هل يمكن تثمين جولة وزير الخارجية الأمريكي كولن باول، باعتبارها أول بادرة وساطة حقيقية لإدارة بوش؟ أم أنها مجرد تحرك - في إطار تحركات سابقة - لا يعنيه سوى محاصرة ما أطلقوا عليه العنف المتبادل بهدف ضمان أمن إسرائيل أولا وأخيرا؟ منذ البداية حرصت إدارة بوش على عدم الإنغماس في التفاصيل - كما حدث في عهد كلينتون - من ثم كان سقف تدخل تلك الإدارة في مجريات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي منخفضا، ولم يكن يعني وصول جورج تينيت مدير الـ C.I.A تحريك السقف إلى أعلى، بقدر ما كان يعني إخماد ألسنة اللهب المتصاعدة، حتى لا يخرج الحريق عن السيطرة تماما. وقد جاءت جولة باول على أرضية ثلاث مبادرات، تمثلت الأولى في قبول واشنطن بتقرير ميتشيل، ثم تعيين مبعوث خاص لمتابعة عملية السلام - بعد فترة من الرفض لوجود مسئول مكلف بهذه المهمة على غرار روس- (وأخيرا تكليف تينيت بالسفر إلى المنطقة، وأعداد خطة تضمنت بنودها التوصل إلى وقف إطلاق النار، مع التجاوز - تماما - عن التسوية الظالمة بين الجلاد والضحية! وربما لأن أيا من المبادرات الثلاث لم تؤت الثمار المرجوة، فإن بوش لم يجد بدا من تكليف باول بزيارة المنطقة لبذل جهود للحفاظ على وقف النار. والبناء عليه، غير أن باول في طريق عودته إلى واشنطن لم يخف تشاؤمه إزاء الوضع، في ظل ما يشبه الاستحالة في تقارب وجهات النظر الفلسطينية والإسرائيلية، وألمح باول - في ذات السياق - إلى إمكان تبني الإدارة الأمريكية لأساليب وأفكار جديدة للتعامل مع الوضع المتردي في الشرق الأوسط. غياب الرؤية الواضحة ان التحفظ الأول على حديث باول في ختام جولته - عن إساليب وأفكار جديدة، يظل متعلقا بأنه مع إستمرار غياب رؤية استراتيجية واضحة، والتظاهر بحياد زائف، فإن أي محاولة لطرح مشروع جديد لتسوية أو حتى وساطة تسعى لحل الصراع محكومة بالفشل، لأن آليات الاقتراب - عبر قراءة موقف إدارة بوش المعلن - يبقى بعيدا عن التعاطي مع حقائق الأمور وجوهر الصراع، بل الإصرار على فرض مرجعيات تبتعد كثيرا عما حددته الشرعية الدولية. من ثم فإنه إذا كان باول - ممثلا للإدارة الأمريكية - يريد حقا اللحاق بالعربة الأخيرة في قطار السلام، فإن التوقف كثيرا أمام بنود خطة تينيت، أو تقرير ميتشيل باعتبارهما نهاية المطاف يعني - بكل تأكيد - أن باول وإدارته لن يستطيعا اللحاق بالعربة الأخيرة، التي يمكن بالقفز إليها النجاح في إعادة توجيه قطار السلام إلى محطته النهائية في الوقت الذي يعني فيه الفشل أن يفقد الجميع أي قدرة على السيطرة على حركة القطار، مما يؤدي - بالتالي - إلى خروجه عن نطاق السيطرة، وما يترتب على ذلك من وضع المنطقة على حافة حرب لايمكن التكهن بنطاقها! وإذا كان باول قد زعم في نهاية جولته، أن الوسطاء جربوا كل شئ تقريبا، ولم يحدث تقدم. وأنه من المحتمل أن تواجه المنطقة فترة طويلة من عدم الاستقرار، إلى أن تطرأ أحوال جديدة تسمح بالتحرك للأمام فإن وزير الخارجية الأمريكي يتجاهل - بجدية - وعن عمد السير في أقصر الطرق، وأكثرها أمنا، عبر تبني خيار تسوية السلام الشامل، وعدم قصر الدور الأمريكي على مهمة وقف العنف، الأمر الذي يتطلب إعادة الولايات المتحدة لتقويم سياستها في الشرق الأوسط، والمثير أن الذي حدد معالم هذا الطريق على النحو الذي حملته السطور القليلة السابقة هو الدبلوماسي الأمريكي إدوارد جير يجيان