رغم التعديلات التي أجرتها الحكومة على قانون العمل الموحد في مصر فإن ثغرات كثيرة لا تزال تعتري مشروع قانون العمل الموحد الذي يتهمه العمال بأنه جاء ارضاء لأصحاب الأعمال على حسابهم، وأنه قانون يستهدف الحد من حقوقهم وسلب حريتهم النقابية بعد أن قلص مشروع القانون حق العمال في الاضراب وأعطى أصحاب الأعمال فرصا أوسع لتوقيع العقوبات على العمال. ومن الواضح أن التصريحات التي أطلقها وزير القوى العاملة والهجرة أحمد العماوي ورئيس اتحاد العمال السيد راشد كانت تستهدف امتصاص ثورة وغضب العمال لحين الانتهاء من مناقشة التعديلات التي تم ادخالها على القانون بدون موافقة العمال ومن أبرز التصريحات التي تداو تها وسائل الاعلام لراشد والعماوي أن قانون العمل الموحد نموذجي بشهادة منظمة العمل الدولية.. ولا لتغليب مصالح أي طرف على الطرف الآخر والقانون 137 لسنة 81 المطبق حاليا عفا عليه الزمن واصبح غير صالح للتطبيق في المرحلة الحالية.. والحكومة هي الحكم العدل في المنازعات التي تنشأ بين العمال وأصحاب الأعمال. في سرية تامة بدأت الحكومة ادخال بعض التعديلات على بعض مواد القانون التي تمت مراجعتها في مجلس الدولة وذلك بهدف احكام سيطرة الحكومة على كافة الأنشطة العمالية بمافيها حق الاضراب والذي يكفله القانون للعمال حيث تسعى الحكومة الى تقييد حق الاضراب من خلال ضرورة حصول العمال قبل تنظيم الاضراب على موافقة ثلثي أعضاء مجلس ادارة النقابة العامة التي يتبعها العمال وهو أمر يكاد يكون من المستحيل تحقيقه نظرا للحالة السيئة التي يمر بها التنظيم النقابي بسبب استجابته المطلقة لكل رغبات الحكومة حتى التي تكون ضد مصالح العمال. تقرير لجنة مراجعة القانون بمجلس الوزراء كشف النقاب عن وجود محاولات حكومية جادة لدمج الباب الخامس من القانون والخاص بحق الاضراب مع الباب الرابع الخاص بالتسوية الودية والوساطة والتحكيم في باب واحد يطلق عليه منازعات العمل الجماعية كما أبدى تقرير مراجعة القانون الموافقة على اقتراح تعديل تقدمت به الحكومة بجعل زمن الاضراب ممتد لعدة ساعات فقط وهو اجراء يهدف الى تفريغ حق الاضراب من مضمونه وجعله اجراء شكليا فقط وفي الوقت نفسه رفض التقرير اقتراحا تقدمت به الحكومة لحصر أسباب الاضراب في سببين فقط وهما عدم الحصول على الأجر المتفق عليه واخلال صاحب المنشأة بالسلامة والصحة المهنية وهو مايخالف الاتفاقية الدولية الخاصة بالحقوق السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي وقعت عليها مصر. أما التعديل الأكثر خطورة في قانون العمل الموحد فهو التعديل الذي أدخلته الحكومة على المادة 194 والخاصة بحظر القيام بالاضراب في المنشآت الحيوية حيث منح المشرع لرئيس الوزراء الحق في تحديد هذه المنشآت واضافة المنشآت الخدمية اليها وهو الأمر الذي يعني تقويض حق العمال في الاضراب بالكامل. علاقات العمل ويتكون قانون العمل الموحد في صورته النهائية من 259 مادة ويقع في ستة كتب الأول يضم بابين ويتكون من 10 مواد تتناول التعاريف والأحكام العامة أما الكتاب الثاني فيتناول علاقات العمل الفردية ويتكون من 129 مادة تتناول التشغيل وتنظيم عمل المصريين في الداخل والخارج وتنظيم عمل الأجانب وعقد العمل الفردي والأجور والاجازات وواجبات العمال ومساءلتهم والتحقيق مع العمال وتنظيم العمل وساعات العمل وفترات الراحة وتشغيل النساء وتشغيل الأطفال وانقضاء علاقة العمل. ومن أبرز مايمكن تسجيله في هذا الكتاب انه يتناول كيفية تشغيل العمال المصريين في الداخل والخارج ويسمح لشركات الحاق العمالة بممارسة نشاط التشغيل في السوق الداخلي بنفس الضوابط الموجودة في القانون 10 لسنة 91 المنظمة لعمل هذه الشركات كما يتضمن النص على تشكيل مجلس أعلى للأجور يقوم بتحديد حد أدنى للأجور يتناسب مع مستويات الأسعار السائدة ويتم مراجعته مرة كل 3 سنوات على الأقل. ومن الملاحظ أن الحكومة جاملت أصحاب الأعمال بصورة مبالغ فيها وخاصة في المواد الخاصة بالتحقيق مع العمال ومساءلتهم حيث تشددت معهم بصورة واضحة حيث وضعت لهم 10 واجبات ينبغي تنفيذها بدقة وحظرت عليهم القيام بستة محظورات حتى لا يقعوا تحت طائلة القانون وفي نفس الوقت يمكن أن يتعرض العامل لحوالي 8 جزاءات تأديبية تبدأ بالانذار وتنتهي بالفصل النهائي من الخدمة ومرورا بالخصم من الأجر وتأجيل موعد استحقاق العلاوة السنوية والحرمان منها أحيانا وتأجيل الترقية وتخفيض الأجر بمقدار علاوة اجتماعية والخفض الى وظيفة أدنى كما تضمنت المادة 69 من القانون 9 أسباب تجيز فصل العامل من الخدمة وهي اذا انتحل العامل شخصية الغير أو قدم اوراقا مزورة واذا ارتكب خطأ نتجت عنه خسارة مادية جسيمة واذا تكرر منه عدم مراعاة التعليمات واذا تغيب بدون مبرر مشروع أكثر من عشرين يوما منفصلة واذا أفشى أسرار المنشأة التي يعمل بها واذا وجد اثناء العمل في حالة سكر بين واذا اعتدى على صاحب العمل. ويتناول الكتاب الثالث من القانون التوجيه والتدريب المهني وذلك من المادة 131 الى المادة 144 في حين يتناول الكتاب الرابع علاقات العمل الجماعية والمفاوضة الجماعية واتفاقيات العمل والتسوية الودية للمنازعات وذلك من المادة 145 حتى المادة 192. مناطق شائكة ويعد الباب الخامس من الكتاب الرابع أحد أهم المناطق الشائكة في قانون العمل الموحد لأنه حسب آخر صيغة للقانون يتناول الاضراب والاغلاق وقد تكفل القائمون على صياغة القانون بتقييد حق العمال في الاضراب بكل ما أوتوا من قوة لأنهم حتموا ضرورة موافقة ثلثي أعضاء مجلس النقابة من أجل تنظيم الاضراب حسب نص المادة 194 أما المادة 195 فتحظر على العمال القيام بالاضراب من أجل تعديل اتفاقية العمل الجماعية وكذلك الحال خلال مراحل واجراءات الوساطة والتحكيم أما المادة 196 فتحظر الاضراب في المنشآت الحيوية التي يصدر بتجديدها قرار من رئيس الوزراء وهو التفاف واضح لتفريغ القانون من محتواه ومضمونه في هذه النقطة لأنه كان من الضروري تحديد هذه المنشآت من نص القانون. وفي المقابل منح المشروع أصحاب الأعمال سلاحا قويا لمواجهة احتجاجات واضرابات العمال وهو حقهم في اغلاق المنشأة لأسباب وظروف اقتصادية معينة وكذلك منحهم حق تقليص حجم ونشاط المؤسسة لظروف اقتصادية في حين تتناول باقي مواد القانون من المادة 204 حتى المادة 259 السلامة والصحة المهنية وتأمين بيئة العمل والتفتيش والعقوبات والضبطية القضائية. وعلى الرغم من كل هذه الثقوب والثغرات التي تضمنها قانون العمل الموحد سواء بقصد أو بدون قصد من المشرع الا أن المسئولين عن القطاعات العمالية يتباهون في كافة المحافل بأنه من أفضل قوانين العمل على مستوى العالم ويقولون أن منظمات دولية مهتمة بشئون العمل والعمال أثنت على هذا القانون فأحمد العماوي وزير القوى العاملة والهجرة مصر على أن قانون العمل الموحد قانون نموذجي بشهادة منظمة العمل الدولية على الرغم من أن المنظمة ابدت العديد من الملاحظات والاعتراضات على مشروع القانون وبرر الوزير هذه الانتقادات برفض الوزارة مشاركة خبراء من منظمة العمل في اعداد وصياغة القانون في مراحله الأولى. ويرى العماوي من وجهة نظره أن قانون العمل بصورته الحالية يعتبر محايدا للغاية ولم يجامل رجال الأعمال على حساب العمال لأن استقرار العلاقات الانتاجية اساسه الاستقرار والتوازن في العلاقة بين العمال وأصحاب الأعمال مشيرا الى أن هذا القانون استحدث عدة أمور أبرزها انشاء مجلس أعلى للأجور يختص بوضع حد أدنى للأجور ومراجعته مرة كل 3 سنوات على الأقل حتى يكون هناك نوع من التوازن بين الأجور والأسعار كما سمح القانون لشركات الحاق العمالة بممارسة نشاط التشغيل في سوق العمل الداخلي وكذلك أعطى لمفتشي العمل حق الضبطية القضائية بالنسبة للأمور التي تتعلق بالصحة والسلامة المهنية. أما السيد راشد رئيس اتحاد العمال فيرى أن القانون في صورته النهائية جيد ويحقق الحد الأدنى من مطالب العمال مشيرا الى انه لا يؤمن شخصيا بالصدام الذي لا يحقق أي مصالح للعمال لكنه بالتفاوض المستمر على طريقته الخاصة التي يطلق عليها طريقة (طرق الأبواب المغلقة) حيث انه يؤكد أن هذه الطريقة ناجحة مع كل المسئولين في الدولة على كافة المستويات ولعل من أبرز ثمار هذه الطريقة نجاحه في الحصول على 10% من أسهم شركات الخصخصة للعمال من خلال اتحادات العاملين المساهمين. ويقول راشد انه لا يمكن ان يقبل التضحية بمصالح العمال من أجل أي شئ لأنه مستعد للرحيل من منصبه اذا ثبت انه مقصر في الحفاظ على حقوق ومصالح العمال ويبدو أن راشد يتناسى المشاكل التي يواجهها العمال في كافة الشركات الاستثمارية وشركات قطاع الأعمال حيث يتم تسريح العمال وتصفيتهم بكافة الأشكال والصور دون أن يتحرك التنظيم النقابي. القاهرة ـ محمد عبدالجواد: