جاء كولن باول وزير الخارجية الأمريكي الى المنطقة وهو خالي الذهن من أي أفكار أو اقتراحات مسبقة، ورحل أيضا وهو خالي الوفاض من أي حصيلة ايجابية. ولم تستغرق رحلته الا ساعات، عانى فيها الاعلاميون من اللهاث وراء تصريحاته دون جدوى، فلم يحصل سوى التعب والنصب. والحقيقة أن رحلة باول كانت قد فشلت قبل أن يغادر بلاده، ذلك أن التشدد الذي ابداه ارييل شارون خلال زيارته الأخيرة لواشنطن كان كافيا لافهام وزير الخارجية حدود مهمته في تهدئة الأوضاع في الاراضي الفلسطينية دون أي التزامات اسرائيلية سابقة أو لاحقة لهذه التهدئة. وبعد أن كان باول يتحدث عن الآفاق الواسعة والنتائج الايجابية المرتقبة لزيارته ومساعيه للتوصل الى برنامج زمني يتفق عليه الفلسطينيون، والاسرائيليون، لتطبيق توصيات ميتشيل تمهيدا للجلوس حول مائدة المفاوضات، عاد باول وصرح للصحفيين أثناء وجوده في الأمم المتحدة للمشاركة في المؤتمر الدولي لمكافحة مرض الايدز أن جولته في المنطقة ستتوقف على مايجري على أرض الواقع، وهي عبارة في حقيقة الأمر لا تعني شيئا أكثر من الهراء ذاته. واذا كانت هناك نتيجة لجولة كولين باول الاخيرة فهي بلا جدال على المسلمة البديهية التي بات كل عربي، على قناعة تامة بها، الا وهي أن الولايات المتحدة تنحاز وبلا أية تحفظات للرؤية الاسرائيلية وبالتحديد لتصورات وخطط أرييل شارون خلال هذه الفترة. ويبدو ذلك واضحا من المواقف تجاه القضايا الرئيسية التي يدور حولها الخلاف بين تل أبيب والسلطة الفلسطينية وفي مقدمتها الاقتراح الفلسطيني بنشر مراقبين دوليين بالضفة الغربية وقطاع غزة لمراقبة وقف اطلاق النار الموصى به من قبل لجنة ميتشيل. فإسرائيل ومنذ اندلاع الانتفاضة في سبتمبر من العام الماضي ورغم صدور ادانات دولية بحقها لافراطها في استخدام القوى ضد الفلسطينيين في الاراضي المحتلة ترفض أي حديث عن امكانية وجود مراقبين دوليين في أراضي السلطة الفلسطينية. والعلة وراء هذا الرفض هو خشية اسرائيل ليس فقط من انخراط أطراف دولية في الشأن الفلسطيني ولكن أيضا وجود سابقة مثل هذه هي بالطبع الأولى من نوعها، يمكن أن تستغل من الجانب الفلسطيني في التأكيد على شخصية السلطة الفلسطينية أمام القانون الدولي. وطبقا للرؤية الاسرائيلية فإن سلطة عرفات ليست سوى هيئة للحكم الذاتي داخل أراضي اسرائيل الكبرى أو بالأدق داخل الاراضي الاسرائيلية التي يتواجد بها الفلسطينيون، وقد حرص المفاوضون الاسرائيليون منذ الحديث عن الاطار العام للحكم الذاتي الفلسطيني في مفاوضات مينا هاوس اللاحقة لكامب ديفيد على التقيد بهذا التصور في كل ماوقعوا عليه لاحقا فالحديث ينصب دوما على الادارة الذاتية للسكان دون أن يمتد الى الارض ولا يوجد اطلاقا عبارة من قبيل انسحاب قوات الاحتلال الاسرائيلي وانما يستخدم دوما مصطلح اعادة انتشار قوات جيش الدفاع الاسرائيلي والفارق بينهما في عرف القانون الدولي كبير، فالانسحاب ينطوي على اعتراف بامتلاك أراضي الغير أما اعادة الانتشار فهي عبارة تستخدمها دولة مثل روسيا الاتحادية في الشيشان أو أي دولة في حدود أراض خاضعة لها بأية صورة من الصور. واتساقا مع هذه التصورات الاستعمارية فان الموافقة على وجود مراقبين دوليين حتى وان كانوا من الأمريكيين فقط قد ينتهى الى وجود ورقة رابحة في الملف الفلسطيني يؤيد ماذهب اليه عرفات، على سبيل الاستنتاج المبتسر أو التوريط الذكي، من أن صيغة غزة - أريحا ستنتهي حتما الى اعلان دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس، علما بان وضع القدس ومستقبل سلطة الحكم الذاتي هما دوما من بين القضايا المحالة الى مفاوضات مستقبلية تتناول الوضع النهائي دون افصاح أو التزام تجاه اسرائيل. ومن الملفت للنظر أن كولن باول وبعد لقائه بالرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وتحت تأثير الاحساس بخطورة الأوضاع في الاراضي المحتلة كان قد أدلى بتصريحات أعرب فيها عن تأييده لنشر مراقبين دوليين في نقاط التماس الساخنة بالضفة الغربية وغزة لمنع العنف، ولكن الدوائر الاسرائيلية انتقدت وبعنف مثل هذه التصريحات، وعلى الفور بادر البيت الأبيض الى نفي صدور مثل هذه التصريحات من كولن باول واعرب متحدث باسمه عن اعتقاده بأن وسائل الاعلام قد أخطأت في نقل تصريحات باول خلال مؤتمره الصحفي مع عرفات في رام الله وقال رأى فلايشر المتحدث باسم البيت الأبيض أنه لا يوجد تغيير في السياسة الأمريكية وأن باول تحدث فقط عن ضرورة أن تؤمن مجموعة ما مهمتها المراقبة والاشراف وهي الآلية التي تمت الاشارة اليها في اتفاق واي ريفر تحت اشراف الرئيس السابق بيل كلينتون. ومن ناحيته فقد تدارك وزير الخارجية الأمريكي نفسه وعاد لينفى تصريحاته في رام الله عندما كان يدلي بتصريحاته في المؤتمر الصحفي المشترك مع وزير الخارجية الاسرائيلي شيمون بيريز، وقال باول بكل وضوح أن مسألة ارسال مراقبين أجانب للمنطقة من عدمه لم تطرح خلال اللقاء أو في اجتماعه السابق مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. وأكد أيضا انه لم يكن في نيته أن يفاجئ شارون مشيرا الى أنه اتفق مع رئيس الوزراء الاسرائيلي تحاشي المفاجآت وهذه العبارة تشير وحدها الى وجود اتفاق مسبق بين شارون وباول على حدود مهمته في المنطقة وأن هناك التزاما أمريكيا كاملا بوجهة النظر الاسرائيلية وقد حاول باول أن يخفف من وقع هذه العبارة عندما استدرك قائلا انه اذا قرر الطرفان في سياق عمل اللجنة الأمنية الثلاثية نشر بعض المراقبين من أجل هدف معين وباتفاقهما فهذا ممكن. والى جانب انصياع باول للموقف الاسرائيلي من نشر المراقبين الدوليين فإن وزير الخارجية الأمريكي لم يجد أمامه سوى اعادة انتاج المزاعم الاسرائيلية بشأن تفسيراتها لتوصيات لجنة ميتشيل فيما يتصل بوقف اطلاق النار وتهدئة الأوضاع في الأراضي الفلسطينية. ففي ختام زيارته للمنطقة أكد باول أن الحقائق على الأرض تقول بأنه لا يوجد بعد تنفيذ كامل لاتفاق اطلاق النار وان العنف مازال مستمرا وزاد الطين بلة بملاحظتين أولهما اشار فيها الى أن توصية لجنة ميتشيل بوجود عشرة أيام دون حدوث أعمال عنف لم تطبق بعد ولا يعدو ذلك أن يكون ترديدا وبعبارات أكثر ايجازا وأقل حدة من تلك التي قالها شاؤول موفاز رئيس أركان الجيش الاسرائيلي في نيويورك عندما زعم ان اسرائيل في وضع لا يوجد فيه وقف لاطلاق النار وان الوضع الآن سيئ مشيرا الى أن سبعة اسرائيليين قتلوا منذ توسط جورج تينيت مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية للتوصل الى وقف اطلاق النار في 12 يونيو الماضي. أما الملاحظة الثانية والتي يمكن النظر اليها بوصفها اعترافاً من رجل يوخزه ضميره فهي تسليم كولن باول ذاته باستحالة تنفيذ طلب الاسرائيليين والحاحهم على التزام فلسطيني كامل وتام بوقف أعمال العنف لمدة عشرة أيام تعقبها بداية المرحلة الثانية من الاتفاق الامنى الذي توصل اليه تينيت لتهدئة الأوضاع شريطة أن يستمر الهدوء لمدة ستة أسابيع أخرى، اذ أشار الى أنه من الصعوبة بمكان في ظل الأوضاع الحالية التوصل الى مثل هذه الحالة أو حتى مراقبة ادعاءات الأطراف المختلفة بحدوث خروقات لوقف اطلاق النار. ورغم انه ألمح الى امكانية التسليم بوجود أوضاع هادئة نوعا ما الا انه لم يخف يأسه من التوصل الى تقريب لوجهات النظر بين الفلسطينيين والاسرائيليين لتباعدها من ناحية ولتشدد كل طرف من ناحية أخرى. وقد أوجز من حيث لم يرد فحوى الخلاف القائم بين الطرفين في أن شارون يريد هدوءا تاما وهذا مالا يستطيعه عرفات ولا يترك الاسرائيليون أنفسهم له سبيلا وفي كل الأحوال فإن شارون هو وحده الحكم على اذا ماكان الجانب الفلسطيني قد التزم بمبادرة تينيت وتوصيات ميتشيل أم لا، ومن ثم فإن المنطقة حسب تعبير باول سوف تدخل في فترة من عدم الاستقرار. والحقيقة أن الدور الأمريكي الذي طالبت أطراف عربية بضرورة تنشيطه في أعقاب اعلان ادارة بوش انها غير معنية بالملف الشرق أوسطي في الفترة الأولى من عملها قد عاد محملا ليس فقط بالانحياز لاسرائيل بل وبالعجز حتى عن التوصل لتصورات مرحلية لتهدئة الاوضاع. ان جولة باول الاخيرة بحصادها الصفري تكاد تماثل ما كان يقوم به موظفو الدولة العثمانية في آخريات ايامها عندما كان يضع الموظف طربوشه الأحمر على طاولة مكتبه اشارة لوجوده بالعمل فينهمك كل مستخدم في اداء عمله بينما صاحب الطربوش يرتع بعيدا عن مقر عمله، فجولة وزير الخارجية ليست سوى طربوش يشير الى وجود دور أمريكي ما، بل ربما كان الطربوش موحيا بانتهاء الدور الشكلي للوسيط الأمريكي على غرار عادة الأفنديات عندما كانوا يوصون بوضع طرابيشهم على مقدمة نعوشهم في اشارة الى أهمية كانت لصاحب كل طربوش. بقلم: د.أحمد السيد محمد ـ جامعة القاهرة