دخل مجلس الشعب المصري في دوامة تصفية الحسابات بين رجال الأعمال ، فيما بينهم من جانب ، وبين رجال الأعمال والمجموعة الاقتصادية في الحكومة على الجانب الآخر طوال الأسابيع الثلاثة الماضية، ويتوقع نواب مثل (كمال أحمد ) و(أبو العز الحريري ) أن تستمر هذه الصراعات حتى بداية الدورة الجديدة للمجلس أو حتى آخر هذا العام ويتخوف نواب في الحزب الحاكم من خطر اللجوء إلى مجلس الشعب لوضع حد للمأزق الذي و قعت فيه السلطتان التشريعية والتنفيذية بسبب ( تسلل ) نواب من ذوي المصالح الخاصة إلى البرلمان عن طريق الإنتخاب الفردي واضطر مجلس الشعب والحكومة خلال شهر كامل إلى الدخول في مفاوضات و (تنازلات ) لإقناع النواب بسحب (5) استجوابات تدور حول الفساد المالي في القطاعات الاقتصادية والسياسية خوفا من الزج بالسلطة التشريعية في مهاترات بين أصحاب المصالح تنتهى بتأثيرات سيئة على الاقتصاد القومي وسمعة الاستثمار والمستثمرين في مصر . وتقول مصادر مطلعة داخل المجلس إنه جرت مشاورات سرية بين ممثلين عن الهيئة البرلمانية للحزب الحاكم والدكتور ( أحمد فتحي سرور ) رئيس مجلس الشعب والدكتور (عاطف عبيد ) رئيس مجلس الوزراء لوضع حد للإستجوابات التي تمس الاقتصادي الوطني خاصة قطاع البنوك وأن هذه المشاورات أسفرت عن تكليف رئيس المجلس وهو أيضا أحد قيادات الحزب الحاكم بالإتصال بنواب المعارضة والمستقلين أصحاب الاستجوابات الاقتصادية حيث تم التوصل إلى حلول وسط تقضي بأن يسحب هؤلاء النواب استجواباتهم على أن تتعهد الحكومة بملاحقة الفساد وإحالة رجال الأعمال الذين لم يسددوا مليارات الجنيهات التي اقترضوها من البنوك للتحقيق ووضع ضوابط لعمليات الإقراض الكبيرة . صراع الحيتان وأوضحت المصادر أن هذه الاتصالات أدت ولأول مرة في تاريخ المجلس الجديد إلى إيجاد لغة من التفاهم بين الحكومة والهيئة البرلمانية لحزبي الوفد والأحزاب المعارضين إلى جانب الكتلة البرلمانية للأخوان المسلمين الذين يطلقون على أنفسهم مجموعة الـ (17 ) نائبا بينما لم يتمكن رئيس المجلس من الحصول على وعد قاطع من الهيئة البرلمانية لحزب التجمع اليساري المعارض بأن يسحب نائبه المشاغب (البدري فرغلي ) إستجوابه و يبدو أن الحزب مارس ضغوطا على ( فرغلي ) المشهور باستجواباته النارية إلا أنه أعلن يوم سحب الاستجوابات أنه متمسك باستجوابه وأنه سيسقط فيه الشق الخاص بالفساد في القطاع المصرفي حرصا منه على المصلحة العليا للبلاد ، وطالب نواب المجلس عدم التستر على الفساد وتعهد بملاحقته في أي مكان ، وعلى الرغم مما أعلنه (البدري فرغلي ) إلا أن أوساط الحزب الحاكم تتخوف من تراجعه خاصة وأنه صرح في جلسة مع عدد من زملائه أن كل ما يريده هو أن يتمكن من الوقوف على منصة الاستجوابات. وفي رأي النائب (أبو العز الحريري) فإن ما يشهده المجلس حاليا هو صراع الحيتان من رجال الأعمال ، ويشاركه في هذا الرأي نواب آخرون من المستقلين وحتى الحزب الحاكم حيث أشاروا إلى أن استجواب أحد النواب حول الفساد المصرفي والذي سحب من المجلس مؤخرا كان يخلو من أي ذكر لديون رجل الأعمال المعروف (رامي لكح ) ويزخر على الجانب الآخر بأسماء وأرقام لمن حصلوا على قروض وتعثروا في سدادها وحجم هذه القروض وفوائدها ويقول النواب أن صاحب الاستجواب كان يستهدف من وراء الاستجواب ممارسة ضغوط على وزير الاقتصاد ومجلس إدارة أحد البنوك الكبرى لحساب صديقه المديون بأكثر من مليار جنيه للبنك نفسه ! وهذا مثال على