بينما راحت يدي تربت على كتفه ونحن نتبادل التحية على الطريقة السودانية، كدت اهتف في وجه ضيفي: (سبحان مغير الاحوال من حال إلى حال.. حقا لو دامت لغيرك لما آلت اليك) حيث مرت في خاطري بسرعة وقائع لقاء مماثل معه قبل ثلاث سنوات في ذات المكان! حينذاك كان الدكتور علي الحاج محمد احد المتنفذين في حكومة السودان باعتباره نائبا للزعيم الاسلامي المعروف الدكتور حسن الترابي الذي كان حينها ممسكا بكل مفاصل السلطة، دون ان يشغل منصبا رسميا محددا! يومها (قبل ثلاث سنوات) كان الدكتور علي الحاج متشحا بكل وجاهة السلطة وبريقها وكان محاطا بمجموعة من مساعديه، ومعارفه ممن تربطهم به وشائج الانتماء للتيار الاسلامي الحركي، كانوا «ملتصقين» به حتى ان بعضهم اصر على متابعة الحوار من اوله لآخره. واليوم ها هو ذا امامي مجردا من كل «اكسسوارات» السلطة بعد ان دارت الايام دورتها ليجد نفسه لا خارج دائرة السلطان فحسب بل طريدا وملاحقا بجلاوزته! بعد ان تم أقصاء «شيخه» ومن تبعه حتى من حلبة الصراع، ليزج به لاحقا في السجن، وليفر من فر ومنهم صديقي الذي يقف امامي وحيدا هذه المرة لا يرافقه سوى صبي مهذب مهندم في نحو الثانية عشرة من عمره وقدمه لي: عبدالمنعم.. إبني. وبدا صديقي شاحبا ونحيلا، حتى انني فاجأته بالسؤال بعفوية: ما بك؟ هل هو السكري؟ فأجاب بهدوء: لا بل الخوف منه.. فرجل في سني تجاوز الستين ينبغي ان يحتاط. وعاجلته (بخبث): وربما بفعل البعد عن الوطن والاهل.. فلم يشأ ان يعلق، وهنا كانت جلستنا قد اكتملت في ذات الركن الذي شهد حوارنا قبل ثلاث سنوات (بالضبط) في احد الفنادق بدبي. طرحت عليه هذه الملاحظة مستغربا من هذه المصادفة الغريبة (نفس المكان في نفس التاريخ) فشاركني الدهشة.. وردد مرتين: شيء عجيب.. شيء عجيب. وكان ذلك مدخلا مناسبا للحوار المطول الذي نشر الجزء الاول منه امس ونتابع هنا الجزء الثاني : ـ ذكرت قبل قليل ان الانتخابات الاخيرة كانت كلها مزورة، بكل الصدق ما مدى مصداقية الانتخابات السابقة التي كانت تتم وانتم داخل السلطة؟ ـ بكل امانة انا لا ادري مدى مصداقية كافة الانتخابات، ولكنني وفقا لما سمعت الان فان بعض الانتخابات كانت مزورة واخص بالذكر انتخابات المؤتمر الوطني التي اسفرت عن اختيار غازي صلاح الدين العتباني ليصبح امينا للحزب الحاكم، هذه الانتخابات كانت مزورة، وعلمت مؤخرا ان المرشح المنافس للعتباني، وهو الان سفيرنا في طهران، كان فائزا في الاقتراع الذي تم ولكن اعلن في حينه ان العتباني هو الفائز، وهنالك من حدثني بالامر في حينه واثار الشكوك لكنني استنكرت بشدة ووبخت من أرادوا اثارة الموضوع ولم اكن لاصدق حدوث تزوير، ولكنني الان علمت انني كنت مخطئا وان من قالوا بوجود تزوير كانوا على حق. ـ هل يمكن ان ينسحب هذا على الانتخابات الاخرى مثل انتخابات طلاب الجامعات أو المحامين أو غيرهم؟ ـ نظريا يمكن ان ينسحب الامر على أى شيء ولكنني الان واثق تحديدا من الواقعة التي ذكرتها. ـ في فترة لاحقة اثار وزير التربية والتعليم السابق حامد تورين شبهات حول تزوير انتخابات المؤتمر الحاكم، وقال ان اسمه اسقط عمدا، لكنكم قمعتموه ولم يتحرك احد لمناصرته. ـ هانذا اعترف بأن هنالك عمليات تزوير حدثت، ولم نستوثق منها الا مؤخرا. اما انتخابات رئاسة الجمهورية الاخيرة فلا شكك انها شهدت تزويرا ضخما، فقد كنا قد خصصنا غرفة عمليات لمتابعة ومراقبة الاقتراع رغم مقاطعتنا للانتخابات، ورصدت فرقنا حالات تزوير عديدة. ـ بالطبع هذه شهادة مجروحة لانكم الان في موقع الخصم؟ ـ نعم ولكني اورد ذلك في اطار الحديث عن التزوير الذي اثرته انت.. وهذه شهادتي ان كنت ترغب في تسجيلها والا.. فيكفي ما قلت. ـ هل لديك ما تضيفه فعلا في هذا الجانب؟ ـ اوضح فقط اننا نملك ادلة قوية على حدوث هذا التزوير من خلال اناس محسوبين علينا قاموا بالادلاء بصوتهم اكثر من مرة ورصدنا كل ذلك لنكشف حقيقة ما يحدث، خلاصة القول ان هنالك تزويرا «بطال» ولا تسألني من ارقام.. خليها .. خليها. ـ هل تريد ان تكرر قولتك «خليها مستورة» عندما سئلت عن الفساد في طريق الانقاذ؟ بالمناسبة ما هو هذا الشيء الذي تريد ان يظل مستورا في قضية الطريق؟ ـ لا املك اي اضافة لقولي «خلوها مستورة» وأفهمها كما تريد. ـ هل هنالك تلاعب فعلا في اموال هذا الطريق؟ ـ لا اود ان اضيف شيئا على ما قلت.. وهو ان كل ما يتردد في هذا الصدد افك والغرض الرئيسي من ذلك هو صرف انظار الناس عن قضية الطريق نفسه، السؤال الكبير الذي ينتصب في هذا المقام هو: اين الطريق نفسه؟ واين ذهبت الاموال؟ ـ انتم متهمون باختلاسها وتبديدها. ـ اذن لماذا لم يعتقلوننا أو يحاسبوننا، هذا كلام اصبح ممجوجا. ـ لكن تردد ان رجل الاعمال المعروف آدم يعقوب توصل إلى تسوية بشأن المبالغ التي تخصه؟ ـ فليكن.. انا شخصيا ليس لدى ما يدفعني إلى التوصل إلى تسوية. صراع البشير والترابي ـ اعود مجددا إلى سيرة الدكتور الترابي واسألك عن متى بدأ ولماذا انفجر الصراع بينه وبين البشر؟ ـ ليس هنالك صراع بينه وبين البشير على الصعيد الشخصي، كل ما تم بشأن الانقاذ كان يتحمل مسئوليته الترابي كأمين عام للحركة الاسلامية ونائبه آنذاك علي عثمان ونحن معهما في قيادة الحركة الاسلامية.. البشير لم يكن جزءا من هذا. ـ الم يكن عضوا بالحركة الاسلامية؟ ـ بلا ولكنه كان بعيدا عن الترتيبات السياسية بحكم وضعه العسكري الذي كان يمنع الانتماء الحزبي العلني، اقصد انه لم يكن في الدائرة التي كانت تحرك الامور السياسية الدقيقة، هو تم تكليفه في النهاية بمهمة معينة، وعلى العموم فان اي مقارنة بين الرجلين ليست واردة أصلا، هنالك امين عام للحركة الاسلامية يقود الحركة بقرارت شورية من مجلس الشورى والهيئة القيادية والاجهزة الاخرى بمعنى ان اي تصور لخلاف شخصي هو تصور غير وارد، ومعلوم انه ليس هنالك ندية بين الشخصيتين. ـ كادر فاعل ومخضرم في قيادة الحركة الاسلامية هو علي عبدالله يعقوب قال لـ «البيان» ان ما فجر الصراع بين البشير وعلي عثمان والترابي من جهة هو ان الاخير تخلى عن علي عثمان ورشحك أنت لتكون نائبا للبشير بعد وفاة الزبير ما صحة ذلك؟ ـ انا لن اخوض في اي موضوع يخص شخصي بشأن المناصب في مسيرة الحركة، ولذلك لن اعلق على ما قيل، وباختصار انا لست جزءا من كل ما يقال، هنالك اجهزة تقرر بشأن ما ينبغي ان يتم. الترابي وطه ـ من خلال احتكاككم عن قرب لما يجري في قيادة الحركة الاسلامية هل لمستم طوال هذه المدة الطويلة اي خلاف سياسي أو شخصي بين الترابي وعلي عثمان؟ ـ لا ابدا.. حتى ظهر ما ظهر الآن، فقد كان علي عثمان شأنه شأن التلميذ. ـ هل تعتقد انه كان يتحين الفرصة للاطاحة بالترابي ليحل محله في قيادة الحركة الاسلامية؟ ـ لا ادري.. ولكن يبدو.. اكرر: لا ادري ولكن يبدو.. ولا اريد ان اقول ما قالته ملكة سبأ « كأنه هو»!! ـ استميحك في سؤال يبدو محرجا من اين تصرف على نفسك في ترحالك بين العواصم والاقامة في فنادق فخمة كهذه؟ ـ قلت لك ان الحزب امرني بالبقاء في الخارج، أو بعد هذا تعيد السؤال (قالها بتأفف). ـ تقصد انك تصرف من اموال الحزب؟ ـ هل هذا يحتاج لسؤال؟ (قالها مستنكرا). ـ انا الذي يفترض ان يحدد ما يحتاج للاستفسار طبقا لما افترض انه وارد في ذهن قرائي؟ ـ الان اجبتك واعيد الاجابة لقرائك: انا خرجت بتكليف من الحزب واقيم في الخارج على حساب الحزب، هل عندك «كلام تاني»؟ ـ فقط راودتني خاطرة دعني اضعها امامك.. هل يمتلك حزبكم كل هذه الثروة، ومن اين؟ ـ الله كريم. ـ اقصد هل ميزانية الحزب تقتصر على الاشتراكات فقط ام هنالك موارد اخرى؟ ـ الله كريم.. طبعا الحكومة تريد ان تغلق في وجهنا كل الأبواب ولكن «ولله خزائن السموات والأرض» الاتصال بالداخل ـ ما شكل اتصالك بالداخل.. هل يتم بانتظام؟ ـ الحمد لله .. لم تنقطع أبداً ولن تنقطع إن شاء الله. ـ كيف يتم؟ ـ لا داعي لكشف ذلك .. ولا تسألوا عن أشياء ان تبد لكم تسؤكم. ـ هل لديك اتصال بالترابي؟ ـ يا أخي الحركة الاسلامية لم تكن في يوم من الأيام رهينة شخص واحد بعينه، وتحركاتنا لا تحدها السجون أو غيرها هذه مسألة بديهية. ثانياً أنا لست معنياً بالترابي كشخص أنا اتصالاتي مع الحركة كتنظيم يديره أشخاص بعينهم .. ولعلمك الأشخاص الذين يحركون العمل بالخرطوم الآن لا صلة لهم بالترابي ولا أحد يعرف هويتهم .. كل هؤلاء القادة المعتقلين والمقيمين في الخارج ليسوا سوى واجهات تخفي الكوادر الناشطة بالفعل. احتواء الحركة ـ ولكن الحكومة احتوت حركتكم. ـ هل تعتقد ذلك؟ .. مبروك!! (قالها بتهكم). ـ ماذا ترى أنت؟ ـ أرى ان الحركة لم تهدأ وتواصل نشاطها. ـ ولكننا لا نلمس نتيجة لذلك على الأرض، ولم يعد لدى حركتكم ذلك النشاط الذي يمكن ان يقلق السلطات. ـ إذن لماذا يحتفظون بالترابي ورفاقه في المعتقل؟ لماذا لا يطلقونهم .. ثم دعني اسأل ألا ترى ان اعتقال الترابي مظهرا واضح لضعف الحكومة أكثر مما هو مظهر لقوتها؟ ـ ربما تعاملوا معه بمفهوم الامساك برأس الحية، إذا جاز التعبير؟ ويبدو انهم نجحوا في ذلك بدليل الشلل النسبي الذي أصاب حزبكم.. ما تعليقكم؟ ـ أنت ترى ذلك؟ مبروك!! (متهكماً مرة أخرى). ـ أنا الذي أسألك ما رأيك أنت؟ السؤال بشكل آخر: هل مدى حركية التنظيم وحيويته ونشاطه الفاعل مربوط بشخص الترابي بحيث إذا أطلق تحرك واذا سجن بهتت حركته؟ ـ الحركة لم تبهت ولكن تعرف جبروت الفرعنة كل قهر السلطة مسلط علينا. ـ خاطرة أخرى وردت في ذهني دعني أفصح عنها: لقد تشابهت لغتكم الى حد التطابق بلغة المعارضة في الشكوى من قمع السلطة بعد ان كنتم تستكثرون عليها ذلك. ـ المهم الآن ان نستوعب انه لا حل الا في كفالة الحريات .. ولكل حركة أساليبها في بلوغ أهدافها .. وحركتنا ليست مرهونة بشخص حتى تتأثر بسجنه أو اطلاقه. ـ أخيراً عدتم الى سيرتكم الأولى ولجأت الحركة الى العمل السري بعد ان كانت كل السلطة بأيديكم؟ ـ مصيرها ان تعود إذ لا يصح إلا الصحيح وهذه ليست المرة الأولى التي يعتقل فيها الترابي وليست المرة الأولى التي نقاوم فيها جبروت السلطان. الترابي مستهدف للتصفية ـ ما الذي يضيركم في نقل الترابي الى الاقامة الجبرية بدلاً من السجن؟ لماذا هذه الضجة؟ ـ نحن نطالب باطلاقه لان الحكومة لم تجد ما تدينه به قانونياً وشعرت بضعف وخطل الاتهامات الموجهة اليه .. اضافة الى ذلك نحن نعلم ان جهات في السلطة تريد التخلص من الترابي ومن العسير ان يتم ذلك في السجن فرأت نقله الى مكان يمكن افتعال أي معركة فيه ويتم التخلص منه خلالها وبالطبع قلنا ذلك في بيان وزع بالداخل. ـ هل يمكن أن يصل مدى الفجور في الخصومة بين عناصر الحركة الاسلامية الى حد التفكير في التصفية الجسدية؟ ـ للأسف ممكن .. وللعلم فقد صرح بعضهم بهذا! ولا أريد أن أذكر الأسماء خليها مستورة. ـ صرحوا بماذا؟ ـ بأنه «سينتهي» من الترابي. ـ أين صرح بذلك .. لم نسمع مثل هذا خلال متابعاتنا؟ ـ قال لبعض خاصته وأبلغتنا مصادرنا بذلك. ـ هل تقول ان مسئولين كباراً قالوا في مجالسهم الخاصة انهم ينوون تصفية الترابي جسدياً؟ ـ نعم نعم .. وقالوها أكثر من مرة، ولدينا أكثر من شاهد. ـ متى ستكشفون عن تفاصيل هذا الأمر؟ ـ لكل أجل كتاب. ـ أنتم الآن في ذروة الصراع .. فما الذي يمنع كشف الأمر بتفاصيله إذا كنتم حقاً واثقين من صحة ما تقولون؟ ـ ها نحن قد كشفنا ما يهم .. وأنا أتحدى أن يخرج أحدهم ليكذب ما قلناه. ـ وإذا حدث ذلك؟ ـ حينها ابحث عني وسأكشف كل شيء .. كل شيء .. ودعني أكرر التحدي!! ملفات الفساد ـ أعود مجدداً إلى ملفات الفساد التي تثار ضجة حولها أحياناً وسرعان ما تخبو .. لينفتح ملف آخر ثم يغلق .. وهكذا دواليك .. هل هنالك فعلاً ممارسات من هذا القبيل وخصوصاً في موضوع الاختلاسات؟ ـ آخر ملف في هذا الصدد قرأته في صحيفتكم «البيان» التي اطلعتنا على وثائق توضح تحويل مبالغ من ضرائب المغتربين لرشوة صحف بأوروبا .. وكنت قد اطلعت على جانب من القضية في صحيفة «الشروق» التونسية وصحف أخرى بأوروبا. والحقيقة ان الأمر أبعد من مجرد تبديد مليون دولار .. هنالك علامة استفهام ضخمة أمام المليارات والسؤال المحدد في هذا الصدد هو أين تذهب عائدات النفط؟ والمعروف ان انتاج النفط من 1/8/99م الى 1/8/2000م كان جملته 64 مليون برميل، وكان دخل الحكومة نقداً حوالي 624 مليون دولار يضاف الى ذلك 25 مليون برميل من الخام ، الحكومة نفسها كانت تستورد البترول بما يعادل 360 مليون دولار والآن لم تعد تستورد البترول ما يعني ان يتم توفير المبلغ . وتصبح الجملة أكثر من مليار و200 مليون دولار .. والسؤال أين هي هذه المبالغ؟ ـ تصرف في الجنوب لتغطية تكاليف الحرب والتنمية حسبما تقول الحكومة.. ماذا تقول أنت؟ ـ أنا لا اعتقد ان الأمر كذلك، الأمر أكبر من هذا .. صحيفتكم تتحدث عن مليون دولار وأنا أتساءل عن المليارات .. أين تذهب .. هذا هو السؤال الملح الذي يجب طرحه .. ولعلمك .. أنا طرحت هذا السؤال وأنا في الداخل من خلال ندوة عامة في الأبيض. أطرح هذا السؤال والمعلمون لا تصرف رواتبهم .. نفهم ان تتأخر هذه الرواتب قبل تدفق البترول، ولكن الأمر غير مفهوم الآن .. ما يجعلنا نكرر السؤال: أين تذهب عائدات النفط؟ أكلوا أموال النفط! ـ أين ذهبت باعتقادك؟ ـ أكلت!! ـ من أكلها؟ ـ بالطبع الحكومة. ـ من في الحكومة تحديداً؟ ـ كلهم .. لا استثني أحداً. ـ هل تتوقع أن تنشر وثائق يوماً ما تثبت ان مسئولين في الحكومة اختلسوا عائدات النفط؟ ـ أنا أسألك هل كنتم تتوقعون الحصول على الوثائق التي نشرتها صحيفتكم عن مسألة المليون دولار؟ على كل حال أنا لا استبعد أي شيء. ـ هل تحت أيديكم وثائق في هذا الخصوص؟ ـ أرفض الاجابة .. ولكن السؤال لا يزال قائماً .. أين هذه المبالغ الكبيرة دعك من مبلغ مليون دولار دفعت لصحف. ـ لا تنس ان تبديد هذا المبلغ حسب الوثائق التي نشرناها تم في ذروة سطوتكم وتنفذكم في السلطة في أواخر عام 93م. ـ أنا شخصياً لا أدري شيئاً عن المبلغ الذي تحدثت عنه صحيفتكم ولكن الوثيقة التي نشرتها صحيفة «الشروق» التونسية تحدثت عن صرف تم عام 2000م. ـ أليس من المدهش والمؤسف ان تدور علامات الاستفهام حول هذه المبالغ وملفات الفساد الأخرى حول أناس تربوا في حضن الحركة الإسلامية؟ ـ ما وجه الغرابة في ذلك؟ ألم تنزل آيات قرآنية لتصحح أخطاء ارتكبها الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ لماذا تحاول أن تلصق بالحركة الإسلامية وزر أشخاص؟ ـ عفواً لم أقصد ذلك ولكن النقطة تعيدنا الى جدل ساد في الستينيات وأسفر عن انشقاق كبير في الحركة الإسلامية انفصل على اثره جماعة الاخوان المسلمين بزعامة صادق عبدالله عبدالماجد .. وكان الأمر متعلقاً بموضوع التركيز على التربية والدعوة فيما كانت جماعتكم ترى خلاف ذلك. ـ هل تريد أن تقول اننا لم نرب النائب الأول تربية صحيحة؟! ـ أنا لم يرد في خاطري ذلك .. ولكن إذا ثبتت صحة الاتهامات التي وجهتها فإن الحركة الاسلامية تتحمل مسئولية كبيرة سوى أن تعلق الأمر بمن أشرت اليه أو غيره؟ ـ يا أخي لا يعرف الحق بالرجال وانما يعرف الرجال بالحق .. وقال سيدنا علي بن أبي طالب أعرف الحق تعرف رجاله وأعرف الباطل تعرف رجاله. دعنا من ذلك كله أنا الآن أتحدث عن مبالغ معينة وأريد أن أعرف أين ذهبت .. هذا سؤال مهم ومطروح بغض النظر عما إذا كانوا إسلاميين أم لا .. ولا تنسى أن الأمور وصلت إلى حد اتهام الترابي بالزندقة. علماء السلطان وفتوى الزندقة ـ من فعل ذلك؟ ـ بعض من سموهم بعلماء الدين وهم في الحقيقة ليسوا سوى علماء السلطان.. ألم تقرأ بيانهم الذي قالوا فيه ان الترابي خارج عن الملة؟ ـ ألا يؤكد هذا ضرورة عدم خلط الدين بالسياسة حتى لا يتم استغلال الدين؟ ـ السياسية والدين شيء واحد لا ينفصمان ولكن هؤلاء هم علماء السلطان ولا علاقة لهم بالدين؟! ثم دعني أسأل ما معنى أن يصدر علماء الدين بياناً مشتركاً؟ لم يحدث ان أصدر الأئمة الأربعة بياناً مشتركاً وكان الأولى أن يفعلوا ذلك لو كان صحيحاً .. والحق ان البيان الذي أصدره من أسموهم بالعلماء لم يصدر عنهم وانما صدر عن أجهزة الأمن. ـ هل كان يحدث شيء من هذا القبيل إبان وجودكم في السلطة؟ ـ لا ليس في أيامنا وانما أذكر انه عندما اشتد الصراع وكنا في طريقنا الى الفاشر لمخاطبة قواعدنا هناك .. أذكر اننا أبلغنا ببيان صادر عن الخطوط الجوية السودانية واتضح في نهاية المطاف انه صادر من الأجهزة الأمنية وليس من مدير الخطوط .. دعك من ذلك الآن خلال الأيام الماضية أصدرت الأجهزة الأمنية بياناً بخصوص مسيرة الاحتجاج ونسبته إلى أمانة المؤتمر الشعبي بولاية الخرطوم ولكن الأخ ياسين عمر الإمام فضحهم باصدار بيان ينفي ذلك. الشاهد ان أجهزة الأمن درجت على تلفيق بيانات ولذلك أرجح أن تكون هذه الأجهزة هي التي أصدرت ما سمي ببيان العلماء الذي أخرج الترابي من الملة. ـ لكن العلماء لم ينفوا صدور البيان عنهم؟ ـ خوفاً من شوكة السلطان. رسالة إلى حافظ الشيخ ـ متى تتوقع اطلاق سراح الترابي؟ ـ طبعاً وضح الآن ان الأجهزة الأمنية والعدلية لا تملك شيئاً يدين الترابي .. لكن أسوأ منعطف في هذه القضية هو ما صدر من رئيس القضاء حافظ الشيخ الزاكي الذي أمر بأن يستمر احتجاز الترابي ورفاقه إلى أن تفصل المحكمة العليا في النزاع بين الادعاء والدفاع الذي طالب باطلاق الترابي بعد مضي الفترة المقررة لسجنه دون محاكمته وهو ما أمر به قاضي محكمة الموضوع. إن الأمر الصادر عن حافظ الشيخ باستمرار احتجاز الترابي كان أمراً مخجلاً ومناقضاً للعدالة إذ انه يجعل من المتهم مداناً حتى تثبت براءته .. واعتقد ان رئيس القضاء خضع لضغوط سياسية من الرئيس والنائب الأول وكان الأجدر به أن يستقيل. أقول هذا وتحاصرني المرارة حيال شخص لم نكن نتوقع أن يستكين للسلطة وهو في هذا المنصب .. ولم يكن هذا الموقف جديراً بحافظ الشيخ الذي نعرفه جيداً والذي قال لا في عهد نميري ويؤسفنا ان يستن هذا الرجل بسابقة قضائية ويبوء بإثمها.وبقدر ما نأسف لموقف حافظ الشيخ يهمني أن أشيد بمقال الدكتور الطيب زين العابدين الذي نشرته صحيفتكم تحت عنوان «العدالة العرجاء» والجميع يعلم الآن ان الترابي لم يعد سجيناً سياسياً وانما أصبح رهينة في يد الحكومة تفعل به ما يشاء. ـ ترى إلى أين سينتهي هذا الصراع وكيف سيحسم؟ ـ مصائر الأمور بيد الله سبحانه وتعالى. ـ بالطبع .. لكني اسألك عن توقعاتك كسياسي؟ ـ لقد درج الأمر في بلادنا ان تنتهي الأنظمة الشمولية إما بأن تفتح الباب للناس وتطلق حرياتهم .. واما ان يثور عليها الناس فتذهب عنوة غير مختارة. وأنا واثق من ان هذه السلطة ستذهب بثورة شعبية .. ولا تسألني عن متى وكيف وعلى يد من؟ ولكني لا أشك في ذلك .. ويكفي ان تقرأ تاريخ السودان الحديث قراءة موضوعية سياسية .. اضافة الى ان الجنوب قضية «قاتلة» لكل الأنظمة. قرنق تغير ـ بمناسبة الجنوب .. قلت في اللقاء السابق ان قرنق عميل يخوض حروب الآخرين وان تحقيق السلام ممكن به أو بدونه .. أما زلت متمسكاً بهذا الرأي؟ ـ لا أذكر بالتفصيل ما قلته لك قبل ثلاث سنوات لكنني لا اعتقد ان السلام يجب أن يتحقق بقرنق فقط أو بنا نحن فقط، وعموماً لا ننسى ان قرنق تغيرت أفكاره ويكفي انه التقى بنا وتفاهم معنا .. وهذا تغيير لا يستهان به في تاريخ حركته. ـ أما زال عميلاً كما كنت تقول؟ ـ أريد أن أطلع على ما قلته في اللقاء السابق .. وإلى حين ذلك دعني أقر ان قرنق اتخذ مواقف مختلفة .. إذ يكفي انه سعى الينا والتقى بنا. واعتقد ان أي شخص يمكن ان تكون له مواقف وأفكار في الماضي ويتخلى عنها لسبب أو لآخر. ـ ما هو رأيك الشخصي في قرنق وهل التقيت به من قبل؟ ـ أنا الوحيد الذي قابلته وجهاً لوجه من «ناس» الانقاذ، قابلته في عنتيبي عام 1992م، وكان قرنق في ذلك الوقت يعتقد ان أهل السلطة في الخرطوم ليس لديهم مصداقية، أنا كنت «أغالطه» وأحاول اقناعه بمصداقية نظامنا .. أي انني كنت أدافع عن الحكومة بشدة آنذاك. ـ والآن؟ ـ الآن أنا شخصياً أصبحت مقتنعاً بأن الحكومة ليست لديها أي مصداقية .. ويكفي ما آلت اليه اتفاقية الخرطوم للسلام بعد ان تنصلت الحكومة منها. اتفاقية الخرطوم للسلام ـ هل تعتقد فعلاً ان الحكومة تريد ان تتنصل من هذه الاتفاقية؟ ـ ذلك واضح جداً .. وهذا هو النكوص عن العهد .. والذي يشكل أكبر مشاكلنا .. كنت أتحدث في ندوة مشتركة في ألمانيا مع أخونا أبيل الير وقلت انني أصبحت أوافقه فيما أورده في كتابه حول التمادي في نقض العهود .. وهو أمر لم أكن أوافق عليه قبلاً. ـ هل تعتقد ان قرنق يريد الوحدة فعلاً؟ ـ هكذا يقول ويؤكد .. وفي العمل السياسي لابد أن نأخذ بما يقول الطرف الآخر . ولا مناص من ذلك. ـ بل في العمل السياسي يمكن أن تعرف بسهولة مدى صدق أو كذب الادعاء. ـ لا يمكن أن تكذب رجلاً يقول انه يريد الوحدة. ـ هل أنت شخصياً مقتنع بأنه يريد الوحدة؟ ـ هو قال ذلك ولا خيار أمامي غير أن أصدقه .. المحك الحقيقي في الممارسة. ـ أود أن أطرح عليك سؤالاً يطرق خاطر الكثيرين من الناس، لماذا لا نرضى بفصل الجنوب وننتهي من هذه الأزمة التي تطحن شبابنا وامكاناتنا وطاقاتنا وثرواتنا منذ أكثر من نصف قرن، ولا نرى في الأفق حلاً لها .. ما امكانية أن تقوم حركة شمالية تطالب علناً بفصل الجنوب؟ ـ أنا ضد الانفصال .. أنا مع الوحدة .. ولكن مع الوحدة الطوعية، وأنا على قناعة أن وحدة لا تقوم طوعاً لا مستقبل لها، والأمثلة ماثلة أمامنا .. انظر إلى ما آل اليه الاتحاد السوفييتي والاتحاد اليوغسلافي اللذان تفتتا الآن الى كيانات لأنها أصلاً تم ضمها قهراً .. وفي موضوع الجنوب، أرى أن تتم الوحدة طوعاً .. أما إذا اختار الجنوبيون الانفصال فينبغي أن يكون لهم ذلك .. أكرر فأقول: أنا مع الوحدة ولكن طوعاً ـ واعتقد ان الحرب التي تدور الآن ستؤدي حتماً الى فصل الجنوب إذا استمرت. ـ كنتم أكثر الناس تحريضاً على القتال ودفعتم اليه الشباب تحت شعارات دينية باسم الجهاد في سبيل الله، أما زلت ترى ان الأمر كذلك؟ ـ ما كان يتم كان صحيحاً ولكن هكذا سنن الكون المحاربون هم الذين يتفقون على الصلح. الجنوح للسلم ـ لكنكم كنتم تقاتلون تحت راية الدين؟ ـ وما الغرابة في ذلك؟ من قال ان القتال تحت الراية الدينية قتال الى مالا نهاية؟ ألم يقل سبحانه وتعالى «وان جنحوا للسلم فاجنح لها». ـ هل جنح قرنق للسلم فعلاً؟ ـ نعم قال ذلك. ـ هل يكفي ان يقول ذلك؟ هل تصدقه؟ ـ نعم .. جداً .. خصوصاً انهم اتصلوا بنا وجلسوا معنا وأبرموا معنا مذكرة التفاهم. ـ من الذي بادر بالاتصال أنتم أم هم؟ ـ هم منذ أكتوبر الماضي. ـ ما رأيكم الآن في الاستنفار الحكومي الذي ينتظم كافة الولايات؟ ـ تعلم ان مذكرة التفاهم هدفها الأساسي ايقاف الحرب. لكن الحكومة لم ترفض هذه المذكرة فحسب بل مضت الى حد اعتقال موقعيها.أنا الآن أوجه رسالة للحكومة مفادها ان المخرج يكمن في مذكرة التفاهم .. وأقول لابد من صنعاء وان طال السفر، لابد في نهاية المطاف من الرجوع الى مذكرة التفاهم، وأريد أن أذكر الحكومة انها درجت من قبل على رفض مواقف صحيحة وتراجعت عن الرفض بعد لأي لم يكن له داع أصلاً .. والأمثلة على ذلك كثيرة مثل موقفها من اتفاق فرانكفورت وموقفها من حق تقرير المصير واتفاقية الخرطوم للسلام .. اعتقد صادقاً ان الحكومة الآن تضيع في الوقت وأناشدها ان تقبل بمذكرة التفاهم حقناً للدماء. ـ هل تتوقع أن تطول اقامتك في الخارج؟ ـ قد تطول .. ولكن الأمر رهن بقرار التنظيم في الداخل. ـ أما زال القتال في جنوب السودان جهاداً في سبيل الله؟ ـ الجهاد مسألة تتوقف على النية الشخصية. ـ أما زلت تحرض الناس على الجهاد؟ ـ الجهاد سنة ماضية إلى يوم الدين. ـ أنا أسأل عن القتال في جنوب السودان .. أما زلت تحرض على ذلك باعتباره جهاداً؟ ـ أنا الآن أتحدث عن السلام لا عن القتال .. نحن وقعنا مذكرة تفاهم لنوقف الحرب. ـ ماذا تعني لك عودة المهدي؟ ـ موقف ايجابي يتيح له تقييم الأوضاع عن قرب. ـ لماذا لا تحذو حذوه وتعود؟ ـ أنا كنت داخل البلاد الى أمد قريب وخرجت خروجاً عادياً وبقيت بالخارج بقرار الحزب كما ذكرت. بيوت الأشباح ـ دار حديث كثير عن بيوت الأشباح لتعذيب المعارضين .. هل صحيح ما تردد عن ذلك؟ ـ علمت الآن انه بالفعل كانت هنالك بيوت أشباح للتعذيب من خلال أناس حكوا لي ما حدث لهم والآن هنالك يتم تعذيب فعلاً .. بعض كوادرنا يتعرضون الآن للتعذيب. ـ بعد أن علمتم الآن بوجود بيوت الأشباح هذه ابان وجودكم في السلطة هل في نية الحركة الإسلامية تقديم اعتذار على ذلك؟ ـ أي ممارسة غير كريمة وغير سليمة تمت هي ليست جزءاً من الانقاذ ونحن ضدها ولم نكن على علم بها .. وأضيف حتى إذا فعلناها فنحن ضدها .. ومن حق أي من المتضررين بهذه الممارسات التظلم لدى الجهة المعنية. ـ من يتحمل مسئولية فشل الوساطة الاسلامية بينكم والبشير؟ ـ الحكومة تغاضت عن تطبيق كل التوصيات التي وردت في المذكرة الأولى ولذلك هي التي تتحمل المسئولية. ـ ماذا عن الوثيقة الأخيرة التي رفض الترابي ان يوقع عليها. ـ لم يكن من المفترض ان تقدم للترابي. الرئيس هو الذي طلب توقيع الترابي شخصياً .. والترابي لم يرفض من أجل الرفض وانما حاول ايصال رسالة فقهية وهي ان السجين ليس له رأي .. الترابي رد على الخطوة بالفقه .. إذا كان هنالك من يفقه الفقه! المقترحات الأمريكية ـ ما رأيكم فيما تردد حول مقترحات أمريكية لحل الأزمة السودانية. ـ أمريكا لا تملك سياسة واضحة تجاه السودان، لا من قبل ولا الآن، والورقة المشار اليها لا تعبر عن رأي الادارة الأمريكية بل تعبر عن رؤية الذين اجتمعوا لاعدادها. ـ هل ترى أن أمريكا تسعى لفصل جنوب السودان؟ ـ الحق ان هنالك اشارات مختلفة .. والمعروف أن أمريكا ليست دولة واحدة وليست حكومة واحدة، أمريكا فيها البيت الأبيض، فيها وزارة الخارجية، فيها الاستخبارات «سي.آي.ايه، واف بي آي» فيها الكونجرس بمجلسيه .. فيها الصحافة وضغوطها فيها الولايات وحكوماتها، فالأمر ليس مرهوناً فقط بالادارة ولذلك نجد أصواتاً هنا وهناك .. أنا لا أحسب حتى الآن ان هنالك قراراً لدى الحكومة الأمريكية حول السودان. ـ لكنها أعلنت تقديم مساعدات مالية للتجمع وحركة قرنق؟ ماذا تقول في ذلك؟ ـ معروف ان أمريكا تدعم المعارضة منذ فترة بعيدة وليست هذه هي المرة الأولى باعتبار ان واشنطن لها أجندتها في السودان. ـ ما هي أجندتها؟ ـ الى حد كبير تعتقد ان الحكومة القائمة في السودان لا تزال توجهاتها اسلامية. رسائل باختصار ـ إلى البشير؟ ـ الرجوع الى الحق فضيلة. ـ والى نائبه؟ ـ ان الله لا يهدي كيد الخائنين. ـ إلى الصادق المهدي؟ ـ العود أحمد. ـ إلى نقد «رئيس الحزب الشيوعي المتخفي»؟ ـ الساحة تتسع للجميع. ـ إلى الميرغني؟ ... هنا توقفت آلة التسجيل وتوقف هو .. وتوقفت أنا فقد تعودت على ألا أورد في مقابلاتي الصحافية أمراً غير موثق تحسباً لمكائد السياسيين. حوار : محمد خليل كاره