منذ توقيع معاهدة السلام بين إسرائيل ومصر عام 1979 والسياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط عامة والقضية الفلسطينية والعرب تحديداً تتبع نمطاً واحداً مع اختلاف في التفاصيل بين إدارة وأخرى من الادارات التي توالت على البيت الابيض، وبين محطة وأخرى في مسار هذه القضية. فالادارات الأمريكية المتتالية منذ ذلك التاريخ الذي شهد تفكيكاً للصراع العربي ـ الصهيوني، أوجدت لنفسها قواعد سهلة للتعامل مع الفلسطينيين والدول العربية عبر استفراد كل واحد على حدة مع البقاء على انحيازها لاسرائيل. وكل ذلك تكرس لاحقاً عبر مؤتمر مدريد وما أنتجه من مسارات منفصلة بين إسرائيل وكل من سوريا ولبنان ثم مع كل من الأردن والفلسطينيين اللذين كانا باشرا المفاوضات عبر وفد موحد وسرعان ما انفصلا قبل اتفاق اوسلو عام 1993. ولم يكن صعباً على واشنطن في هذا الجو، وخاصة بعد انتصارها في الحرب الباردة و«استسلام» المعسكر الاشتراكي وتفككه مع انهيار الاتحاد السوفييتي ، أن تصبح وجهة العرب المعنيين مباشرة بالصراع مع اسرائيل ، بل ان بعض هؤلاء كانوا يتجاوزون التمني إلى حد الاستجداء، فيرتضون بكل ارادتهم ان تكون «الخصم والحكم» بغض النظر عن رغباتهم وتمنياتهم. في هذا الجو الذي غاب فيه البديل العربي والبدائل الدولية الأخرى، أصبحت الولايات المتحدة في موقع متقدم جداً تستطيع من خلاله استغلال حاجة المفاوضين العرب اليها لتفرض تصوراتها المتوافقة مع مصالحها في المنطقة كجزء حساس من العالم ومن عناصرها: حليفها «العضوي» إسرائيل ومصالحها مع بعض العرب. في ضوء كل ذلك كان كل التعاطي مع الصراع العربي - الإسرائيلي ينطلق من موقع قوة قادر على تطويع المفاوض العربي ولا سيما في اللحظة التي تشتد فيها حاجة الأخير للتدخل الأمريكي. في الانتخابات الأمريكية الاخيرة، اخذت حملة جورج بوش الابن الدعائية على الديمقراطيين والرئيس السابق بيل كلينتون أنهم كانوا يفرضون على اسرائيل والعرب صيغ سلام ليسوا مستعدين لها أو راغبين فيها. ومنذ عودة الجمهوريين إلى البيت الابيض قبل اكثر من خمسة اشهر كانت كل الاشارات الصادرة من واشنطن تؤكد عدم استعجالها ملفات السلام بين العرب وإسرائيل في وقت كانت الانتفاضة الفلسطينية تعيش أوجها للشهر الرابع على التوالي عشية الانتخابات الإسرائيلية التي ذهبت بايهود باراك العمالي وأتت بحكومة وحدة وتحالف بزعامة آرييل شارون والليكود ومشاركة حزب العمل ورمزه شيمون بيريز الاقرب إلى واشنطن في طروحاته الشرق أوسطية الاقتصادية وفي شعاراته التعايشية للمستقبل. غداة تسلمها مهامها باشرت الادارة الأمريكية الجديدة ترجمة اولوياتها في المنطقة بالتركيز على الملف العراقي واستهلت ذلك بغارات على العراق ثم ببدء طبخ المشروع الجديد «للعقوبات الذكية» بالتناغم مع اقرب حلفائها الاوروبيين ، بريطانيا، وسط هذه الظروف ارتفعت اللهجة، عربياً وأوروبياً، تستغرب ما أسمي «تأخر»التدخل الأمريكي لوضع حد للتطورات الدراماتيكية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. اما بالنسبة للبيت الابيض فإن الأمر لا يعدو الا انتظاراً للوقت المناسب للتدخل ولا يجوز تسميته تأخراً خاصة وان محاولات كلينتون في سنته الأخيرة أظهرت ان الوقت غير مناسب بعد للصيغ الأمريكية - الإسرائيلية لما تبقى من المسارات. وبالتأكيد فان جو الانتفاضة المنتعش يجعل الأمر أكثر صعوبة امام صيغ كهذه، ولذلك حين قررّ بوش التحرك مؤخراً استجابة «للاستشارات الإسرائيلية» بعدما حُشِرَ شارون ولا سيما إثر العمليات الاستشهادية «واستجابة لنداءات عربية رسمية واوروبية» تحذيرات من تراجع واشنطن بما يُهدّد مستقبل المنطقة وبالتالي المصالح الأمريكية كان عنوان التحرك سهل القراءة وبما يؤكد نمط التعامل الذي بات معهوداً وان كان تحرك كلينتون اتسم بالسرعة وبالمبادرة أكثر مما يبدو عند خلفه حتى الآن. عشية هذا التحرك صدر في ابريل الماضي تقرير «لجنة ميتشيل» برئاسة السناتور السابق الديمقراطي، جورج ميتشيل ـ والتي ضمت ثلاثة أوروبيين وأمريكيين اثنين وتشكلت قبل مجيء الادارة الحالية ـ بتوصيات وقف اطلاق النار وإجراءات بناء الثقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين ووقف بناء المستوطنات وامكان مشاركة مراقبين دوليين اذا وافق الطرفان، تمهيداً لاستئناف المفاوضات، ظهر جلياً ان الهم الأول هو وقف الانتفاضة دون الالتزام بأي مقابل ملموس، بل ان التحرك الأمريكي المباشر واللاحق يُعتبر متراجعًا عن التقرير ذاته وتوصياته. ان ما يجوز تسميته حقاً إجراماً بحق الانتفاضة في «وثيقة تينيت»، هو المساواة بينها وبين القمع الإسرائيلي، وتحويل أبطالها إلى «ارهابيين» ملاحقين من إسرائيل ومن مواطنيهم في أجهزة أمن السلطة مقابل الحديث عن «أعمال» عنف إسرائيلية.. وأخطر الامور انها اجازت للجيش الإسرائيلي استخدام وسائل «ليست فتاكة» لمعالجة تجمهر الفلسطينيين أو المتظاهرين «لتقليل الخطر» على حياة وممتلكات مواطنين فلسطينيين خلال الرد على العنف. اي انها شرّعت القمع الإسرائيلي لمدنيي الانتفاضة، انما بـ «تقليل الحظر» الذي يمكن تأويله إسرائيلياً بأكثر من تفسير هذا اضافة إلى ان الوثيقة حظرت الانتفاضة عندما نصّت على ان يتفق الطرفان «على فرض مناطق يحظر فيها التظاهر.. ومناطق عازلة». لقد استمرت الانتفاضة شهورا عدة دون ان يظهر خلالها استخدام للسلاح إلى ان تصاعد الارهاب الإسرائيلي وفرض رد الفعل المسلح على مستويات محدودة جداً. الا ان مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية جورج تينيت اراد ان يشطب هذه الحقيقة ويضرب بها عرض الحائط ويفرض على السلطة الفلسطينية ان تتنكر لشعبها وابنائها وتتحول إلى عميل أمريكي - إسرائيلي يعتقل الناشطين ويعتبرهم ارهابيين حيث نصّت وثيقته على ان «تبدأ السلطة الفلسطينية فورا عمليات التحقيق واعتقال الارهابيين في الضفة الغربية وغزة وتزود اللجنة الأمنية» المشتركة مع الإسرائيليين«بأسماء المعتقلين فور اعتقالهم وتفاصيل الاجراءات التي اتخذت».. ثم تنص في بندٍ آخر ان «على السلطة الفلسطينية اتخاذ اجراءات رادعة ضد الارهابيين وأماكن اختبائهم ومخازن الاسلحة ومصانع انتاج قذائف الهاون، وتقدم تباعاً، تقارير عن نشاطها هذا إلى اللجنة الأمنية». وبينما تعطي الوثيقة الاجراءات الأمنية صفة الفورية تترك مجال المناورة مفتوحا امام شارون عندما تتحدث عن فترة اسبوع للاتفاق على جدول «لتنفيذ اعادة انتشار قوات الجيش الإسرائيلي في المواقع التي كان فيها قبل 28 سبتمبر 2000 تاريخ بدء الانتفاضة وعن اسبوع - بدءاً من جلسات اللجنة الأمنية والتعاون الأمني - لوضع» جدول زمني محدد لرفع الحصار الداخلي واعادة فتح الشوارع الداخلية وجسر اللنبي ومطار غزة وميناء غزة والمعابر الحدودية. ومع تفاوت في الالتزامات كان بوسع إسرائيل، ان تتنصل من فك الحصار ومن سحب قواتها من المناطق التي أعادت احتلالها في الاشهر التسعة الأخيرة وان تغتال بنفسها الناشطين بحجة ان السلطة لا تلتزم بما أوجبته الوثيقة. وهو ما جرى ويجري يوميا منذ 31 يونيو الفائت. واثبتت تطورات الساعات التي اعقبت جولة باول ان الوضع الأمني باقٍ كما كان عليه قبل بدئها، حتى الرئيس الفلسطيني