جاءت زيارة وزير الخارجية الامريكي كولن باول الى المنطقة بعد تينيت «مدير المخابرات المركزية الامريكية» وقد اتى من قبل مسئولون امريكيون كثيرون مثل مبعوث باول الى الشرق الاوسط وليم بيرنز وسيأتي من بعدهم آخرون اكثر منهم الا ان المطلوب يبقى واحدا. وهو عربيا: ازالة الاحتلال الاسرائيلي كاملا عن الارض العربية في فلسطين بما فيها القدس وفي الجولان وفي جنوب لبنان. وهو اسرائيليا: تعميق حالة الاستسلام العربية وتحقيق الامن الاسرائيلي وابقاء القدس عاصمة موحدة واستمرار الاستيطان وحكم ذاتي محدود وغير واضح المعالم للفلسطينيين. ومواصلة الهيمنة الاسرائيلية على المنطقة كلها. وهو امريكيا: اسناد دائم للكيان الاسرائيلي وضغط متواصل على العرب وفي طليعتهم الفلسطينيون للقبول بالامر الواقع وانهاء حالة المقاومة المسلحة او شبه المسلحة او السياسية للوجود الاسرائيلي وتحويل صراع الوجود الى نزاع حدود.. محدود ويبقى على هامش هذا المطلوب للاطراف الاساسية مناورات سياسية مكشوفة او خفية وادوار لاطراف اخرى من ضمنها الاتحاد الاوروبي والتي لا تعدو ان تكون مكملة للدور الامريكي لتجميل الصورة ووضع ما يسمى بـ «الشرعية الدولية» غطاء تزيينياً لها ليس الا ومع هذا فإنني اعني العرب جميعا نغرق في شبر ماء ونتلهى بالوعود ونبيع انفسنا احلاما يسوقونها علينا بسهولة! ولهذا نعجب لهذه الزيارات الامريكية المكوكية الى المنطقة التي لم تنقطع منذ اكثر من ربع قرن والتي لم تتغير اسسها ولم تكشف عن انها ذات جدوى لا تنفع العرب هذا اذا لم تضر بمصالحهم ومواقفهم وتحبط اهدافهم القومية القريبة المدى والبعيدة المدى على السواء. ومن هنا سيظل على العرب عامة والفلسطينيين خاصة ان يستقبلوا المزيد من المبعوثين الامريكيين دون ان يتحقق من وراء ذلك سوى ضخ اعلامي متصل لا يزيد مفعوله على «غثاء السيل» ولا تتحقق منه اية فوائد الا اضعاف الروح المعنوية للمقاومة وكسر ارادة الامة. كل الجهود الدولية معبأة ومكرسة هذه الايام لتثبيت وقف اطلاق النار الذي لم يتوقف ولن يتوقف طالما ظل الفراغ السياسي قائما وطالما يظل التعامل مع القضية كمشكلة امنية فقط وتخص الطرف الاسرائيلي فقط. وقد كانت ذروة هذه الجهود الزيارة التي قام بها باول للمنطقة والتي عمل شارون كل ما باستطاعته من اجل اجهاضها خوفا من ان يترتب عليها اي التزام اسرائيلي بمطالب امريكية مهما كانت متواضعة وهزيلة بعد ان توقع ان يطلب باول تنفيذ توجيهات ميتشيل واهم ما فيها مطالبة اسرائيل بتجميد الاستيطان مقابل تنفيذ السلطة الفلسطينية للمطلوب منها بموجب ورقة تينيت الى جمع السلاح واعتقال النشطاء ووقف التحريض مما يعني ليس انهاء الانتفاضة بل تجريد الفلسطينيين من اية امكانية متوفرة لديهم لاستئناف اي شكل من اشكال المقاومة اذا دعت الحاجة لذلك. حتى هذا المطلب الصغير الهزيل لا يوافق شارون على مجرد الاستماع اليه من الضيف الامريكي الحليف فمن الواضح ان شارون لا يريد من وقف اطلاق النار ان يكون مقدمة للتفاوض على الحل النهائي بقدر ما يريده فرصة لتحصين الموقف الامني الاسرائيلي وسد الثغرات