صراع المصالح داخل المجلس أما رجال الأعمال الذين يقفون خارج المجلس من غير النواب فقد دخلوا هم أيضا كطرف محرك وأساسي في اللعبة وعلى حسب ما ذكره نواب مستقلون فإن هناك مستندات وأوراق ووقائع محددة تناولها عدد من أصحاب الاستجوابات لحماية مصالح رجال كبار في مجال مقاولات البناء والإتصالات وشركات المحمول والاستيراد والتصدير ، و على الرغم من قيام النائب المستقل (محمد البدرشيني ) بسحب إستجوابه عن القطاع المصرفي إلا أن الاستجواب الذي طرحه في المجلس ضد الدكتور ( أحمد نظيف ) وزير الإتصالات دار حول (شركة قطاع خاص محمول) . هذه الموجة من الخلافات بين النواب فيما بينهم وبين الحكومة تفجرت عقب الاستجواب الذي تقدم به النائب المستقل (كمال أحمد ) حول الفساد في البورصة والذي أثار ضجة واسعة في أوساط الرأي العام في مصر لكن السؤال الذي بدأ يتردد بين أروقة المجلس وداخل الحكومة هو هل كان كمال أحمد طرفا في صراع المصالح خاصة وأنه كان يحصل على مستندات غاية في السرية أولا بأول ويوما بيوم من داخل البورصة ومن مكتب رئيسها نفسه؟. لكن هل يملك رجال الاعمال القدرة على تهديد الحكومة وفرض توجهاتهم على مجلس الشعب؟، والجواب نعم على حد قول (ابو العز الحريري ) أن الوضع الحالي أصبح يتطلب أحد أمرين : إما أن يتمسك مجلس الشعب والحكومة بالشفافية والديمقراطية والتعامل الواضح الذي يهدف إلى الإصلاح أو تدهور العلاقات بين جميع الأطراف مما ينذر بحل مجلس الشعب خاصة أن الحيتان ( يقصد رجال الأعمال لم تعد تأبه برأي الرأي العام في ممارساتهم ضد المصالح الاقتصادية للدولة كما أنهم دخلوا في مواجهات مع الحكومة لحماية مصالحهم الخاصة وتسببوا في إهدار الحقوق الدستورية لمجلس الشعب ومنها حق الرقابة المنزه عن أي غرض خاص ، وحق التشريع لمصلحة الوطن والغالبية العظمى من المواطنين وأن مثل هذه الممارسات جعلت الحكومة تضطر عدة مرات إلى مواجهة رجال الأعمال حينا والتفاوض معهم حينا آخر كما حدث مؤخرا لكن الخطر يكمن في تطوير الصراع بين رجال الأعمال وبعضهم البعض مما سيؤدي إلى (هدم المعبد على رؤوس الجميع ) . الاحالة إلى الأجهزة الرقابية النائب المستقل (عبد المنعم العليمي ) صاحب استجواب البطالة الذي عرضه في المجلس قبل شهرين قال عن سحب الاستجوابات الخاصة الفساد المالي : إن المجلس كان يجب عليه إحالة هذه الاستجوابات إلى الأجهزة الرقابية المختصة بغض النظر عن وجود مصالح أو صراعات وأشار إلى أن رجال الأعمال الذين تقدمهم الحكومة للرأي العام كمعبرين عن وجود مستثمرين واستثمار في مصر هم الذين أخذوا قروضا من البنوك ومنهم نواب في مجلس الشعب لايملك إحالة قضايا الفساد للنيابة العامة وأن وزير الاقتصاد ومحافظ البنك المركزي هما الوحيدان الذين يملكان إذن الإحالة لإقامة الدعوى العمومية في قضايا البنوك وإتاحة الفرصة أمام النيابة العامة للتحقيق في شبهة وجود الفساد من عدمه. أما الدكتورة (فائقة الرفاعي ) عضو مجلس الشعب والنائب السابق لرئيس البنك المركزي فقد أوضحت أن معظم استجواب النواب التي تم سحبها من المجلس تتناول ظواهر عامة وإنطباعات عن البنوك بسبب هروب بعض رجال الأعمال للخارج وقالت : إن مثل هذه الأمور يجب أن تناقش في اللجان المختصة في مجلس الشعب قبل عرض الاستجواب على الرأي العام حتى لايتسبب في إحداث بلبلة للقطاع المصرفي. وأكدت ان البنك المركزي لا يتستر على أي فساد وهو جهة إشراف على البنوك. القاهرة- مكتب «البيان»