أنهى وزير الخارجية الأمريكية كولن باول زيارته للمنطقة الاسبوع الماضي دون حدوث تقدم يذكر بالنسبة لعملية التسوية، وحتى تصريحاته التي تم الترحيب بها والخاصة بالموافقة على ارسال مراقبين دوليين للمنطقة تراجعت عنها الادارة الأمريكية فورا تحت ضغوط اسرائيلية، وهو ما يطرح التساؤلات حول جهود الوساطة الأمريكية في الشرق الأوسط والى أين تقود في ظل غياب الاستراتيجية الواضحة والادارة الأمريكية ازاء الصراع العربي الاسرائيلي، والتميز المستمر لاسرائيل؟ وحول جولة باول وهل كانت مكملة لمهمة تينت؟ وماذا وراء استمرار الدور الأوروبي المغيب في عملية التسوية؟ والتوقعات بالنسبة لاستمرار الانتفاضة في ظل الهجمة الأمريكية التي تسعى لوأدها. منطقة متفجرة بداية يقول د.عماد جاد الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أنه ورغم النتائج المتواضعة لزيارة وزير الخارجية الأمريكي كولن باول للمنطقة، إلا أنها أكدت شيئا هاما وهو أن الولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن لها أن تبتعد تماما عن مشاكل هذه المنطقة المتفجرة، لقد جاءت الادارة الأمريكية الجديدة وهي تضع نصب أعينها ما كان من الادارة الأمريكية السابقة والتي أولت اهتماما كبيرا بقضايا المنطقة حتى أن الرئيس كلينتون حبس نفسه أسبوعين في كامب ديفيد دون أن يتم التوصل لشيء ولذلك عندما جاء بوش الابن فضل أن يبدأ بعمل العكس وهو عدم ابداء اهتمام يذكر بالصراع العربي الاسرائيلي، وفضل تركه لأصحابه يتصرفون فيه، ولكن بمرور الوقت أدرك بوش أن هذه المنطقة والتي تتركز فيها مصالح كبيرة للولايات المتحدة لا يمكن تركها هكذا ومن هنا وعندما بدأت تخرج الأمور عن السيطرة ووصل الأمر لحد استخدام طائرات إف-16 في ضرب الفلسطينيين، فضلا عن وقوع عمليات استشهادية ناجحة أدت الى سقوط الكثير من القتلى الاسرائيليين، ومن ثم هرولت الادارة الأمريكية جاءت الى المنطقة لأنها وجدت أنه لا يمكن ترك هذه المنطقة هكذا دون تدخل منها فأرسلت مبعوثا وكما فعل كلينتون من قبل، ثم أرسلت مدير المخابرات، وأخيرا جاء باول على أمل التوصل لحلول ولكن يبدو أن التصلب والتشدد الاسرائيلي حال دون ذلك. ويرى د. عماد جاد أن زيارة باول جاءت مكملة لجولة مدير المخابرات الأمريكية تينت والذي كان قد زار المنطقة قبل أسبوعين وتم خلال جولته التوصل لصيغة اتفاق بين الاسرائيليين والفلسطينيين على تهدئة الأوضاع ووقف لاطلاق النار ولكن لوحظ أن الاتفاق كان ينصب ويركز على الجانب الأمني دون السياسي وهو ما كان موضع انتقاد من السلطة الفلسطينية وكذلك كل الأطراف العربية التي رأت بضرورة أن يكون هناك تزامن بين الحلين الأمني والسياسي ومن هنا جاءت زيارة باول للمنطقة، ولكن الواضح من نتائج هذه الزيارة أنها لم تكن على المستوى المطلوب، فهو قد تحدث عن فترة أسبوع يتم خلاله وقف نهائي لأي عمليات عنف أو اطلاق نار، ولكن لوحظ أنه لم يتم تحديد موعد بدء هذا الاسبوع ومن هنا حدث الخلاف بين السلطة الوطنية التي رأت أنه يبدأ منذ يوم وصول باول للمنطقة، في حين يرى الاسرائيليون أن الاسبوع لم يبدأ، وبحيث صار هناك تخبط كبير، وعموما لقد بات واضحا للأمريكان الآن أن الطرف الاسرائيلي هو الأكثر تشددا وتصلبا وتعطيلا للاتفاقات ولا يبدي أية مرونة. انتهاكات اسرائيلية وحول امكانية أن ينجح المطلب الفلسطيني بارسال مراقبين دوليين يقول د.عماد جاد: موضوع المراقبين هو موضوع رمزي تهدف السلطة الفلسطينية من ورائه تدويل القضية حيث سيكون هناك قوة قوامها عدد من الجنود والضباط من دول مختلفة، وحكومة اسرائيل لن توافق مطلقا على هذا، لأنها تخشى من التقارير التي يمكن أن تصدر عن هؤلاء المراقبين والتي تكشف الانتهاكات الاسرائيلية في الأراضي المحتلة، ومن هنا فهناك صعوبة كبيرة في أن ينجح المطلب الفلسطيني فالذين يوافقون على وجود مراقبين هم الذين يريدون التهدئة والواضح حتى الآن أن شارون ليس من هؤلاء ولذلك فهو لن يوافق أبدا على ذلك حتى يستطيع أن يستمر في أعماله الاجرامية والوحشية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل. وفيما يتعلق بالدور الأوروبي المغيب بالنسبة لعملية التسوية والصراع في المنطقة يرى د.عماد جاد أن الأوروبيين يعرفون جيدا أن دورهم هو دور مكمل فقط للدور الأمريكي ولا يمكن للولايات المتحدة ومن ورائها اسرائيل أن تسمح لهم بلعب دور أكبر من ذلك، الولايات المتحدة حصرت الدور الأوروبي في مجرد تقديم المساعدات للسلطة الفلسطينية أما اتخاذ أي خطوات فيما يتعلق بعملية التسوية والصراع العربي فهو شأن أمريكي اسرائيلي تماما والأوروبيون يدركون ذلك تماما، وكما يدرك الأوروبيون ذلك، على العرب هم الآخرين أن يدركوا ذلك وألا يعولوا كثيرا على دور أوروبي مساند للمواقف العربية ومهما كانت المصالح الأوروبية في المنطقة. ويتوقع د.عماد أن الجانب الفلسطيني سيظل لفترة على موقفه الحالي من ضبط النفس والتحكم في أعمال المقاومة، الى أن تسقط كل حجج الولايات المتحدة وشارون وحتى السلطة الفلسطينية، وبعدها وحين يتأكد أنه لا فائدة من ذلك وأن مراوغات شارون هي التي ستستمر، فمن المؤكد أن الأوضاع ستنفجر مرة أخرى وقد تكون بشكل أكثر حدة من السابق فهنا سيكون الشعور باليأس هو المحرك للانتفاضة والتي ستكون أكثر بأسا مما سبق. تداعيات خطيرة ويتفق الخبير الاستراتيجي اللواء طلعت مسلم مع د. عماد في أن مجرد زيارة باول للمنطقة هو شئ ايجابي حيث أنها تعكس عودة الاهتمام الأمريكي بالمنطقة حتى وإن كانت نتائج زيارته ليست على المستوى المطلوب ولم تحقق ولو 1% من طموحات الجانب العربي، لقد كانت الادارة الأمريكية الحالية قد اتخذت قرارا برفع يدها تماما عن قضايا المنطقة وكان لهذا الموقف تداعيات خطيرة وتدهور كان يمكن أن يؤدي الى انفجار شامل، ولذلك سارعت الولايات المتحدة بالعودة الى