصيل الغذائية المطلوبة لسكان البرازيل جميعاً، وكل من يهاجر إليها، طالما بقى مجال استزراع الأراضى بعد إعدادها للزراعة مفتوحاً؛ ولذلك بدأ تعداد البرازيل يزداد وبصفة مستمرة من أوائل الخمسينيات، وإن كانت طبيعة الأراضى البرازيلية كما هو معروف من غابات وأحراش تحمل أسفلها أراضى ممتازة خصبة للزراعة لأنها خام، أما بالنسبة للمياه فيمر نهر الأمازون فى جميع أراضى الغابات، وتجتمع مياه الأمطار أسفل الأشجار الموجودة؛ مما يؤدى لمنع تبخر المياه، ونتيجة لوفرة المياه أدى ذلك إلى إمكانية الزراعة بصفة مستمرة. وفيما يتعلق بالمهاجرين من إخواننا عرب الشام إلى البرازيل فلم يجدوا أى صعوبة فى العمل فى مختلف المهن التى سبق وأن مارسوها بوطنهم الأم سوريا أو لبنان أو فلسطين، بل كان لدورهم النشيط، وخبرتهم السابقة فى ممارسة أسلوب التجارة، وإتقانهم لكل فنونها وخبرتها - أثره فى تجارتهم مع المواطنين الأوائل، لتوفيقهم ونجاحهم فى اكتساب ثقة كل من عملوا معهم، وتقدير سلطات الحكم لخبرة ونشاط المهاجرين، الذين وصلوا من سوريا ولبنان وتعاونوا معهم بكل همة ومحبة. من يعيش فى البرازيل خلال السنوات الخمس الأخيرة يجد أن الصورة الكاملة للمجتمع البرازيلى بدأت تتغير إلى حد كبير، بعد أن تطورت الأوضاع فى جميع مجالات الحياة السياسية، والثقافية، والاقتصادية، والصناعية والتجارية، وبدأ المجتمع البرازيلى يمارس نشاطات متعددة اكتسب فنونها نتيجة تطور التعليم ومناهجه، ليغطى جميع احتياجات الحياة، لتتوازن إمكانيات الحياة مع متطلباتها، للدرجة التى أوصلت كثيراً من الباحثين إلى تقسيم المجتمع البرازيلى إلى أربعة أقسام كالآتى أ ـ القسم الأول ويضم كبار أغنياء البرازيل، الذين جمعوا ثروتهم مكتملة من الاستفادة الكلية بالتغيير المتجدد فى نظام الحياة، وانتقال البرازيل من نظام الاستيراد، إلى نظام التصدير لجميع إنتاجها فى جميع المجالات، أى أنهم يمثلون جميع المسيطرين على الاقتصاد والتجارة والإنشاء والتعمير، وينتهون من سيطرتهم بإحكام قيادتهم للعمل السياسى؛ بما يتفق وأهدافهم الشخصية فى كسب جميع مجالات الحياة. ب ـ القسم الثانى ويضم كل موظفى الدولة، الذين يحصلون على أجورهم مقابل خدمتهم لمصالح جماهير الشعب البرازيلى تحت إشراف أجهزة الدولة المختلفة، وفى جميع المجالات من أمن وإنشاء وتجارة واقتصاد، وهؤلاء يعتبرون فئة تحصل على ما يكفيها لتغطية احتياجاتها المطلوبة لعيش حياة كريمة، بعيدة عن التفاخر والترف اللامعقول. جـ ـ القسم الثالث : ويضم طبقة العمال الكادحين فى خدمة مختلف أجهزة الإنتاج الصناعى، والتجارى، والزراعى، والثقافى، والقطاع الخاص، كذلك عمال خدمة متطلبات الحياة اليومية لمواطنى البرازيل على جميع مستوياتهم. د ـ القسم الرابع : ويضم جميع السكان الأصليين للبرازيل، من ملاكها الأساسيين منذ البداية كما خلقهم الله سبحانه وتعالى - عاشوا طوال حياتهم يعانون من مختلف وسائل الإرهاب والسيطرة والذل، مع الاقتصار فى حياتهم على ما يمنع وصولهم إلى أقل ما يقتات به البشر، مع استمرارهم فى العيش فى نطاق الصورة البدائية لحياة لا يوجد فى العالم حالياً مثيل لها، إلا فى مناطق البعد عن الحياة الإنسانية الكريمة، فى مناطق اللامدنية والغابات الاستوائية.