بعد أيام قليلة مما اعتبر اتفاقا لـ «وقف اطلاق النار» بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال الاسرائيلية برعاية مدير المخابرات الأمريكية جورج تينيت، وقبل أن ينهي وزير الخارجية الأمريكي الجنرال السابق كولن باول جولته الأخيرة في المنطقة، كان الجنرال السابق الآخر الارهابي ارييل شارون يصعد عدوانه وممارسات قواته القمعية، ليس ضد الفلسطينيين فحسب، وإنما ضد لبنان وسوريا أيضا. لقد جاء الوزير الأمريكي للمنطقة بهدف معلن هو «تبريد الوضع» ووقف «العنف»، بناء على «وثيقة تينيت» وتقرير ميتشيل الذي سبقها، ولهذا الغرض التقى عددا من الزعماء العرب واجتمع برئيس الحكومة الاسرائيلية شارون الذي فوضه الوزير باول حق تقرير «انهاء العنف» من عدمه. ورغم ذلك فان ما فعله شارون هو زيادة تسخين الوضع في المنطقة بل والتهديد باشعالها إلى حد يصعب التكهن بمداه ونتائجه. فالاغتيالات مستمرة داخل الأراضي الفلسطينية والقصف اليومي متواصل، وانتهاك الأجواء اللبنانية لم ينقطع، بل وصل الأمر إلى قصف بعض القرى في الجنوب اللبناني، وأخيرا جاء حد قصف موقع رادار سوري آخر في لبنان ليضيف أبعادا جديدة تزيد الوضع توترا وخطورة. فهل كانت مهمة باول هي تصعيد التوتر إلى هذا الحد والتهديد باشعال المنطقة كلها؟ بالطبع ليست هناك أدلة ملموسة يمكن من خلالها الجزم بأن هذا هو فعلا ما جاء الوزير الأمريكي لتحقيقه، لكن النتائج الفعلية على الأرض توحي بأن مهمة باول لم تخرج عن هذا الاطار إلا ان يكون شارون قد تعمد افشال مهمة باول وتوجيه اهانة علنية لأمريكا في شخص وزير خارجيتها، وهو احتمال لا تدعمه خصوصية العلاقة الأمريكية الاسرائيلية ووحدة المواقف والسياسات بينهما. أما الاحتمال الأكثر خطورة فهو أن يكون شارون خلال زيارته الأخيرة لواشنطن قد حصل فعلا، كما تشير العديد من التقارير والتحليلات، على ضوء أخضر أمريكي لعدوان اسرائيلي جديد على الدول العربية لاعادة خلط الأوراق وخلق واقع جديد في المنطقة يسمح لاسرائيل بتحقيق أهدافها في السيطرة المطلقة على الأراضي الفلسطينية وفرض أمر واقع جديد على باقي الأطراف العربية. ورغم ما يحمله هذا الاحتمال من مخاطر كبيرة قد تتجاوز حدود المنطقة، إلا انه يبقى احتمالا قائما، خاصة مع وجود ارهابي عتيد مثل شارون وادارة أمريكية لا تمتلك استراتيجية واضحة حتى الآن! عبدالله إسحاق