خاطب بشار الاسد باريس على انها ليست عاصمة فرنسا فحسب، بل عاصمة اوروبية بامتياز، وخاطبت باريس الاسد على انه ليس رئيسا سوريا فحسب، بل انه زعيم عربي ايضا، وتتحادث فرنسا وسوريا في شأن لبنان وكأن لكل منهما علاقات خاصة معه، فرنسا تنظر الى لبنان على انه البلد العربي الاقرب لها تاريخيا وتشعر تجاهه بمسئولية خاصة، وسوريا تنظر اليه على انه الاقرب لها تاريخيا وجغرافيا وهي مرتبطة معه بعلاقات مميزة. بالامس كانت طريق فرنسا الى سوريا وطريق سوريا الى فرنسا تمر من بيروت كان لبنان البوابة الفرنسية الى دمشق والترجمان السوري لباريس، اما اليوم فما عادت باريس بحاجة الى وسيط للعبور الى دمشق، وما عادت دمشق بحاجة الى ترجمان لتخاطب باريس، لكن باريس ودمشق يحسان بعلاقتهما المميزة مع بيروت التي تبقى الشريك المميز للشقيقة القريبة وللصديقة البعيدة. بالطبع باريس تعرف تمام المعرفة ان سوريا على اهميتها لا تختزل العالم العربي الذي يقوم على زعامة مثلثة الاضلاع وهي مصر والسعودية وسوريا، كما ان دمشق تدرك كل الادراك ان فرنسا على اهميتها لا تختصر كل اوروبا التي يتزعمها مثلث فرنسا والمانيا وانجلترا، وفي هذا السياق افهم زيارة بشار الاسد القريبة الى المانيا اثر زيارته فرنسا، وقد تكون زيارة انجلترا على الطريق. ولا يتوهم بشار الاسد ان اوروبا قادرة على ان تضطلع بدور في ازمة الشرق الاوسط بمعزل عن الولايات المتحدة، اوروبا الاوروبية لم تنوجد بعد في حين ان الولايات المتحدة الامريكية حاضرة في كل مكان من العالم، ولاسيما في الشرق الاوسط. ولا يتصور الرئيس الفرنسي جاك شيراك ان سوريا قادرة على ان تحل محل الفلسطينيين واللبنانيين في حل ازمة الشرق الاوسط، سوريا ممسكة بمفتاح السلام العربي ولكن ليس لوحدها، وقد حصل بعض السلام العربي الاسرائيلي من دون سوريا، لا بل ضدها، والكل يدرك ان دمشق تؤثر على المسارين السوري واللبناني اكثر من تأثيرها على المسار الفلسطيني. لقد نجح بشار الاسد وجاك شيراك في رسم قواعد الشراكة الفرنسية ـ السورية وتطرقا الى الشراكة الفرنسية ـ السورية ـ اللبنانية، اما الشراكة السياسية لاوروبا وبالتحديد لفرنسا في ادارة الحل في الشرق الاوسط فلا تزال امرا مستبعدا في ضوء اصرار واشنطن على ان تكون اللاعب السياسي الوحيد في الحل، وان تكون اوروبا الشريك الاقتصادي الذي يمول الحل الامريكي، افضل ما يمكن ان يتوقعه بشار الاسد هو ان تتحول باريس الى دور الشريك السياسي الصغير لواشنطن الى جانب بقائها والاتحاد الاوروبي الشريك الاقتصادي الكبير. مشكلة العرب ان الولايات المتحدة قوة منحازة لاسرائيل واذا ما تفردت بالحل فإنه سيكون غير متوازن، وعلى حساب العرب، اما اوروبا، ولاسيما فرنسا، فهي قوة متزنة وتقف على مسافة شبه متساوية من العرب واسرائيل فبقدر ما تساهم في الحل بقدر ما يكون متوازنا. والحقيقة ان سوريا تحتاج الى فرنسا في الاقتصاد لاجراء الاصلاحات الداخلية لكن فرنسا تحتاج الى سوريا اكثر في السياسة الاقليمية، كما حصل في لجنة «تفاهم ابريل» اثر «عملية الغضب» التي اقدمت عليها اسرائيل ضد لبنان في العام 1996 فلولا اصرار حافظ الاسد لما كان لفرنسا دور في تلك اللجنة. والواقع انه لا غنى لفرنسا عن سوريا اذا ما ارادت التأثير في سياسة الشرق الاوسط، ولكن يمكن لسوريا ان تستغني عن فرنسا في ادارة الازمة والحل في المنطقة. باختصار سوريا تحتاج الى اوروبا، وفرنسا بالتحديد، لانجاح مشروع نهوضها الاقتصادي وهي تجهد لتلعب اوروبا، ولاسيما فرنسا، دورا رئيسيا في ازمة الشرق الاوسط، لكن اوروبا، بما فيها فرنسا، هي اعجز من ان تتولى هذه المهمة التي تتوخاها دمشق. واشنطن هي اللاعب الاكبر وترغب في ان تكون اللاعب الاوحد، ولا استغرب ان تتصرف الادارة الامريكية في المستقبل تجاه اوروبا على غرار ما كانت تتصرف تجاه الاتحاد السوفييتي ابان الحرب الاهلية في الماضي. بقلم: كريم بقرادوني