في الجانب الفلسطيني يعد وقف الاستيطان بل ازالة المستوطنات شرطاً للسلام المستحيل مع اسرائيل وفي الجانب الاسرائيلي يرى ارييل شارون رئيس الوزراء الاسرائيلي الاستيطان ضرورة صهيونية، فهل هناك فرصة لعقد اتفاق سلام مع سفاح صبرا وشاتيلا؟ اعد نبال الخماش رئيس قسم الدراسات في دائرة المطبوعات والنشر الاردنية دراسة قال فيها ان من يريد تتبع علاقة شارون بالاستيطان عليه قراءة مذكرات هذا الارهابي ومتابعة تصريحاته ليتأكد له ان شارون هو الناطق الرسمي باسم الاستيطان. وتنوه الدراسة في البداية انه قد تختلف المنطلقات الفكرية التي يستند اليها في تبرير هذا الشكل من اشكال الاستعمار ومدى اهميته لدولة اسرائيل من مرحلة الى اخرى، وتقول اننا قد نجده في مرحلة ما متوافقا في طرحه مع الاصوليين اليهود، الذين تنطلق رؤيتهم للاستيطان من خلال قراءتهم لقاموسهم التوراتي الذي يطلق على منطقة الضفة الغربية اسم «يهودا والسامرة او ارض اسرائيل» وبالتالي فإن على الدولة الاسرائيلية ان تعلن سيادتها على جميع الاراضي المحتلة وحل مشكلة الشعب الفلسطيني عن طريق «الترحيل» بالقوة الى خارج البلاد. ونجده طورا آخر وفي مرحلة تاريخية اخرى يعبر عن مشروعه الاستيطاني ضمن رؤية استراتيجية متوافقة مع مفهومه الخاص بالامن، وهو المفهوم الذي يندرج تحت عنوان «اسرائيل الآمنة من البحر الى النهر»، وبالتالي «فلا مانع من ضم الاراضي الفلسطينية الى اسرائيل، ومنح الفلسطينيين حكما ذاتيا محدودا في مسائل التعليم والصحة والقضاء مع الابقاء على السيطرة الامنية وتوسيع المستوطنات»، واحيانا يوائم بين النظريتين ليخرج بتوليفة دينية سياسية. ولكن ايا كانت منطلقات شارون الاستيطانية، دينية ام سياسية ام امنية، الا انه يمثل في نهاية المطاف الوجه المتطرف للحركة الصهيونية تجاه موضوع الاستيطان كما هو حاله في المواضيع الاخرى، وحصيلة هذه الرؤية انها لاتقبل في نهاية الامر حلولاً وسطاً. وتسجل الدراسة بأن فكرة الاستيطان ومشاريعه تعايش معها شارون مجزرة الألف شهيد وتعايشت معه مدة تقارب اربعين عاما، منذ ان كانت في ذهنه مجرد خطوط عريضة، وافكار غير منتظمة وغير ناضجة. ثم تطورت هذه الخطوط العريضة الى أفكار لها اطرها الواضحة والمحددة. ولتصبح مع توالي الاحداث مشروعا استعماريا ورافدا اساسيا يغذي في نهاية المطاف التطرف الديني والسياسي في اسرائيل. الأطوار الثلاثة ولا تستند الدراسات في تحليلها لمشروع شارون إلى الفراغ بل انه تشير إلى الاطوار الثلاثة التي مر بها شارون من خلال تعامله مع قضية الاستيطان الموجودة بصورة واضحة الدلالة بداية في مذكراته المنشورة والمترجمة الى اللغة العربية عام 1992. ويقول «في هذه المذكرات يسجل شارون ( ص 466) بأنه كان يفكر في موضوع الاستيطان، منذ حرب الايام الستة عندما كنت مستشار رابين..» غالبا ما كنت اجوب هذه المناطق على امتدادها، وأضع الخطوط العريضة لمشروع يهدف الى استثمار هذه الارض. ويتابع شارون حديثه عن الارض والاستيطان في مذكراته بتفصيل وأناة لدرجة انه خصص فصلا كاملا لهذا الموضوع تحت عنوان «نقل السكان الى الاراضي». الحركة السياسية التي شكلها شارون في عام 1977 وتزعمها كانت مرحلة في سياق فكرته النازية، وتقدم بها الى الانتخابات لتفوز قائمته بمقعدين، ثم انضم الى تكتل الليكود شاغلا مقعد وزير الزراعة. وبعد