الامنية التي كشفتها الانتفاضة خاصة بالنسبة لأمن المستعمرات والطرق المؤدية اليها حتى يتمكن بعد ذلك من الانقضاض على السلطة الفلسطينية والانتفاضة لتدمير كل ما تبقى لدى الفلسطينيين من امكانات التمرد على الاحتلال وآخر ما يريده شارون هو الوصول الى مائدة المفاوضات لأنه ليس لديه ما يقدمه كما انه لا يريد افساح المجال عندئذ لأية ضغوط تطالبه بتنفيذ الحد الادنى من متطلبات التوصل الى تسوية، فقد اعلن اكثر من مرة انه ليس بصدد تسوية نهايته بقدر ما سيسعى الى التوصل الى هدنة مفتوحة غير مسلحة. ولا يخفى ان التحرك الامريكي الاخير والذي يمثله باول يسعى الى الوصول الى حالة تهدئة وكسب الوقت من خلال اختبار زمني لنجاح خطة تينيت ثم السير في جدول زمني متراخ لتطبيق تقرير ميتشيل وبعد ان ينجح كل هذا تتم العودة الى طاولة المفاوضات وحسب سيناريو الايام الاخيرة فإن المطلوب اليوم هو العودة الى خطوط 28 سبتمبر للعام 2000 وليس العودة الى حدود الرابع من يونيو عام 1967. ومن المؤكد بأن زيارة باول تأتي لتكتمل الحلقة المزدوجة للجهود الامريكية والتي قام بها اثنان الاول «ويليام بيرنز» المبعوث الامريكي الجديد ومحاولاته لتثبيت اجتماعات التنسيق الامني بين الوفدين الفلسطيني والاسرائيلي بهدف احتواء الانتفاضة، والثاني هو جورج تينيت مدير المخابرات المركزية الـ «سي. اي ايه» وهو مسئول من العيار الثقيل وقامت امريكا بايفاده خصيصا من اجل وضع الاسس الرئيسية للترتيبات الامنية بين الفلسطينيين واسرائيل اعتمادا على ما يتمتع به «تينيت » من موهبه فلا ينسى له انه اضطلع بمهمة بالغة الاهمية وقت ان كان كلينتون رئيسا عندما قام بصياغة معظم الاتفاقيات المبرمة بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي حول الموضوعات الامنية وتطبيقها على ارض الواقع ولهذا بادرت امريكا واوفدته عله يحسم العملية ويثبت وقف اطلاق النار الذي كان عرفات قد اعلنه الشهر الماضي بعد ضغوط مكثفة مورست عليه من امريكا بعد عملية تل ابيب ولابد ان يكون معلوما ان امريكا لم تتحرك وتبذل هذا الجهد الا من اجل اسرائيل ودعمها في التكتيك الذي تتبناه لوأد الانتفاضة. وأمريكا ليست غائبة عما يحدث في المنطقة من وقائع وهي تدرك ان اسرائيل كاذبة حينما تدعى انها تتشبث بضبط النفس ووقف اطلاق النار وتدرك ان اسرائيل استمرت في عدوانها على الفلسطينيين واجتياحها لمناطقهم و مع ذلك هي تنحاز الى اسرائيل وتدعمها في كل خطوة وترفض الالتزام بوضع جدول زمني لتنفيذ حقيقي لتقرير لجنة ميتشيل الذي لن تقبل اسرائيل ان تطبقه ابدا بحيث يتزامن بحث الملفين السياسي والامني معا. الامريكيون متواجدون على ارضية العملية السلمية وعلى ارضية ازماتها المتفجرة ومع هذا يطلب الجميع منهم المزيد ويقصد بالجميع (الفلسطينيون والعرب) بل ان التعليقات والمواقف التي تنشرها وسائل الاعلام والصحافة في الدولة العربية تتذمر من تقاعس الدور الامريكي من اجل حل مشكلة الشرق الاوسط. لا شك ان للانحياز الامريكي لاسرائيل دورا في تدهور الاوضاع مع ان هذا الانحياز ليس جديدا بل كان موجودا منذ توقيع معاهدة كامب ديفيد بين مصر واسرائيل مروراً بمؤتمر مدريد وتوقيع اتفاقية اوسلو وواشنطن مع الفلسطينيين ومعاهدة وادي عربة بين الاردن واسرائيل واليوم وفي ظل المواجهة الساخنة في فلسطين فإن الامريكيين وحدهم هم الموجودون على ساحة الازمة لانهم اصحاب وثيقة تينيت وتقرير ميتشل ولهم مبعوث مقيم ووزير خارجيتهم الجديد جاء الى المنطقة مرتين خلال ستة اشهر وهكذا يبدو ان المشكلة ليست في الموقف الامريكي او بانحيازه الى اسرائيل وانما في عدم الانحياز العربي للقضايا والمصالح القومية فالتحرك الامريكي كان يمكن ان يكون اقل انحيازاً لاسرائيل واكثر فائدة لحقوق الفلسطينيي والعرب لو عرف العرب كيف يتعاملون مع اوراقهم الخاصة وفي كيفية استثمار جهودهم وقوتهم السياسية والاقتصادية والاعلامية من اجل التأثير على القرار والتوجهات الامريكية والذين لم يحسنوا استثمارها واكتفوا بتوجيه انتقادات خجولة لهذا الانحياز. ان المطلب الفلسطيني بارسال مراقبين دوليين ورغم مشروعيته الا انه سيواجه برفض اسرائيلي شديد لانه ببساطة يعني لهم بدء تحقيق مكاسب فلسطينية تكون مؤشراً لسلسلة من التنازلات يرفضون من حيث المبدأ طرح النقاش حولها، وتأسيساً على الانحياز الامريكي لاسرائيل فإن هذا المطلب الفلسطيني سيكون بعيد المنال. من المؤكد ان زيارة باول للمنطقة هي في الاساس لدعم اسرائيل في مواقفها. فجرعة الاهتمام التي ظهرت اعراضها فجأة على الادارة الامريكية سواء عبر سلسلة الاتصالات التي اجراها بوش مع كل من الرئيس مبارك وعرفات وشارون انما هدف من ورائها الى لجم الانتفاضة ودعم موقف اسرائيل ولم تكن الاتصالات هذه من اجل عيون العرب. باول يأتي الى المنطقة في محاولة لدعم وقف اطلاق النار الهش بين الطرفين وهو معني بالاساس بوقف الانتفاضة فهي التي تمثل على حد زعمهم العنف والارهاب والتحريض. والحقيقة ان أحداً لم يقل بأن باول قد فشل في زيارته بل استقبل من قبل الجميع بالترحاب والتأييد، فعلى الصعيد السياسي يصعب تحديد قيمة النجاح التي حققتها الجولة، لكن النجاح واضح تماماً على الأرضية الأمنية للمواجهة، فالانتفاضة خفت حدتها وتراجعت فعالياتها التي تعودنا عليها خلال الاشهر التسعة الماضية واسرائيل بدأت تفقد مبرراتها واعذارها السابقة لمواصلة اعتداءاتها الواسعة على الفلسطينيين. كل هذه المتغيرات ستشجع باول وربما الرئيس بوش على مزيد من خطوات العودة للانخراط في عملية البحث عن سلام على المسار الفلسطيني الاسرائيلي وهذا بالتأكيد سيلاقي التشجيع من الدول ا لعربية المعنية ومن دول الاتحاد الأوروبي وربما روسيا وغيرها. العودة السياسية للأمريكيين (التورط) في البحث عن حلول بالمنطقة لا تزال تتخذ مظهر الانحياز لاسرائيل لكنها مع ذلك وفي الجوهر هي ضد رغبات شارون وحلفائه المتطرفين داخل الحكومة الذين لا يريدون التعامل إلا مع الحل العسكري والحل الأمني لفرض أمر واقع الاحتلال على كل الفلسطينيين ومن مصلحة الفلسطينيين والعرب تشجيع الولايات المتحدة على العودة السياسية للمشكلة، فهذا أفضل خيار ضمن الخيارات المطروحة. بقلم: ماهر الشوابكة ـ صحفي أردني