في أول تصريح صحافي أطلقه من القدس ـ خلال جولته الأخيرة ـ قال وزير الخارجية الأمريكي كولن باول: (آمل أن تسفر زيارتي عن البدء بتنفيذ ما جاء في تقرير ميتشيل، فهذا هو الشيء الوحيد الذي علينا التعامل معه الآن). تأسيسا على مضمون هذه العبارة ـ التي تحمل كل ألوان الفهم ـ يمكننا التعاطي مع الجولة الثانية لباول في المنطقة الأشد سخونة في العالم اليوم، بل والأشد خطورة من منظور المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية. وإذا كان تنفيذ مضمون تقرير ميتشيل هو الأساس في المهمة الجديدة لكولن باول، فإن هذه المهمة محكوم عليها بالفشل سلفا من منطوق اسرائيلي رسمي وبارادة اسرائيلية صرفة، فقد شكك رئيس الحكومة الاسرائيلية ذاته في فرص نجاح وزير الخارجية الأمريكي في مهمته الجديدة في الشرق الأوسط، برغم تفاؤل وزير خارجيته شيمون بيريز الذي أشار إلى انه «بالجهد والصبر يمكن تضييق الفجوات بين الجانبين» الاسرائيلي والفلسطيني. لقد كانت خطة ميتشيل الاطار «السياسي» لحل الأزمة الأخيرة ـ بين الاسرائيليين والفلسطينيين ـ فيما جاءت خطة تينيت لتشكل النطاق «الأمني» المكمل لها.. وبين الخطتين تخبطت الحكومة الاسرائيلية كثيرا، لانها لم تجد فيهما البلسم الشافي لمجمل أوجه أزمتها ـ الداخلية أساسا ـ من دون أن تسهم في دفع أية كلفة مهما كانت زهيدة للغاية.. بالرغم من ان الشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية ومعظم فصائله السياسية ـ والميدانية منها بوجه خاص ـ هي الخاسر الأول من جراء تطبيق مضمون «ميتشيل» و«تينيت» معا، لا سيما في ظل استمرار التعنت الشاروني الذي يسعى باصرار متغطرس على قلب الحقائق رأسا على عقب. لذا، فإن الجولة الجديدة لرأس الدبلوماسية الأمريكية لن يكتب لها أي نجاح.. خصوصا في ظل عدم توافر أية استراتيجية واضحة المعالم لدى الادارة الأمريكية تجاه الأزمة الناشئة اليوم في مجرى الصراع العربي الاسرائيلي عموما، وفي الحالة الفلسطينية ـ الاسرائيلية القائمة على أرض مشتركة من الدم والبارود على وجه الخصوص.. إن هذه الجولة لم تتضمن قط صولة سياسية من شأنها أن تعيد رسم المواقع والمواقف على خارطة أشرس أزمة تشهدها المنطقة منذ ابرام اتفاقية السلام الفاشل بين السلطة الفلسطينية والحكومة الاسرائيلية. فإذا عاد كولن باول الى واشنطن، فيما النار مازالت تشتعل في المنطقة.. فهل يمكن لعاقل أن يعتقد بأن ثمة قيمة ـ ناهيك عن نجاح ـ لهذه الجولة التي أقل ما توصف بها انها كانت جولة «سياحية».. ليس إلا!! حسن عبدالوارث