تراجع عن مطلبه بتنفيذ توصيات ميتشيل وخطة تينيت كرزمة واحدة وارتضى في النهاية وعد الوزير الأمريكي بوضع جدول زمني قريب لاستئناف المفاوضات تسبقه فترة هدوء تستمر سبعة أيام يعقبها «تبريد» لمدة ستة اسابيع بدءاً من 29 يونيو «واذا كان الهدوء شاملا فاننا سننتقل إلى المرحلة المقبلة أي اجراءات بناء الثقة». لقد ذهب باول بمثل ما أتى به وفسّر «توصيات ميتشيل بتوصيات ميتشيل» ولم يفلح حتى في اعلان موافقة أمريكا على استقدام خبراء دوليين لمراقبة المعابر والعلاقة على الأرض، اذ تراجع عن هذا الاعلان بعد ساعات معدودة نزولاً عند الرغبة الإسرائيلية وعاد إلى الالتزام بالنص الحرفي لما ورد في تقرير ميتشيل حول ذلك، أي «الاستعانة بمراقبين اذا وافق الطرفان». والارجح ان الموافقة تمت الا ان شارون يرفض اعلانها الآن ويصر على تأجيلها إلى ما بعد التثبت من فترة «الهدوء». وواشنطن ليس بوسعها الرفض مطولاً لهذه الفكرة خاصة انها تطالب بمراقبين دوليين في الدول المجاورة للعراق «للسهر» على تطبيق «العقوبات الذكية». والمسعى الأمريكي لمنع تسجيل أي انتصار للانتفاضة على هذا الصعيد مطلب إسرائيلي رئيسي يهدف إلى اضعاف معنوياتها من جهة والى الايحاء بان أي شيء قد يحصل عليه المفاوض الفلسطيني لاحقا هو منّة أمريكية - إسرائيلية وليست نتاج نضال وطني. ووسط هذه الظروف وهذه السياسات، وفي ظل تهاون عربي، ان لم نقل تغطية، قد تلجأ واشنطن وتل ابيب إلى التلويح للسلطة وللعرب المهتمين بان استئناف المفاوضات يلوح في الافق ويعمل شارون في خط موازٍ على تنفيذ بنود خطة «تينيت» التي لا تستطيع السلطة الفلسطينية تنفيذها مع توجيه ضربات نوعية بحجة مكافحة الارهاب ويكون مع ذلك ملتزماً بهذا الاتفاق! معتمدا على تغطية كافية أمنتها له زيارته الأخيرة لواشنطن وجولة باول في المنطقة. في المقابل، يفرض هذا الوضع على المفاوض الفلسطيني مأزقاً حرجاً. فلا هو قادر على معاندة الأمريكيين ولا على التنصل من التعاون الأمني خصوصا بغياب سند عربي - ولو معنوي يعينه على ذلك، كما انه غير قادر على رفع مسئوليته عن الانتفاضة وما يرافقها من تفاعلات بين الحين والاخر. في هذا الظرف الدقيق لا مجال للانقاذ الا في الانتفاضة ذاتها انما مع اعتبارات مستجدة إذ بوسع الانتفاضة ان تمسك بزمام المبادرة بالتوفيق بين تصعيد التحرك الشعبي المدني وتجنب كل ما من شأنه تضييق الخناق على السلطة الفلسطينية وهذا هو الخيار الوحيد ربما لسحب البساط من الحجج «الأمنية»التي يتمسك بها الأمريكيون والإسرائيليون اولا وللحفاظ على الوحدة الوطنية الفلسطينية ثانيا ولعدم اضعاف السلطة ومعها المفاوض الفلسطيني ثالثا، وأخيرا، علّ وعسى، اعادة احياء التضامن العربي مع الانتفاضة. والمهمة هذه شائكة للغاية.. ففي خطة تينيت بند يفرض على السلطة الفلسطينية ان تعتقل وتلاحق كل من «يحرض» ويعبئ على ما تسميه اعمال الارهاب.. وكولن باول تمسك بشروط المراحل الأمنية السابقة لأي استئناف للمفاوضات «هدوء مستمر تم تبريد ثم اجراءات بناء ثقة». ومن المنطقي جدا اعتبار هذه المهمة شائكة ودقيقة بنفس القدر الذي ستكون فيه المواجهة حامية الوطيس ومفتوحة الاحتمالات في حال الفشل النهائي لوقف اطلاق النار. الجهود الأمريكية وجولة باول هدفت إلى التأكد والتأكيد على ان الانفجار العام ليس وارداً. يبقى الاحتمال الأول وما يتطلبه من جهد فلسطيني فوق العادة. ثم هل يمكن الالتفاف على الضغوط الأمريكية وتغطيتها للغطرسة الإسرائيلية الا باجراءات فوق العادة أهل الانتفاضة هم ادرى الناس بها؟ بقلم: د. الياس البراج ـ كاتب لبناني