بينما راحت يدي تربت على كتفه ونحن نتبادل التحية على الطريقة السودانية، كدت اهتف في وجه ضيفي: (سبحان مغير الاحوال من حال إلى حال.. حقا لو دامت لغيرك لما آلت اليك) حيث مرت في خاطري بسرعة وقائع لقاء مماثل معه قبل ثلاث سنوات في ذات المكان! حينذاك كان الدكتور علي الحاج محمد احد المتنفذين في حكومة السودان باعتباره نائبا للزعيم الاسلامي المعروف الدكتور حسن الترابي الذي كان حينها ممسكا بكل مفاصل السلطة، دون ان يشغل منصبا رسميا محددا! يومها (قبل ثلاث سنوات) كان الدكتور علي الحاج متشحا بكل وجاهة السلطة وبريقها وكان محاطا بمجموعة من مساعديه، ومعارفه ممن تربطهم به وشائج الانتماء للتيار الاسلامي الحركي، كانوا «ملتصقين» به حتى ان بعضهم اصر على متابعة الحوار من اوله لآخره. واليوم ها هو ذا امامي مجردا من كل «اكسسوارات» السلطة بعد ان دارت الايام دورتها ليجد نفسه لا خارج دائرة السلطان فحسب بل طريدا وملاحقا بجلاوزته! بعد ان تم أقصاء «شيخه» ومن تبعه حتى من حلبة الصراع، ليزج به لاحقا في السجن، وليفر من فر ومنهم صديقي الذي يقف امامي وحيدا هذه المرة لا يرافقه سوى صبي مهذب مهندم في نحو الثانية عشرة من عمره وقدمه لي: عبدالمنعم.. إبني. وبدا صديقي شاحبا ونحيلا، حتى انني فاجأته بالسؤال بعفوية: ما بك؟ هل هو السكري؟ فأجاب بهدوء: لا بل الخوف منه.. فرجل في سني على اعتاب السبعين ينبغي ان يحتاط. وعاجلته (بخبث): وربما بفعل البعد عن الوطن والاهل.. فلم يشأ ان يعلق، وهنا كانت جلستنا قد اكتملت في ذات الركن الذي شهد حوارنا قبل ثلاث سنوات (بالضبط) في احد الفنادق بدبي. طرحت عليه هذه الملاحظة مستغربا من هذه المصادفة الغريبة (نفس المكان في نفس التاريخ) فشاركني الدهشة.. وردد مرتين: شيء عجيب.. شيء عجيب. وكان ذلك مدخلا مناسبا للحوار فقلت له: ـ كنت آنذاك في الأمانة السياسية للمؤتمر الوطني الذي لم يكن قد تحول إلى حزب بعد.. أي كنت قياديا في التيار الحاكم والآن دارت الايام وبت قياديا في حزب معارض.. ـ نعم.. نعم. ـ واذكر انك في تلك المقابلة وجهت هجوما عنيفا على المعارضة وسميتها «معارضة الفنادق» وها انت اليوم تنضم إلى هذا النوع من المعارضة التي كنت تستهجنها؟ ـ اما انني كنت اهاجم المعارضة آنذاك والح على ضرورة عودتهم فهذه حقيقة، فقد كنت مؤمنا في ذلك الوقت بضرورة عودة المعارضين من الخارج ولم اكن اطلق الكلام على عواهنه، انما كنت اتحدث بعد اجازة الدستور الذي حسم مسألة الحريات السياسية بما في ذلك حرية تكوين الاحزاب الى جانب التداول السلمي للسلطة عبر انتخابات حرة ونزيهة اضافة إلى الحكم الفيدرالي والتوزيع العادل للسلطة والثروة. كما حسم الدستور مسألة الوحدة الطوعية بعد الاستفتاء على حق تقرير المصير، اقول كنت مؤمنا - ومازالت - بهذا الدستور الذي كفل كل ذلك، ولكن الجديد الذي طرأ هو ان أؤلئك الاشخاص الذين كنا معهم ووضعنا الدستور معهم واتفقنا معهم على هذا، هم أنفسهم الذين نقضوا العهد.. وخرقوا الدستور. وتعلم بالطبع ان الدستور وقع عليه الرئيس واقسم عليه، لكنه في نهاية المطاف نقض هذا الدستور. ـ كونه نقض الدستور فهذا امر محل خلاف وجدل سياسي لكن المحكمة الدستورية حسمت الامر واقرت بدستورية كل الخطوات التي اتخذها الرئيس. ـ الامر طبعا متعلق بخلاف سياسي وليس قضائيا. ـ لكنكم لجأتم للمحكمة الدستورية.. عموما دعني ادلف إلى سؤال جانبي من سياق حديثك عن نقض العهد، هل ترى ان المعارضة عندما كانت ومازالت تصر على مواقفها بعدم الاتفاق مع الحكومة إلا بحضور شهود ومراقبين، كانت اطول منكم نظرا ؟ ـ لست ادري ولست معنيا باينا كان ابعد نظرا، ولكن الواقع الماثل امامنا الان يؤكد ان طرح المعارضة كان صحيحا خاصة وان الحقيقة ظهرت الآن. اكرر فأقول انني كنت اعتقد ان المعارضة مجحفة في تقييمها لمواقف الحكومة وفي اتهاماتها لها. ـ والآن؟ ـ الان ظهرت الحقيقة.. وها نحن نعيش تفاصيلها.. وانا الان لا اتحدث عن موقف المعارضة من الدستور.. انا اتحدث عن اناس اتفقنا معهم على هذا الدستور.. فقاموا بنقضه كما انني لا اتحدث عن المحكمة الدستورية لان الامر لا يحتاج لمحكمة دستورية. ـ كيف لا يحتاج لمحكمة دستورية! من الذي يفصل بين اناس تبادلوا الاتهام بنقض الدستور؟ ـ المسألة مسألة سياسية.. ثم دعني اسألك، هل يعني صدور حكم من أي محكمة ان هذا الحكم صحيح؟ لا أعترف بحكم الدستور ـ هل يعني هذا انكم لا تعترفون بحكم المحكمة الدستورية؟ ـ انا شخصيا غير معترف به، ولكن عدم اعترافي لا يعني شيئا لان التنفيذ ماض بالفعل. على سبيل المثال يمكن ان تحكم محكمة ما على شخص ما بالسجن، لكن ليس بالضرورة ان يكون هذا الشخص مقتنعا بصحة الحكم، ورغم ذلك فانه سيدخل السجن، واعود إلى موضوعنا الرئيسي فأقول: المعارضة كانت محقة في عدم ثقتها في هؤلاء الناس رغم انني في ذلك الوقت لم اكن احسب ذلك. واعتقد ان ما حدث لنا امر اكثر مما كان يتخيله عقل في جانب نقض العهد ناهيك عن اي امر اخر مثل التنصل من الوفاق ومن اتفاقية الخرطوم للسلام. التنسيق مع المعارضة ـ ما دام الامر كذلك.. ووضح ان اوضاعكم تشابهت مع اوضاع المعارضة، فهل هناك مؤشرات أو نية في اتجاه تكامل جهودكم لاسقاط النظام؟ ـ يظل هذا هدفا مأمولا ونسعى لذلك. ـ هل تعني انكم تريدون وتسعون للتنسيق مع المعارضة لاسقاط النظام؟ ـ ليس لاسقاط النظام على الاقل في الوقت الحالي، نحن نتوق لان يكون هنالك اولا اتفاق في الرؤى ولا مانع بعد ذلك للتنسيق في اتجاه اسقاط النظام اي اسقاط هذه الحكومة، وليس خافيا ان حزبنا «المؤتمر الشعبي» منذ تأسيسه وضع اسقاط النظام كأول اهدافه شأنه شأن اي حزب معارض، ومعروف ان اي حزب معارض يسعى ليكون البديل للنظام الذي يعارضه، هذه من البديهيات، اعود فأقول نعم نحن نأمل ونسعى لاسقاط النظام معا! ـ هل تسعون معاً انتم والمعارضة؟ ـ نعم.. حتى اننا في مذكرة التفاهم مع حركة قرنق اشرنا إلى جانب من ذلك بوضوح وقلنا بضرورة الضغط على الحكومة بالوسائل السلمية حتى نجبرها على تغيير سياستها الشمولية القمعية القائمة على التشدد الامني، اذا رضخت الحكومة لذلك يمكننا ان ننظر في امر الجلوس للنظر في حل المشاكل الاخرى، اما اذا تصلبت الحكومة وتمسكت بمواقفها الحالية فلا مناص من العمل لازالتها. ـ ازالتها كيف.. بأي طريقة؟ ـ بالطرق المعهودة التي تتفق عليها المعارضة. ـ بما في ذلك العمل المسلح؟ ـ بكل الطرق. ـ بكل الطرق.. هذه عبارة غامضة السؤال واضح هل توافقون على حمل السلاح لاسقاط الحكومة؟ ـ الوسائل متروكة لتتفق عليها قوى المعارضة. ـ هل هنالك اتصالات بينكم وبين المعارضة في هذا الاتجاه؟ ـ نعم هنالك اتصالات مع المعارضة. ـ اقصد المعارضة الشمالية؟ ـ نعم مع كل قوى المعارضة في الداخل والخارج، في الشمال والجنوب. ـ إلى أي مدى وصلت هذه الاتصالات؟ ـ إلى مدى معقول.. لم تنضج بعد. ـ هل هي اتصالات تمهيدية لاستكشاف المواقف مثلاً؟ ـ اكثر من ذلك. ـ توصلتم لمذكرة تفاهم مع قرنق.. ألم يكن الاولى ان تفعلوا ذلك مع المعارضة الشمالية أولاً؟ ـ هذه المذكرة كان المفترض ان يتم تطويرها في اتجاه اتفاق.. وهذا الاتفاق لم يكن المقصود منه قصره على الحركة فقط.. بل كان المأمول ان ينخرط في هذا الاتفاق بقية القوى السياسية.. كلها بدون استثناء احد.. واشارت إلى ذلك فقرة في مذكرة التفاهم.. وكانت الخطة ورأي الحركة ان يكون هنالك حوار بيننا وبين التجمع ووافقنا على ذلك. ـ الم تتم خطوات في هذا الاتجاه؟ ـ تم جانب من ذلك في الداخل قبل ان نخرج من السودان فقد كنا على صلة بالتجمع بالداخل. ـ وماذا عن التجمع بالخارج الان.. هل تتم معه اتصالات ايضا؟ ـ في الخارج ايضا هنالك اتصالات. ـ هل تقوم بها انت شخصياً؟ ـ انا لا امثل شخصي فحسب.. المقصود تحديدا هنالك اتصالات تتم الان مع كل الجهات في الداخل والخارج. ـ في أي اتجاه تحديدا تجري هذه الاتصالات؟ ـ في المقام الاول نريد ان نتفق على مباديء اساسية على رأسها اطلاق الحريات بكل اشكالها خصوصا حركة الصحافة والاعلام وحرية تشكيل التنظيمات والاحزاب السياسية. تطابق الشكوى والشعارات ـ سبحان الله.. اصبحتم ترددون نفس ما كانت تردده المعارضة وكنتم تستنكرون عليها ذلك؟ ـ لم نكن نستنكر ذلك.. يكفي ان تلقي نظرة على الدستور الذي وضعناه. دعني اواصل الاجابة عن السؤال الاساسي.. نريد ايضا ان نتفق على التداول السلمي للسلطة عبر انتخابات حرة نزيهة، وهذه مسألة اساسية إلى جانب ضرورة الاتفاق على الحل السلمي لقضية الجنوب يقوم على حق تقرير المصير.. وارجو ان اوضح هنا اننا وحدويون ونسعى لكسب الوحدة الطوعية وليست الوحدة القهرية، اضافة إلى ذلك لابد ان نتفق على نظام فيدرالي في السودان من اجل قسمه عادلة للسلطة بعيدا عن المركزية القابضة، أي توزع السلطة بصلاحيات واسعة للولايات على ان تكون هذه الصلاحيات محصنة ومحفوظة بالدستور، إلى جانب الاتفاق على صيغة لتقسيم الثروة بطريقة عادلة للسودان كله، لا النفط فحسب بكل كل الثروات التي تزخر بها بلادنا. اقول اننا ندعو للاتفاق مع المعارضة على كل هذه النقاط ووضعه كبرنامج محدد وليس كلاما عاما لتحالف فضفاض بلا معنى، اذا تم هذا واجمع عليه الشعب يمكن عندئذ ان... ـ الا تلاحظ ان هذا هو ما ينادي به التجمع، ماذا يمنعكم اذا من الانضمام إلى التجمع؟ ـ ولماذا الانضمام؟ لا اعتقد ان برنامج التجمع مبرم بهذه الدقة التي نطالب بها. ـ هل يمكن ان يؤدي الحوار القائم إلى انضمامكم للتجمع؟ ـ اراك مصرا على الانضمام، لا حاجة لان ننضم اليهم أو ينضموا الينا.. يمكننا ان نتفق على برنامج معين، وتعلم ان التجمع لا يضم كل السودانيين، ونحن ايضا لا نمثل كل السودانيين لذلك فان المحك هو ان نضع هذا البرنامج أولا على ان تكامل الجهود بين كل القوى التي ترضى بهذا البرنامج. ـ الحكومة ايضا ترى ان هذا هو برنامجها وماضية في تطبيقه؟ ـ اذا كان الامر كذلك فهذا شيء جيد (قالها بتهكم قبل ان يضيف)، هذا مجرد (Lip Service) (أي طك حنك)، والا فأين الحريات الآن والامر في يدها؟ واين التداول السلمي للسلطة والاتفاق حول الجنوب.. يا أخي نحن فقط توصلنا إلى مذكرة تفاهم فأقاموا علينا الدنيا واعتقلوا كل كوادرنا، ثم ها هو الصادق المهدي عاد بناء على ما تقوله الحكومة، فماذا جنى؟ اليوم طالعت في صحيفتكم الشكوى المرة على لسان مادبو (الناطق باسم حزب الأمة). مجمل القول ان الحكومة تصرف كلاما كثيرا ولكن العظة بالأفعال. ممارسات مرفوضة ـ لكن كل ما تشكو منه الان كان يتم وانتم في السلطة، اقصد كل الممارسات التي تنتقدها الآن، اعتقالات بالجملة.. تكميم الصحافة بل بصورة اسوأ، وكأن بكم تشربون من الكأس نفسها؟ ـ حسنا.. يا أخي «الانقاذ» نحن الذين اتينا بها.. و.. ـ حقا؟ اعترفتم اخيراً؟ ـ دعك من اخيرا وأولا.. نحن الذين اتينا بالانقاذ ونحن الذين اتينا بهؤلاء إلى السلطة وحدث ما حدث ولكن نحن ايضا الذين دفعنا الامور في اتجاه وضع الدستور واجازته، واعتبرنا هذا الانجاز فاصلا بين الانقاذ كثورة أو كانقلاب وما يلي وضع الدستور حتى نحتكم اليه ونؤسس لمرحلة جديدة.. واكرر القول.. نعم نحن الذين نتحمل مسئولية مجيء الانقاذ ولا ننكر ذلك، وصحيح ان هنالك ممارسات تمت.. ونحن نتبرأ من أي ممارسات غير سليمة وندينها. ـ من أي ممارسات تتبرأون؟ اعطني امثلة؟ ـ اي ممارسة خاطئة تتبرأون.. اعتقال.. ضرب، قتل.. كل ذلك ندينه! ـ هل كنتم تدينون هذه الممارسات عندما كنتم في السلطة؟ ـ الان ندينها.. ما الفارق؟ ـ فارق كبير بين ان تدين ممارسات وانت داخل السلطة وان تدينها بعد ان تتخلى عنك السلطة.. انا اقصد هل كنتم تعترضون على هذه الممارسات، أم لم يكن لديكم علم بها؟ انتهاك حقوق الانسان ـ كانت هنالك اشياء تثيرها داخليا ولا ننشرها علنا. ـ مثل ماذا؟ ـ كل القضايا.. بما فيها انتهاكات حقوق الانسان. ـ كنتم تعترضون على ذلك؟ ـ نعم. ـ ولماذا لم تنتقدوها علنا؟ ـ مقتضيات الحكم كانت تكبلنا وهذا طبيعي. ـ من الذي كان يعترض ومن الذي كان يصر على هذه الممارسات؟ ـ طبعا الآن اتضحت الصورة، الذين باتوا خارج السلطة الآن هم الذين كانوا يصرون على كفالة الحريات، وهذا كان سببا اساسيا في انفجار الصراع، يعتقد كثير من الناس ان الخلاف ظهر في ديسمبر عام (تاريخ انفجار الصراع واقصاء الترابي) الخلافات كانت قبل ذلك بكثير، الخلاف طرأ حتى في امر قيام الانقاذ (الانقلاب)، وطبعا لا يعقل ان تتم كل الخطوات في الحركة الاسلامية بالاجماع التام، اقصد ان امر قيام الانقاذ كان ايضا محل خلاف ومشاكل ولكنها حسمت. ـ كيف حسمت؟ ـ بالشورى كان هناك مجلس شورى يقرر في الامر. قرار الانقلاب ـ هل انعقد هذا المجلس بالفعل وقرر ذلك بالاغلبية؟ ـ نعم.. ـ هل قرر مجلس الشوري للجبهة الاسلامية القومية (آنذاك) قلب الحكم عسكريا؟ ـ نعم.. نعم.. طال الخلاف ايضا مسألة حل مجلس قيادة الثورة، ومسألة الحكم الاتحادي، والكثير من المسائل الاخرى بما فيها الدستور، وكل ذلك كان يحسم بالشورى، خلاصة القول ان اسباب الانشقاق الذي ظهر الان على السطح كانت تمور في الداخل، فكأنما كنا نشكل في واقع الامر فريقين: فريق شمولي كان يصر على ان تظل الامور كما هي ولا يقبل بالحريات أو الدستور أو الاتجاه للتعددية، وفريق اخر كان يرى غير ذلك. ـ اي الفريقين كان يشكل الاغلبية؟ ـ الفريق الثاني كان الغالب وهذا ما فتح الطريق لوضع الدستور.. وعندما وصلنا إلى محك تطبيق الدستور وقعت «المشكلة»، لان الفريق الشمولي كان يريد ان يجعل من الدستور ديكورا للزينة فقط.. وانفجرت المشاكل أكثر عندما بدأنا التطبيق الفعلي للدستور.. الخلاف وقع حتى في مسألة الوفاق. ـ كيف؟ ما هي تفاصيل الخلاف حول الوفاق؟ ـ عندما ذهب شيخ حسن لمقابلة المهدي في جنيف تم ذلك باتفاق معهم (الفريق الشمولي) لكنهم شعروا ان الامر بات جديا وحسبوا ان مجيء المهدي والميرغني وخلافهم سيفقدهم السلطة، كانت هذه قراءتهم. اما الخلاف الذي فجر الموقف فقد ظهر عند تطبيق موضوع الحكم الاتحادي.. وانتخاب الولاة مباشرة حسبما ينص عليه الدستور. خلاصة الامر ان حقيقة الخلاف بيننا وبينهم حقيقة تكمن في الدستور هم يريدونه ديكورا ونحن نريد تطبيقه فعلا. التوالي مجدداً ـ الا ترى ان الصياغة المبهمة للدستور (وكان هذا موضع نقاشنا الساخن قبل ثلاث سنوات) اتاحت مدخلا للتلاعب به، اقصد ان كل الخطوات التي اتخذها النظام حتى الان دستورية طبقا لنصوص الدستور.. فلماذا ورطتم السودان في هذا المأزق؟ ثم ان الفريق الذي تتهمه الان هو الذي يقوم حاليا بمهمة تنقيح المواد المبهمة والمثيرة للجدل مثل «التوالي» فكيف تربط بين دفاعكم عن الدستور وهجومك على هؤلاء؟ ـ هنالك نظرتان تجاه الدستور.. أو قل هناك فريقان: فريق معارض للدستور اصلا، وواضح انك منهم وهم كثر، هؤلاء لهم رأيهم ولم نأخذ به، ولا اود ان اتحدث الان عن هؤلاء... انا اتحدث عن الدستور الذي اجيز فعلا ووقع عليه الرئيس واقسم عليه.. هذا الدستور لم يكن مبهما وكان واضحا جدا. ـ ألم يبح صوت الناس في الجدل حول «التوالي» ومفهومه المبهم؟ ـ اكرر لم يكن مبهما، الدستور كان واضحا جدا، لكن هذا الجدل اثاره اؤلئك الذين كانوا يعارضون الدستور اصلا. ـ هل مازلت مصرا على الدفاع عن التوالي؟ ـ نعم.. «التوالي» مجرد كلمة تعني التعاون والتضامن ولا يعني ان نحشر الناس جميعا في حزب واحد، ودعني اتجاوز الان الجدل حول هذا الامر، انا اتحدث الان عن معركتنا ضد الحكومة التي لم تلتزم بدستور رضيت به، وليس ضد معارضي هذا الدستور من اساسه، نعم هنالك مشاكل داخل الدستور.. ولكن... ـ تقول ان الدستور ينطوي على مشاكل؟ ذات الدستور الذي كنتم تقولون عنه انه يضاهي افضل الدساتير الغربية، وصورتموه وكأنما هي وثيقة لم يتفق عنها ذهن انسان من قبل؟ ـ هو بالفعل افضل الدساتير الغربية، رغم ما ينطوي عليه من مشاكل. ـ ما هي هذه المشاكل؟ ـ كونه صعب التطبيق لمن لا يؤمن بالحريات.. الدستور من حيث صياغته واحكام مواده وثيقة ممتازة ولكن الحكومة عندما جاءت في مرحلة التطبيق علمت ان ذلك من شأنه ان يؤدي إلى ازالتها .. اذ انها عندما تسمح بالحريات وتمضي فعلا في اتجاه تداول السلطة انما توقع على شهادة وفاتها. ـ اين كان هذا الاهتمام غير العادي وبكاؤكم على الحريات، طوال العشر سنوات التي كنتم فيها على سدة الحكم؟ ـ ما بك.. الا تفهم؟! (قالها بحدة) لقد قلت لك اننا قررنا ان نقلب الحكم ونطبق النظام العسكري إلى حين، وكان اجل ذلك وضع الدستور وبالفعل وضعناه واجزناه لنبدأ مرحلة الحريات. ـ إلى هذا الحد تريدون ان تتحكموا في الشعب السوداني بمزاجكم؟ ـ الامر ليس امر مزاج.. لقد اوضحت ملابسات الوضع السياسي آنذاك وكيف ان الحزب اجتمع وقرر ما يراه صوابا بالاغلبية وكان ما كان، ولسنا اول الانقلابيين في السودان ونأمل ان نكون آخرهم. لست نادما ولكن.. ـ هل ينتابكم شعور بالندم الآن؟ ـ لا لست نادما.. ولو عاد بنا الزمن إلى الوراء ومررنا بذات الملابسات كنا سنتخذ ذات القرار، ولكن هنالك ممارسات ظهرت لنا الآن ولم نكن على علم بها.. هذه الممارسات كنا سنتخذ حيالها موقفا مختلفا، ولكني لست نادما ابدا على قيام الانقاذ، واعتقد ان المشكلة الآن لا تكمن في قيام الانقاذ بل تكمن في الردة عنها! اقصد الردة عن الدستور، وهذا من اسباب رفضي للحكومة وسعيي لازالتها واكرر ان لنا الحق في ان نسعى مع «التجمع» ومع غيره لهذا الهدف. ـ تسعى مع التجمع لتأتي بدستور الانقاذ؟! ـ بل لنضمن الحريات.. نحن سنظل نسعى لمبادئنا والحكم للشعب. ـ اعود إلى اعترافكم بتدبير انقلاب الانقاذ واحيلك إلى حديث للنائب الاول في لقاء مطول مع التلفزيون السوداني انكر خلاله علمه المسبق بالانقلاب وحكى كيف انه كان متخفيا في منزل وجاء العسكر ليفتشوا المنزل المجاور لمخبئه، اي انه انكر اي صلة للجبهة الاسلامية بالانقلاب؟ ـ لم يقل هذا. ـ بل قال ذلك وتابعته يروي قصته، بنفسي. ـ اكرر القول انه لا يمكن ان يكون قال ذلك. ـ هل تابعت هذا اللقاء؟ ـ لم اتابع ولكن لا يمكن ان يقول علي عثمان ذلك. ـ لماذا؟ ـ لانه من ضمن السبعة الذين كانوا مشرفين على كل الانقلاب. ـ من هم بقية السبعة؟ ـ لن اذكر اسماء ولكن اكتب على مسئوليتي: علي عثمان كان ضمن السبعة واذا قال ما ذكرته انت فهو كاذب. اكرر: علي عثمان لم يقل ذلك واذا قاله فهو كاذب لانه من ضمن السبعة، الذين اشرفوا على كل عملية الانقاذ، ولا أود ان اذكر اسماءهم، يكفي انه يعرف ذلك كما يعرف نفسه!! ـ هل كنت انت شخصيا ضمن السبعة؟ ـ قلت انني لن اذكر اسماء.. ولكن اتحدى علي عثمان ان ينكر أو ينفي صحة ما اقوله.. اتحداه.. اتحداه! الخروج.. والملاحقة المزعومة ـ دعنا ننتقل إلى وضعك انت الان، نقرأ في صحف الخرطوم انك ملاحق من قبل الانتربول.. ما تعليقك؟ ـ هذه سذاجة ما بعدها سذاجة الانتربول لا يتدخل في اتهامات سياسية والمسألة كلها فرية اطلقتها الحكومة حتى تطيل مدة اعتقال كوادرنا القيادية المحبوسة، لكن كل ذلك لم ينطل على القاضي الذي قال انه لم يجد شيئا يبرر استمرار اعتقالهم، اما موضوع الانتربول فدعني اكرر ان ما يتردد ينم عن سذاجة فعلية نربأ بالصحافة ان تخوض فيها بهذه السطحية، وعلى كل حال فهانذا اتنقل في المطارات، والان الجميع يعرف بمكان وجودي، والا، فيمكنك ان تدلهم (واطلق ضحكة). ـ ما قرأناه متعلق باتهامات جنائية وليست سياسية.. وتحديدا عن اختلاسات في اموال طريق الانقاذ الغربي. ـ كل ذلك افك.. افك تولى كبره علي عثمان نفسه وآخرون. ـ من هم هؤلاء الآخرون؟ ـ لن اذكر اسماءهم الان.. يا اخي انا كنت في السودان قبل ان اخرج بطريقة عادية ومشروعة، طوال وجودي هناك اعلنت التحدي. ـ اذكر انك قلت «خلوها مستورة». ـ بل تحديتهم ان يقدموني لمحاكمة، وفي ندوات علنية ولم يفعلوا شيئا، والمهم في هذا الملف ان هذا الطريق اصبح هو «الطريق اليتيم»، وهم الآن يعملون ضد الطريق.. وكما ذكرت فقد كنت في السودان وكنت اجاهربكل هذا، وكل الموضوع افك في افك، ولا اريد ان اشغل نفسي به. ـ موضوع الطريق موضوع يهم قطاعا كبيرا جدا من الشعب السوداني ويعول عليه كثيرا في تنمية جزء مهم من اجزاء البلاد، نريد ان نعرف ماذا يحدث بالضبط؟ ـ الموضوع يهم كل الناس والجهات باستثناء القصر الرئاسي، الحقيقة تكمن في ان الحكومة لم تساهم سوى بـ 5% فقط بينما تولى توفير الـ 95% الجهد الشعبي ومساهمات الناس المقدرة، وهذا الامر كان مدعاة حرج كبير للحكومة.. فرأت ان تغطي على ذلك، هذه هي المشكلة الحقيقية، اما ادعاءات الفساد فهو غبار يثيره القصر، وانا شخصيا تجاوزت هذه القضية ولا اقف عندها كثيرا بعد ان اطلقت ارائي وتحدياتي في الداخل. ـ لماذا انت في الخارج وما الذي يمنع عودتك؟ ـ انا انفذ قرارا للحزب خرجت بقرار حزبي ولا اعود الا بقرار مماثل. ـ كيف خرجت من السودان؟ ـ كان خروجي عاديا. ـ ألم يكن خروجك مخططا ضمن تحسباتكم لرد فعل السلطات حين اعلان مذكرة التفاهم مع قرنق؟ ـ لا، ابدا.. بالطبع كنت على صلة بهذا الملف، نعم لم تكن صلة مباشرة ولكن لم اكن بعيدا عن الامر. النية مبيتة ـ هل كنتم تتوقعون ان يكون رد الفعل الحكومي بهذا الشكل الذي حدث؟ ـ الحقيقة ان الحكومة كانت تبيت النية على اعتقال الترابي واخرين وكانت تتحين الحيلة ووجدت الفرصة في مذكرة التفاهم. ـ لماذا في اعتقادك يريدون اعتقال الترابي؟ ـ اسألهم هم. ـ ما تفسيرك انت؟ ـ اعتقد ان تأسيس المؤتمر الشعبي يوم 27 يونيو عام 2000م والنشاط الهائل الذي تلى ذلك في كل انحاء السودان والتدافع الجماهيري لمؤتمراته كشفت للحكومة ان ما يسمى المؤتمر الوطني الحكومي لا وجود له، هذا هو السبب الاساسي لاستهداف قيادات المؤتمر الشعبي، إلى جانب ذلك أثار هلع الحكومة انحياز قطاعات الشباب والمرأة والطلاب وغيرهم إلى صفوف حزبنا وتدافعهم في المؤتمرات التي عقدت لهذه القطاعات، فضلا عن ذلك صدور صحيفتنا «صوت الشعب» والاثر الكبير الذي خلفته، اضافة إلى قيامنا بكشف التزييف والتزوير الذي حدث في الانتخابات، كل ذلك كان وراء استهداف حزبنا وقياداته. ـ تقول ان الانتخابات شابها التزوير؟ ـ كلها.. كلها.. كانت مزورة، وقد اعددنا تقريرا وافيا حول ذلك بكامل الادلة، فقد كانت لدينا فرق للمراقبة الدقيقة لعمليات التصويت وكشفنا ذلك بالتفصيل. المهم.. كل هذا جعل الحكومة تبيت النية لاعتقال شيخ حسن، وتعطيل الحزب بأي طريقة، وفي سبيل ذلك ضغطوا على مسجل الاحزاب، لحمله على حل الحزب، لكنه رفض. ـ هل لديكم ادلة على هذه الاتهامات؟ ـ نحن ملمون بكل تفاصيل ما يدور داخل الحكومة، عناصرنا حتى الان مزروعة في كل المواقع ابتداء من القصر الرئاسي وحتى ادنى موقع بما في ذلك الامن والجيش والشرطة ومجلس الوزراء، ومن يعتقد غير ذلك فهو ساذج.