المنطقة وتعيين مبعوث دائم وارسال المسئولين واحدا تلو الآخر في محاولة لاستعادة الهدوء والذي لم يتحقق حتى الآن. ويعتقد اللواء طلعت مسلم أن زيارة باول جاءت لتكمل جولة تينت وتضع إطار لحل سياسي للمشكلة ولكن يبدو أن باول قد واجهته مصاعب وخاصة من الجانب الاسرائيلي ولذلك عاد دون أن يحقق نتائج ملموسة في هذا الاطار وحتى تصريحه بموافقة الولايات المتحدة على نشر مراقبين دوليين بالمنطقة، تم التراجع عنه سريعا لأن اسرائيل غضبت من ذلك. ولذلك فاللواء طلعت مسلم يرى أن موضوع الموافقة على ارسال مراقبين دوليين للمنطقة هو أمر بعيد المنال وصعب تحقيقه على أرض الواقع لأن اسرائيل لن توافق عليه أبدا وعندها الكثير من الأسباب التي تجعلها تتمسك بذلك وخاصة أن وجود مثل هؤلاء المراقبين سيمنعها دون شك من الاستمرار في الممارسات اللاانسانية ضد الفلسطينيين العزل. وعن تراجع الدور الأوروبي في المنطقة يقول اللواء طلعت مسلم: الأوروبيون وافقوا على ألا يلعبوا دورا أكبر من الدور الحالي لهم والذي يتمثل في الكثير منه على مجرد تقديم المساعدات المالية فقط، وهم يقولون ومن خلال مسئوليهم وفي كل المناسبات أن دورهم مكمل للدور الأمريكي لأنه هو الأساس، وعموما فهم لديهم مصالح كثيرة بالمنطقة ولم يتولد لديهم أي شعور أن مصالحهم هذه قد تتهدد اذا لم يتخذوا مواقف أكثر ايجابية فيما يتعلق بدعم المواقف العربية ولذلك فما الذي يدفعهم إذن للعب دور أكبر من الدور الحالي الهامشي والمكمل للدور الأمريكي. سبيل وحيد ويشير اللواء طلعت مسلم الى أن الادارة الأمريكية الحالية تكاد تكون الصورة أمامها ليست واضحة تماما ولا تعرف ماذا ستفعل في الكثير من القضايا ومنها قضية الشرق الأوسط وإن كان هذا لا ينفي أن الاستراتيجية الأمريكية ثابتة في شئ واحد وهو الدعم المستمر واللانهائي لاسرائيل لأن هذا هو موقف الأمريكان منذ أكثر من نصف قرن مضى، ومن هنا فالسبيل الوحيد لأن يعيد الأمريكيون حساباتهم فيما يتعلق بالمنطقة العربية هو شعورهم بأن مصالحهم سوف تتهدد إذا هم استمروا على مواقفهم الحالية، لقد حاول كل القادة الأمريكيين من قبل التخلي عن الدور الأمريكي في بداية توليهم السلطة فعل ذلك كلينتون وكارتر وأخيرا بوش ولكنهم يجدون أنفسهم مضطرين للتواجد لأن هناك مصالح يخشون عليها ويجب أن تشعرهم بأن هذه المصالح يمكن أن تتأثر اذا لم يتعاملوا بشئ من الأمانة مع قضايانا. وعن رأيه في امكانية أن تستمر الانتفاضة رغم الهجمة الأمريكية التي تريد وأدها يقول اللواء طلعت مسلم: الانتفاضة ستستمر ولا مجال لتوقفها، وقد تضعف بعض الشئ ولكنها لن تتوقف، وينبغي ألا تتوقف فهي الوسيلة الوحيدة المتاحة حاليا لتحقيق بعض من الأهداف العربية، ولكنها تحتاج لبعض التطوير والتنظيم وبما يجعلها أكثر فعالية وأقل خسائر للجانب الفلسطيني، فضلا عن ضرورة تطوير التأييد العربي والاسلامي لها. القاهرة - مكتب البيان: