التعبير قانوني وسياسي، ولكنه تحول في مصر إلى (نكتة) .. والتعبير الذي أعنيه هو (سيد قراره) والذي يجرى إطلاقه على البرلمان المصري (مجلس الشعب). والأصل في الدستور، ومعظم دساتير العالم هو الفصل بين السلطات: تشريعية وتنفيذية وقضائية.. والأصل أنه لا وصاية لأحد على البرلمان، بل أنه هو الذي يصور التشريعات واجبة التنفيذ سواء من جانب الحكومة أو القضاء .. أيضا فهو الذي يراقب السلطة التنفيذية .. ومن هنا كان التعبير منطقيا أنه (سيد قراره). في الفترة الماضية، ولعدة دورات أسئ استخدام الحق فباتت استقلالية القرار وسيلة لحماية الاعضاء المنحرفين والذين وصلوا بالخطأ إلى مقاعدهم .. كما باتت الاستقلالية كأنها عمل سياسي يستهدف مصالح الأعضاء والحزب الحاكم وليس صالح القانون. طبقا للقانون فإن هناك شروطا للعضوية في مجلس الشعب، وهناك إجراءات لصحة إنتخاب العضو، كما أن هناك إجراءات للطعن في هذه العضوية وهو الأمر الذي تحققه أعلى سلطة قضائية في مصر وهي محكمة النقض. في الواقع العملي جرى تحصين الأعضاء بحجة أن المجلس سيد قراره وأنه وحده يقرر صحة عضوية أفراده حتى لو جاء تقرير محكمة النقض وغيرها من المحاكم لينسخ هذه العضوية وليقول إن العضو قد وصل إلى مقعدة بالتزوير، أو أنه فاقد لأحد شروط العضوية مثل أداء الخدمة العسكرية أو الاعفاء منها، ومثل إجادة القراءة والكتابة وخلو صحيفة السوابق من أي جرائم. عمليا، أصدرت محكمة النقض مئات التقارير التي جرى إصدارها، ولجأ الطاعنون والشاكون للقضاء مرة أخرى للحصول على تعويض مالي عما تكبدوه من خسائر نتيجة فقدانهم المقعد الذي أنتزعه غيرهم .. وكانت الحكومة تدفع الملايين لتعويض الفائزين الحقيقيين! وعمليا، كان يمكن الغاء عضوية مالا يقل عن ثلث مجلس الشعب في الدورة الحالية، أو الدورة السابقة .. لكن ذلك لم يحدث. ومازالت القاهرة تتندر على إحتلال أحد الوزراء وهو وزير الإنتاج الحربي لمقعد مجلس الشعب رغم صدور ستة أحكام قضائية تنسخ هذه العضوية، ومازال البعض يتندر على إستمرار عدد من الأعضاء مزدوجي الجنسية رغم صدور أحكام قضائية تلغي صحة ترشيحهم. ومازلت أذكر طعنا تقدم به ضياء الدين داود أمين عام الحزب الناصري في الإنتخابات الماضية وكان فحواه أن لجنة الإنتخاب قد أخطأت في الحساب ورصدت بعملية جمع خاطئة أصواتا للخصم لو تم حذفها لتغيرت النتيجة.. و.. لم يؤخذ بالطعن الذي كان بحاجة إلى مدرس حساب في المرحلة الإبتدائية ليبت فيه، بدلا من محكمة النقض ووزير الداخلية ورئيس مجلس الشعب. إنه إذن الاستيلاء على المقاعد وإهدار تقارير القضاء وأحكامه. والأمر هنا له وجهان.. وجه يتصل بالعلاقة بين السلطات فعدم احترام أحكام وتقارير القضاء يمثل مشكلة سياسية ودستورية وهو ما دفع بعض الدوائر القضائية للتنديد في أحكامها بموقف مجلس الشعب ووزارة الداخلية التي تعلن النتائج. والظاهرة طفت إلى السطح كثيرا حين تحدث الرئيس حسني مبارك عن ضرورة احترام الاحكام القضائية، و.. حينذاك بدأت التكهنات: هل يتم التراجع عن مبدأ «سيد قراره» كغطاء للتدليس وإحتكار المقاعد؟ .. أم أن الرئيس مبارك يمهد بذلك كما تردد لحل مجلس الشعب والذي يضم هذه المرة عددا كبيرا من المعارضين؟ إنه مفترق طرق، والموعد هو شهور الصيف التي تشهد عطلة برلمانية بطبيعة الحال، وإن سوف يشهد هذا العام ما تشهد، أشار له مبارك من بحث سياسي وقانوني عن نظام إنتخابي جديد يضمن تمثيلا أفضل للقوى السياسية ويضمن استبعاد التزوير والبلطجة، أو هكذا تم الاعلان من جانب الرئيس. حل مجلس الشعب إذن وارد، ولكن وكما أرجح نتيجة لنظام إنتخابي جديد وهو ما سوف يستغرق بعض الوقت .. أما حكاية (سيد قراره) فقد يجد معالجات جزئية يجري من خلالها وبعد العطلة الصيفية إسقاط عضوية بعض الرموز الفجة مثلما هو الحال مع وزير الإنتاج الحربي. إنها محاولة لإمتصاص غضب شعبي ومحاولة لتحسين صورة ساءت أمام الرأي العام داخليا وخارجيا. لقد قيل، وفي صدد الإنتخابات المصرية، أن (إشراف القضاء على الإنتخابات هو الحل) .. لكن ذلك لم يمنع البلطجة .. وهي بلطجة حكومية وسياسية هذه المرة، فقرار البلطجة يصدر من سيد قراره وليس من فتوات ورجال عصابات يجرى استئجارهم. إنها معاناة الديمقراطية في بلادنا العربية وإلى أن نؤمن بأن المشاركة حق للجميع. بقلم: محمود المراغي