الخبير في دروب الشرق الأوسط عبر العديد من المهام التي كلف بها في أكثر من إدارة سابقة، وتأتي روشته جيريجيان كوصفة ناجعة تتجاوز المسكنات والمهدئات ( التي قد تنجح - قليلا - في تسكين الآلام، لكنها - بالقطع - لن تستطيع إرساء أسس سلام شامل يستند إلى مرجعية مقبولة من كل الأطراف. الاقتراب غير المباشر لقد أكد باول أن واشنطن سوف تظل في كل الأحوال، مشاركة في الجهود الدبلوماسية المبذولة، من خلال إجراء الإتصالات الهاتفية ودراسة أفكار وأساليب جديدة لم يكشف النقاب عنها، ويبرز ذلك - مرة أخرى - بوضوح لا يحتمل أي لبس غياب استراتيجية أمريكية - في ظل إدارة بوش - تستهدف التعاطي مع منطقة الشرق الأوسط، اعتمادا على تطبيقات ركيكة لنظرية الاقتراب غير المباشر وفكرة إدارة الأزمة دون حلها ! ثم محاولة فرض تناول الأزمة المتفجرة - التي لا تحتمل التأجيل أو التبريد - في إطار إقليمي، أي أن على الفلسطينيين والعرب الصبر حتى تعيد واشنطن رسم خريطة المنطقة، وتفكيك أزماتها! هكذا فإن جولة باول، لم تفعل سوى أن أكدت العودة إلى المربع رقم 1 على أحسن التقديرات، وأكثرها تفاؤلا! حتى أن مسئولا إسرائيليا رفيعا قال أنه لا يفهم شيئا مما يقوم به باول.. لا توجد سياسة أمريكية. مازالوا لا يعلمون ما يفعلونه في الشرق الأوسط ! هذا في الوقت الذي تؤكد فيه كل الرسائل الصادرة عن واشنطن على تطابق المواقف الأمريكية الإسرائيلية تجاه عملية السلام! فإذا أضفنا إلى ذلك الحقائق التالية: - أن باول قبل أن يتحرك من واشنطن أكد أنه لا يحمل أفكارا أو خططا جديدة. - أن تحرك باول - وفق تصريحاته شخصيا - لن يرتبط بجدول زمني. - تأكيد وزير الخارجية الأمريكي في نهاية جولته على أن شارون سيكون الحكم الوحيد الذي يقرر ما اذا كان عرفات قد حقق الهدوء التام أم لا؟ - إنهيار إتفاق باول اذا ما أجزنا الوصف - بعد ساعات من مغادرته المنطقة، وقبل أن يمضي يوم واحد على عقده. إن تلك الحقائق التي يمكن إضافة العديد من نوعها - تطرح السؤال المحوري فيما يتعلق بجولة باول، وتوابعها، على النحو التالي: في أي مجرى تصب جهود الوساطة الأمريكية؟ - أمن إسرائيل المطلق.. فحسب وإنقاذها من مأزق الإنتفاضة - الإطار الاقليمي للحل الذي لا يرتبط بجدول زمني محدد - إجهاض أي تحرك دولي أو أوروبي بالتنسيق مع قوى عربية لتوفير الحماية للشعب الفلسطيني الأعزل. - العودة إلى مفاوضات الخطوة بخطوة. - وقف الإنتفاضة وبلورة إطار إتفاق يفرض على الفلسطينيين. - وضع عملية السلام في غرفة العناية المركزة حتى لا تدفن فقط. إن أي بديل من تلك البدائل يقود - بالضرورة - إلى فقدان السيطرة على الموقف، وإنزلاق المنطقة إلى المجهول، خاصة وأن إسرائيل تصر على عدم التعامل مع توصيات تقرير ميتشيل كـ حزمة واحدة خاصة فيما يتعلق بقضية وقف الاستيطان، من ثم فإن أي ضغوط للقبول بالانتقائية الإسرائيلية فيما يتعلق بتقرير ميتشيل، ووضع بنوده على الأرض تقود إلى دوامة الدخول في الوقت غير المقدس والتسويف والتجزئة، الأمر الذي يعني - عمليا - أن جهود الوساطة الأمريكية تصب في بئر بلا قرار، أو في صحراء مكشوفة تحت شمس حارقة ليس إلا! ويصبح الجنرال يأس هو البطل في ظل أي سيناريو يتم صياغته بالمفردات التي تشكل الصورة الراهنة في المنطقة. وإذا كان لنا أن نطرح السؤال بصيغة أخرى: الوساطة الأمريكية إلى أين؟ فإن العودة إلى روشتة جيريجيان يمكن أن تكون أكثر فاعلية وفائدة من أي حديث حول تنفيذ توصيات لجنة ميتشيل لأكثر من سبب، لا يتعلق بمآخذ يمكن رصدها بشأن التقرير، ولكن لأسباب تتعلق بما يمكن وصفه - تجاوزا - بجهود باول خلال جولته: أولها: أن باول نفسه لم يحدد متى تبدأ فترة الهدوء أو تعريفه لمفهومه. ثانيها: أنه في ظل المعطيات القائمة فعليا فإن أي إطلاق للنار - خاصة في ظل غياب مراقبين دوليين سيعيد الموقف إلى النقطة التي بدأ منها، خاصة بعد تراجع باول عن تأييده لإرسال مراقبين للمنطقة. ثالثها: إنه يكاد يكون مستحيلا تثبيت وقف إطلاق النار لمدة أسبوع على الأقل حتى تستطيع واشنطن التدخل لتنفيذ بقية توصيات لجنة ميتشيل. رابعها: الشرط التعجيزي المتعلق بفترة التبريد التي تستمر ستة أسابيع والمتعلق بأي خرق خلال تلك الفترة فانه يعنى اعادة حساب الفترة من البداية مرة أخرى لستة أسابيع!! على العكس من ذلك فإن ماطرحه جيريجيان يذكر كل الأطراف ربما في ذلك الراعي الأمريكي - بأن أي جهود سلمية حققت انجازات ايجابية ملموسة كانت نتاجا لدور قيادي تلعبه واشنطن عند قمة الهرم السياسي الرئيس ووزير الخارجية حدث ذلك منذ السبعينيات على أيام نيكسون وكيسنجر، مرورا بالثنائي كارتر وفانس، وصولا الى جهود بوش وبيكر، وأيا كانت المآخذ التي يمكن رصدها على ماتحقق من نتائج. ان روشتة جيريجيان الذي يدعو بوضوح الى ضرورة اعادة تقويم الدور الأمريكي في الشرق الأوسط لبناء استراتيجية تؤخر جهود اقرار للمصالح الأمريكية في المنطقة ليست ملائمة فقط للفلسطينيين والعرب، ولكن للمصالح الأمريكية في المنطقة، بل ولاستقرار الوضع داخل الكيان العبري الذي أصبح يعاني على كل الأصعدة أكثر من أي وقت مضى، حتى أن بيريز وصفه بأنه الأسوأ منذ اعلان قيام الكيان عام 48! باستطاعة العرب استخدام كل أوراق الضغط والتأثير المتاحة حتى تتبنى ادارة بوش روشتة جيريجيان بدلا من الوقوع في اسر تقرير لجنة ميتشيل ودوامة آليات تطبيقه لأن التقرير في جوهره لا يسعى لأكثر من اقرار اجراءات من ثقة تركز على الجوانب الأمنية، ممايفتح الباب على مصراعيه للجلوس الى طاولة مفاوضات لا تقود الى أي حل عادل وشامل، مادام جدول الاعمال ينشغل بقضية الاستيطان ويبتعد عن قضية اغتصاب الأرض، أو يتبنى مسألة تحقيق الأمن بعيدا عن تحقيق السلام العادل وحق الفلسطيني في تقرير مصيره واستعادة وطنه. ان اقصى ماتقدمه توصيات تينيت وميتشيل لا يقترب من ملامح الوضع الدائم، بما يعنى أن الالتزام - أو فرض الالزام - بالدخول في مفاوضات على أساس غير مرجعيات الشرعية الدولية، لا يعنى سوى التورط في مفاوضات حول ترتيبات انتقالية فحسب! روشتة جيريجيان ليست وصفة سحرية، ولكنها مهمة من زاوية أنها شهادة شاهد من أهلها.. فهل يطالب الفلسطينيون والعرب ادارة بوش ووزير خارجيته باول بأن تكون أي وساطة أمريكية جديدة، أو مشرع للتسوية انطلاقا من أفكار جيريجيان اذا كانت الولايات المتحدة جادة في الا تتفاقم الأوضاع بالدرجة التي تؤثر على مصالحها؟ ان نصف الاجابة - على الأقل - في يد العرب، إن هم اجادوا اللعب بكل أوراقهم، بما في ذلك ورقتي أوروبا والأمم المتحدة. ثم يأتي دور باول وبوش اذا كانا حريصين على المصالح التي قد تتعرض لتهديدات حقيقية، وربما تبنى بوش ووزير خارجيته طمعا في اجتياز بوابة التاريخ عبر انجاز تاريخي هائل داعب خيال كلينتون طويلا. بقلم: علاء عبدالوهاب ـ كاتب مصري