مرور اربعة اشهر على مشاركته في الحكومة، قال شارون حول موضوع الاستيطان: «اصبحت اقتراحاتي حاضرة ناضرة وكثيرة كانت الحلول السياسية التي وضعتها لتسوية مشكلة الاراضي» . اما الطور الاخير من اطوار تنامي الفكر الاستيطاني في ذهن شارون فهي المرحلة الحالية ولا ينقص شارون هذه المرحلة كما في سابقاتها قوة الطرح ووضوح الافكار للتعبير عن مشروعه. ففي عام 1977 انضم شارون بحركته السياسية إلى تكتل الليكود وشغل منصب وزير الزراعة في الحكومة الاسرائيلية التي عقدت بتاريخ 29/9/1979 فاجأ شارون اعضاء الحكومة بأن بسط خريطة كبيرة للاراضي الفلسطينية، وراح يشرح مشروعه الاستيطاني ومبرراته، وسجل في مذكراته تفاصيل هذا العرض الذي تقدم به للجنة الوزارية الاسرائيلية، اما ابرز مرتكزات هذا العرض فهي: ويشرع في عد هذه المشاكل الثلاث، التي هي حسب وجهة نظره: ـ المشكلة الاولى تتمثل بأمن السهل الساحلي الاسرائيلي الذي يشهد كثافة سكانية مرتفعة، ويملك بنى صناعية ومحطات توليد للطاقة ومطارا دوليا. وهذه الاراضي متاخمة لاراضي الضفة الغربية ومفتوحة عليها. ـ المشكلة الثانية في الحدود نفسها، فمن الشرق يجاور اسرائيل كل من: الاردن، سوريا، العراق، السعودية، ولن تتوانى هذه الدول عن اشهار السلاح مرة اخرى في حال نشبت حرب جديدة. هذا الوضع يستلزم على الصعيد العسكري بناء خط من المستعمرات على طول وادي نهر الاردن والبحر الميت: «وسيتم بناء هذه المستوطنات وتنظيمها للدفاع عن الاراضي بما يتطلبه ذلك من تزويدها بالاسلحة والذخيرة ووضع خطط حالة الطوارئ الخاصة بها». ـ المشكلة الثالثة تتناول موضوع القدس، ورأى شارون في عرضه ان تطور المدينة على المدى البعيد من شأنه ان يقود الى الحل التالي: «تشييد سلسلة من المساكن المدنية التي تحيط بالضواحي والاحياء العربية تتخذ شكل حذوة حصان على امتداد عشرة كيلومترات او خمسة عشر كيلومترا من الوسط، ابتداء من غوش اتسبون وايفرات في الجنوب حتى معاليه ادوميم في الشرق، وغيفات زئيف وبيت هيل في الشمال. واذا ما توصلنا الى تطوير» القدس الكبرى «حتى تستوعب قرابة المليون شخص على نحو ما خططنا له، فان هذه المدينة ستبقى في المستقبل عاصمة الشعب اليهودي». وبعد ان انتهى شارون من عرض مادته امام مجلس الوزراء الاسرائيلي، لم يكن متأكدا من اقتناع المجلس بهذا المشروع، فقال لهم: «انا المباوي الوحيد في هذه الحكومة نسبة الى حزب الماباي ومعناه الحزب العمالي لارض اسرائيل لااقول هذا حتى يرد كلامي في البروتوكول، وانما لتأخذوه على محمل من الجدية، فأنا سأبدأ بتنفيذ مشاريعي حالما تتم الموافقة عليها» . وبالفعل وافق الوزراء على مشروع الاستيطان الاساسي في 2/10/1977 وسرعان ما بدأت الجرافات تشق الطرقات، وتعد مواقع القرى الاستيطانية في كل موقع اتسم بطابع استراتيجي مهم، وتم تكثيف الاستيطان في تلك الفترة بوتيرة عالية جدا. وتشير الدراسة انه قد تم إطلاق اسم «المحور المضاعف» على مشروع شارون الاستيطاني أو «العمود الفقري المزدوج» وهو كما سبق عرضه من مذكرات شارون نفسه، فقد تضمن نشر الاستعمار الاستيطاني في خطين متوازيين تربط بينهما شبكة واسعة من الطرق الطويلة والعرضية وهذان الخطان هما: الشريط الساحلي حيث توجد اغلبية يهودية، والشريط الشرقي المقابل له الممتد من الجولان شمالا حتى شرم الشيخ خنوبا وبطول 700 كم. واشتمل المشروع على اقامة ثلاثة مراكز حضرية كبيرة على مداخل القدس لتشكيل مراكز دفاع عن المدينة. وقد رافق هذا التكثيف في اقامة المستوطنات اعلان واضح عن هدف الالتفاف على التجمعات العربية للحد من الانتشار «غير المشروع» للعرب في المناطق الحيوية، وهو ما صرح به شارون للصحف العبرية بتاريخ 3/7/1978: «انه قد تم تحديد المستوطنات في الجزء الشمالي من الضفة الغربية جزئيا بعد الالتفاف حول الـ (300.000 ) عربي الذين ينتشرون على خط الهدنة السابق». التخلي عن سيناء ردد عدد من المعلقين السياسيين مؤخرا احتمالية ان يتراجع شارون اليوم عن موقفه المتشدد تجاه الاستيطان استنادا الى موقف سابق له عام 1979، عندما تخلى في هذه السنة عن كبرى مستوطنات سيناء «ياميت» الى مستوطنات اخرى هناك وذلك على اثر توقيع المعاهدة المصرية الاسرائيلية عام 1979. وهو القرار الذي برره شارون آنذاك بقوله: «ان عدم اضاعة فرصة احلال السلام مع مصر اهم من ترك تجمعات سكانية في سيناء». إلا أن الباحث يشدد أن هناك فرقاً كبيراً بين المشهدين ولا يغرن المراقب موافقة شارون بتلك أن يوافق هنا حيث تقول الدراسة «حتى نؤكد استبعاد هذا الاحتمال، تخلى شارون حاليا عن مستوطنات الضفة الغربية لانجاز السلام مع الفلسطينيين كما فعل سابقا مع المستوطنات الاسرائيلية في سيناء، فإننا سنعرض اولا ما سجله شارون نفسه عن مستوطنة ياميت، وثانيا مواقفه الحالية الثابتة تجاه موضوع الاستيطان في الضفة الغربية وقطاع غزة وهو ما سنتناوله لاحقا في الدراسة». لذا يمكن القول ان موافقة شارون على تفكيك مستوطنات سيناء لعبت دورا محوريا في ابرام الصلح ولولاه لما استطاع بيجن ابرام هذه الصلح مع السادات، وكانت مكافأة شارون على هذا الموقف ان اسندت اليه حقيبة وزارة الدفاع حينها. غير ان الاستيطان في الضفة الغربية وقطاع غزة ليس كالاستيطان في سيناء، فشارون لا يرى في هاتين المنطقتين سوى خط خلفي حامٍ لدولة اسرائيل، وعمق استراتيجي يمكن خلاله وضع نظام دفاعي اقليمي، ويشمل هذا النظام بالاضافة الى مستوطنات الضفة الغربية وغزة مستوطنات مرتفعات الجولان والجليل والنقب. وبالفعل فقد تمكن شارون بعد مضي اربع سنوات على تفكيك مستوطنات سيناء من بناء اربع وستين مستوطنة في الضفة وغزة، وافتتح في الجليل ستا وخمسين مستوطنة حتى اطلق عليه بجدارة حينها «مهندس الاستيطان وراعيه» وقد تكفل بهذا العمل كاستراتيجية ثابتة، والتزم بهذه الاستراتيجية وطبقها من خلال كافة المناصب التي تولاها منذ 1977 ولغاية الان. تعديلات مهمة وتتابع الدراسة القول «في عام 1981 تولى شارون صبرا وشاتيلا وزارة الدفاع في حكومة مناحم بيجن الثانية، وتمكن الليكود في هذه الحقبة من اقامة 51 مستوطنة، وكان من احد اهداف شارون في تلك المرحلة تهويد الجليل، خاصة وانه بدأت الاصوات تتعالى داخل اسرائيل مطالبة بتهويد أراضي الجليل التي اصبحت ذات اغلبية عربية، فأقام هناك ثلاثين مستعمرة يهودية فوق التلال المشرفة على القرى العربية في الجليل، وكان الهدف هو خنق التجمعات السكنية العربية هناك حيث منع شارون القرى العربية من البناء خارج حدود القائمة». وكانت هذه المرحلة مهمة بحسب خماش فقد ادخل شارون تعديلات مهمة على نظريته وتطبيقاتها الخاصة بموضوع الاستيطان، فقد ادرك انه لا الصهيونية ولا التعصب الديني عادا من البواعث الكافية لتوسيع الاستيطان اليهودي في الاراضي المحتلة، لذلك لجأ الى بديل آخر هو رغبة الاسرائيليين في الاستيطان في الضواحي فأخذ يوسع حدود القدس وتل ابيب خارج الخط الأخضر، أي في المناطق العربية المحتلة، وبمبادرة منه قدمت الحكومة الاسرائيلية مساحات واسعة من الارض في الضفة الغربية لمستثمرين اسرائيليين لاقامة مشاريع اسكان خاصة ليصبح بوسع المستوطن الاسرائيلي الحصول على فيلا كبيرة ذات حديقة واسعة بسعر لا يتجاوز سعر الشقة في حي مكتظ بالسكان في تل ابيب، فانشئت مستعمرات مثل «اربيل» و «نوفيهم» و «معاليه ادوميم»، وتولت الحكومة الاسرائيلية مد الطرق وانشاء المدارس وكافة المراكز المدنية واعفت كلا من المستثمرين والسكان من الضرائب. وتشير الدراسة أن هدف شارون الحقيقي من هذا الاجراء بالاضافة الى تكثيف الاستيطان في الضفة الغربية خلق واقع سياسي جديد، بحيث يصبح لهذه الكثافة السكانية تمثيلا في الكنيست الامر الذي سيجعل عملية الانسحاب من الضفة الغربية وتفكيك المستوطنات امرا بالغ الصعوبة في وجه اية حكومة اسرائيلية قادمة. وفي حكومة الليكود التي تم تشكيلها برئاسة نتنياهو اثر انتخابات 1996، تولى شارون منصب وزير البنية التحتية واول ما شرعت بتنفيذه شرعت حكومة الليكود استكمال مشروع شارون القديم «شارون 26 بوابة القدس» وهو المشروع الذي يهدف بالدرجة الاولى الى الدمج التام بين شرق المدينة وغربها، وتحويل الاحياء العربية الى «جيتوات» فقيرة معزولة، ثم تفتيتها الى وحدات سكنية صغيرة جدا، وفي الدرجة الثانية الى انجاز تطويق القدس بالحزام الاستيطاني واستكمال تهويدها. وهذا الطرح هو التطبيق الحقيقي لما كان طرحه عام 1977 عندما اطلع اللجنة الوزارية للحكومة الاسرائيلية على مشاريعه ومخططاته، ويقوم المشروع الشاروني في جانب منه على شق طريقين بربط الطريق الممتد بين السهل الساحلي ومجموعة المستوطنات الواقعة جنوب نابلس، وتستهدف هذه الشبكة ربط الطرق الاسرائيلية بنطاقين من المستوطنات حول القدس مع باقي الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية وغزة، بحيث تخصص هذه الطريق لاستخدام المستوطنين وقوات الجيش الاسرائيلي، وتبلغ ما لا يقل عن ثلث الاراضي المتبقية من الضفة، كما تقطع هذه الطرق التواصل الجغرافي بين المدن العربية في الضفة الغربية. وكما تم الترويج خلال هذه الفترة لمشروع بوابة القدس الشاروني كذلك راجت خطة شارون لتقسيم مدينة الخليل، حيث نشرت صحيفة «يديعوت احرونوت» بتاريخ 5/9/1996 تفاصيل هذه الخطة التي تستند الى وجهة نظر شارون المتمثلة في ان اليهود غير قادرين على العيش في ظل صلاحيات عربية مهما كانت، وللحؤول دون حدوث مواجهات يجب تقسيم المنطقة بصورة واضحة والى الابد من خلال جدران وحواجز، كما وراجت في هذه الاثناء فكرة استخدام الطرق الالتفافية والانفاق والجسور واعتبرت هذه الفكرة الحل الوحيد الذي يضمن مرور الفلسطينيين دون الاصطدام بالمستوطنين، بحيث تبقى المستوطنات على حالها وفي مكانها، وبناء انفاق تصل بين المدن الفلسطينية مثل النفق الذي تقترحه على الفلسطينيين والذي يصل الى بين نابلس ورام الله. الانتفاضة والمستوطنات فيما يتعلق بالوضع القائم حاليا تقول الدراسة أن «انتفاضة الاقصى» سلطت اضواء باهرة على مشكلة المستوطنات باعتبارها احدى العقبات الرئيسية امام تقدم العملية السلمية،، وكان لاستمرارية الانتفاضة الفلسطينية آثارها وإنعكاساتها بالغة الوضوح على الكيان الاستيطاني الصهيوني، فقد تنامت مشاعر الاحباط والرعب لدى المستوطنين خاصة ان هذه الانتفاضة تجاوزت النمط التقليدي في المواجهة والتصعيد اضافة الى استهدافها المستوطنات في عمليات مقاومة مباشرة بلغت مرحلة قصف بعض هذه المستوطنات بمدافع الهاون، اضافة الى الكمائن والعمليات المتنوعة التي استهدفت قوات الامن الاسرائيلية والمستوطنين سواء بسواء، لتتحول بذلك هذه المستوطنات التي كانت تعد مراكز امن ورفاه الى معسكرات مدججة بالسلاح لحماية المستوطنين وادخال الامن الى نفوسهم. على أن كل النشاط الذي اظهره الدميم عكس حالة انتفاضية في الشارع الفلسطيني جعلت تدفع بعض الإسرائيليين إلى الدعوة للتخلي عن فكرة الاستيطان وتقول الدراسة مع تنامي المشكلة وتصعيد الاحداث على الساحة الفلسطينية، وانعكاسات هذا التصعيد على الجانب الاسرائيلي، اخذت اصوات اسرائيلية تعلو مطالبة بطي ملف الاستيطان وترحيل المستوطنين الى مناطق 1948. ومن ابرز هذه الاصوات حركة «نظرة الى الافق» وهي ذات الحركة التي نشطت من اجل اخراج الجيش الاسرائيلي من لبنان، ومن جملة هذه الدعوات المناشدة بإيقاف الاستيطان تلك التي اطلقها الصحفي الاسرائيلي يهوشوا. وبموازاة مشاعر الرعب والإحباط التي اجتاحت المجتمعات الصهيونية الاستيطانية بخاصة، برزت كذلك ظاهرة جديدة داخل المجتمع الإسرائيلي وهي ظاهرة «الكرة» التي عبرت عنها نسبة لا بأس بها من الاسرائيليين تنظر الى المستوطنين على اعتبار انهم العقبة الحقيقية امام تطور العملية السلمية وتحميلهم السابقة تجاه المستوطنين وانتقادهم لعملية الابتزاز التي يمارسها المستوطنون للحكومات الاسرائيلية المتعاقبة، والانفاق العالي الذي تبذله هذه الحكومات على الاستيطان والمستوطنين. الخارجون على الاجماع اما المستوطنون فقد وجدوا انفسهم خارج الاجماع الاسرائيلي، لذا يبدي معظمهم استعداده لإخلاء مكانه والعيش داخل الخط الاخضر، وبما ان الحكومة الاسرائيلية لم تتخذ أي اجراء من شأنه اخلاء هذه المستوطنات، فقد تنامى الشعور لدى المستوطنين بأن دولتهم تستخدمهم كنقاط مراقبة، وهو ما عبر عنه احد المستوطنين بقوله: انهم يضحون بنا منذ اللحظات الاولى. ويجمع الهاجس الامني والاحساس بالرعب المستوطنين كافة، وعلى الرغم من معرفتهم بأن العنف لا يجدي إلا انهم يطالبون حكوماتهم بشكل دائم تصعيد القتال ضد الفلسطينيين كنوع من الانتقام من العرب الفلسطينيين من ناحية وكنوع من الانتقام من الحكومات الاسرائيلية التي تركتهم في مواجهة الفلسطينيين لوحدهم. ومع تواصل الانتفاضة الفلسطينية عملياتها، جاءت استقالة رئيس الوزراء ايهود باراك بسبب انهيار مشروعه السياسي الذي نال على اساسه ثقة الكنيست والذي كان يهدف الى تسريع عملية السلام، وتعزيز قوة وامن دولة اسرائيل، غير ان سياسة باراك اوصلت المسارات التفاوضية الاسرائيلية: الفلسطينية، السورية، اللبنانية، الى طريق مسدود، اضافة الى انه اسهم كثيرا في نظر الاسرائيليين بإضعاف دولتهم جراء انسحاب الجيش الاسرائيلي من لبنان، وعجزه عن وقف الانتفاضة الفلسطينية والآثار المترتبة عليها من تهديد لامن الدولة والمجتمع الاسرائيلي. في تلك الآونة كانت حاجة القيادتين الاسرائيلية والفلسطينية ماسة لانجاز اتفاق مشترك في هذه المرحلة اتفاق يكون لباراك بمثابة برنامج سياسي يقدمه لناخبيه في حملته الانتخابية بعد ان يكون قد انهى النزاع مع الفلسطينيين دون ان يمس المصالح الاستراتيجية لاسرائيل. حسب الدراسة فإن رؤية السلطة الفلسطينية في عملية التفاوض هي فتح السبيل لانجاز اتفاق سلام بشكل عادل يتم الاعلان على اثره عن قيام الدولة الفلسطينية بما يتفق مع اهداف وطموحات الشعب الفلسطيني. واجريت المفاوضات في واشنطن والتي على اثرها اعلن عما عرف بـ «مقترحات كلينتون» واظهرت هذه المقترحات استعدادا اسرائيليا للانسحاب من 95% من الضفة الغربية، وان يكون 80% من المستوطنين في كتل، اضافة الى تقليص المناطق التي يتم ضمها الى الحد الادنى كما وتطرقت المقترحات الى كافة قضايا المتعلقة بإنهاء قضايا: الامن، القدس، اللاجئين. وفي مطلع هذا العام أي بعد مضي اسبوع من الاعلان عن مقترحات كلينتون وجه الجانب الفلسطيني تحفظاته تجاه مختلف القضايا التي تناولتها المقترحات الامريكية ومن ضمنها قضايا الارض والمستوطنات وفيما يخص الاستيطان اعلنت الوثيقة الفلسطينية رفضها استخدام «الكتل الاستيطانية» كمبدأ للتفاوض كما اقترحت الولايات المتحدة. اما ما قدم للفلسطينيين على اعتبار انه تنازل اسرائيلي، بحيث تنسحب الاخيرة من 95% من الضفة الغربية، فإن الوقائع تناقض مصداقية هذا التنازل خاصة ان القدس ضمن المزاعم الاسرائيلية ليست من الضفة الغربية. وجاء الرد الامريكي على التحفظات الفلسطينية بشكل يقبله الفلسطينيون والاسرائيليون، الامر الذي شكل اساسا للموافقة على مفاوضات طابا، وتناولت المفاوضات بالتفصيل العقبات الرئيسية امام انجاز السلام، وهي: اللاجئين، القدس، الدولة الفلسطينية، المستوطنات. وشهدت هذه الاخيرة نقاشا تفصيليا، وتبادل الجانبان لاول مرة الخرائط المتعلقة بحجم ومساحة الكتل الاستيطانية التي تنوي اسرائيل ضمها اليها، واقترح الوفد الاسرائيلي ان يتم تجميع جميع المستوطنين الإسرائيليين وعددهم يقارب 200.000 مستوطن في ثلاث كتل استيطانية كبرى تشكل مساحتها ما نسبته 5% من مساحة الضفة، على ان يتم ضم هذه الكتل الى اسرائيل لاحقا. ووافق الجانب الفلسطيني على مبدأ الضم بشرط ان لا تزيد مساحتها 2% من الضفة اضافة الى حصوله على نسبة متساوية من المساحة، وهو الامر الذي رفضه الاسرائيليون. وانتهى النقاش بهذه القضية كما سواها من القضايا دون التوصل الى اتفاق نهائي. في تلك الاثناء دفع تجمع الليكود بأرييل شارون مرشحا لمنصب رئيس الوزراء. وامتاز خطاب شارون السياسي في مرحلة الدعاية الانتخابية بكثافة مفردات التهديد والعقاب والامن والعنف، وكانت مفردات هذا الخطاب تنطلق ضمن ما اصطلح على تسميته بـ «الخطوط الحمراء» وبالطبع كانت العملية الاستيطانية في مقدمة هذه الخطوط الحمراء بالنسبة لشارون. ودأب المستوطنون خلال فترة الانتخابات على اجراء لقاءات متواصلة مع مرشحهم شارون في مكتبه، كما حرص الاخير من جانبه على القيام بزيارات الى كافة المستوطنات التي قام بإنشائها، عارضا خلال هذه اللقاءات على الحاخامات مخططاته السياسية فيما اذا فاز في الانتخابات، كما وعرض «خطوطه الحمراء» التي يتبناها ومنها عدم تفكيك أي مستوطنة، خاصة بعد ان تردد داخل المجتمع الاسرائيلي في تلك الآونة ان من سيفك المستوطنات في نهاية المطاف هو شارون، تماما كما فكك مستوطنة ياميت. وفي مباحثات المستوطنين مع شارون حاولوا استيضاح قضية واحدة: هل ما زال متمسكا بخارطته الاستيطانية التي تنص على اقامة دولة فلسطينية على 42% من مساحة الضفة الغربية وكانت اجابته دائما واحدة: ان لا تراجع عن هذه النسبة اطلاقا. تكريس الأمر الواقع لدى توزيع الاصوات والنسب التي حاز عليها المتنافسان على رئاسة الحكومة، شارون وباراك، في كل الدوائر الانتخابية في اسرائيل والاماكن العربية تبين ان شارون حاز على 90% من اصوات المستوطنين اليهود في الضفة الغربية، مقابل 10% حاز عليها باراك. هذه الاغلبية الساحقة لاصوات المستوطنين اليهود لصالح شارون لها دلالتها الواضحة التي لايمكن قراءة مسار الاحداث الا من خلالها وهي دلالة خاصة بالاحساس بعدم الشعور بالامن لدى المستوطنين. فمع تصاعد المقاومة الفلسطينية يتوارى حلم المستوطنين كلما دخلت المنطقة في حالة اضطرب او تصعيد. لذا فهم بحاجة الى وجود زعيم يكون معبرا بشكل حقيقي وواضح عن الحلم الصهيوني في الاستيطان والتوسع، واذا كان من سبق شارون من زعامات اسرائيلية مارسوا سياسة اغتصاب الارض واستخدام القوة لتعميق النزف الفلسطيني، إلا انهم مارسوا ذلك كله بشيء من النفاق السياسي. اما الان فان هناك شعورا لدى المستوطنين بضرورة وجود زعيم لكيانهم يكون قادرا على كشف الوجه الحقيقي للصهيونية وليقول للجميع بجرأة وصراحة: ليس هناك حل وسط، وليس لكم الا ما نعطيكم اياه، وفيما يتعلق بالارض فليس للفلسطينيين سوى 42% من ارضهم. ميل الى التصعيد وتؤكد الدراسة أن سياسة شارون في هذه المرحلة تستند الى عدم البحث عن حل دائم بل يميل الى التصعيد والتأزيم في الموقف، فقد بات واضحا انه يسعى قبل الوصول الى هذا الحل ان يكرس حقائق جديدة على الارض، وفي مقدمة هذه الحقائق تنفيذ خطط توسيع المستوطنات تحت غطاء النمو الطبيعي، ليفهم بالتالي من الاحداث الجارية الان والعنف المتزايد وعمليات التدمير على انها لا تعدو ان تكون سوى اسلوب ضغط تمارسه اسرائيل للتمسك بالاستيطان وانجاز المشاريع الهادفة الى الاستيلاء على اكبر مساحة من الارض الفلسطينية. ولا بأس هنا من اعادة عرض مشروع الاستيطان بشكله الحالي والمثبت على خارطة يحتفظ بها شارون واعتاد عرضها على زواره وحملها معه لدى تجوله في الضفة الغربية برفقة اوساط مختلفة. وحول ما تحمله هذه الخريطة من خطوط تقول الدراسة أن المنطقة الاسرائيلية في الضفة الغربية حسب خارطة شارون تتكون من حزامين امنيين طويلين: الحزام الامني الغربي على طول الخط الاخضر، والحزام الامني الشرقي الذي يتضمن جميع منطقة غور الاردن بعرض 15-20 كم. وحسب الخارطة يريد شارون اقامة خمسة احزمة عريضة بين الحزامين الطوليين وبداخل هذه الاحزمة الخمسة توجد اربع كتل فلسطينية بالامكان اقامة دولة فلسطينية فيها وهذه الكتل هي: كتلة جنين نابلس، كتلة رام الله، كتلة بيت لحم، وكتلة الخليل، على ان ترتبط هذه الكتل بشوارع منفصلة بعضها خاص بالفلسطينيين، وبعضها خاص باليهود، ويحصل الفلسطينيون على ممرات آمنة بين شمال الضفة وجنوبها وبين الضفة وقطاع غزة وتتخذ هذه الممرات شكل تحويلات من الشوارع القائمة او انفاق تحت الشوارع الاستراتيجية في الضفة الغربية، وهكذا سيسمح بايجاد امتداد اقليمي فلسطيني بين الكتل الفلسطينية وذلك في الوقت الذي تحتفظ فيه اسرائيل بالسيطرة الكاملة على مناطق امنية لها دون تفكيك مستوطنة واحدة. واعتبر الاسرائيليون ان العنصرين الرئيسيين في المبادرة المصرية الاردنية، هما ضمان اسرائيل لايقاف كافة النشاطات الاستيطانية، اضافة الى التعهد بالتوصل الى اتفاق نهائي في موعد معقول لمفاوضات السلام، وحتى لا تظهر الحكومة بمظهر الرافض للمبادرة والمقترحات الجديدة الواردة فيها على الفور، وكيما تتفادى وصفها بأنها العقبة الحقيقية في طريق استئناف مفاوضات السلام، اضطرت حكومة شارون الى محاولة التهدئة من ردود الفعل خلال زيارة قام بها بيريز لكل من: الاردن، مصر، الولايات المتحدة الامريكية، بهدف ادخال تعديلات على المبادرة وكان شارون قد اصدر تعليماته الى مبعوثه بيريز التوضيح موقف اسرائيل من المبادرة والمتمثلة في ادخال بعض التعديلات عليها. وهذه التعديلات: استعداد اسرائيل لبناء مستوطنات جديدة مع عدم التوقف عن اعمال التوسيع في تلك القائمة حاليا استجابة لما اسماه بـ «النمو الطبيعي» للمستوطنين، اضافة الى رفض استئناف المفاوضات بعد 4 اسابيع من وقف اطلاق النار وبالطبع فان مستوى المقترحات الاسرائيلية لا توازي في حدودها وصيغتها المطروحة مجرد اقتراحات بهدف مناقشة البادرة او ادخال تعديلات عليها، بل تهدف اصلا الى نسفها بالكامل من خلال العرض الاسرائيلي في موضوعي المستوطنات ومواصلة عملية التفاوض، لذا كان العرض من الطبيعي ان تفشل المساعي الاسرائيلية بهذا الاتجاه لتزيد بذلك من حرج الموقف الذي تتعرض له دوليا. لقد فشلت اسرائيل في اقناع الاطراف العربية والدولية بضرورة ادخال تعديلات على المبادرة تفرغها من مضمونها لذلك فان النتيجة كانت تصعيد اسرائيل من اساليب القمع واستخدام القوة المفرطة ضد الفلسطينيين، وتحولت كثير من المدن الفلسطينية المحاطة بالمستوطنات الاسرائيلية الى مسرح يومي لتبادل اطلاق النار بين المستوطنين والفلسطينيين حتى اصبحت هذه المواجهة جزءا من المشاهد للحياة اليومية هناك وهو الامر الذي عزز الشعور بفقدان الامن عند سكان إسرائيل. وتستند الدراسة إلى ما اظهره استطلاع للرأي نشرته صحيفة يديعوت احرونوت بتاريخ 4/5/2001 ان 62% من الإسرائيليين اعربوا عن موافقتهم على تجميد الاستيطان مقابل وقف اطلاق النار مع الفلسطينيين. وفي مطلع شهر مايو 2001 قدمت لجنة ميتشيل لتقصي الحقائق في الاراضي الفلسطينية تقريرها الذي شخص مجريات الاحداث على الارض الفلسطينية والاسباب الحقيقية للانتفاضة، وقدم التقرير توصيات مهمة من اجل وقف التدهور وعودة الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي الى طاولة المفاوضات وفي الجانب المتعلق بموضوع الاستيطان الاسرائيلي اكد التقرير ضرورة ان تجمد الحكومة الاسرائيلية نشاطات البناء الاستيطانية حتى لا تحبط هذه النشاطات مساعي اعادة الهدوء واستمرارية المفاوضات. غير ان رئيس الوزراء الاسرائيلي وكما كان متوقعا منه رفض التوصية الخاصة بتجميد الاستيطان وجاء في بيان صادر عن رئاسة الحكومة ان: «رئيس الوزراء يعتبر ان ثمة عناصر ايجابية في التقرير مثل دعوة السلطة الفلسطينية الى احترام تعهداتها واتخاذ تدابير فورية لمنع العنف، غير ان الاتفاقات التي وقعناها تنص على بحث ملف المستعمرات في اطار الوضع النهائي للاراضي الفلسطينية». عمان ـ لقمان اسكندر: