لم يخف شارون في لقائه الثاني مع الرئيس الامريكي، حقيقة نواياه، فقد عاد واكد ان كل ما يمكن ان يعرضه على الفلسطينيين قيادة وشعبا، لايتجاوز احد خيارين اما سكوت السلطة وقبولها بشروطه «للتسوية الواقعية» او القضاء عليها، ما يعرضه شارون هو في الواقع ماسبق وحذرنا منه ونبهنا اليه، الحرب او الاستسلام. وطالما ان شارون يدرك في صميم ذاته ومن تجاربه وتجارب سابقيه ان القيادات الوطنية والشعوب لا تستسلم حتى في احلك الظروف، فانه يعد للحرب كي ينجز مالم تنجزه اسرائيل في حرب «الاستقلال» في العام 1948 وتكشف تصريحات شارون في واشنطن هذا الاسبوع ان الائتلاف اليميني ـ العمالي مُصر على التخلص من مشروع التسوية السياسية التي ابتدأت في مدريد واعتمدت مبدأ الارض مقابل السلام، والتخلص كذلك من استحقاقات اوسلو وفي مركزها الاعتراف الاسرائيلي الرسمي بالسلطة الفلسطينية طرفا للتفاوض وشريكا في التسوية، فشارون يرفض مبدأ الارض مقابل السلام، ويصر على تكريس الاستيطان وضم مناطق واسعة من الضفة الغربية عند الخط الاخضر وفي منطقة الغور وحول القدس العربية وفي السفوح الغربية لجبال نابلس والخليل، وعزل المناطق الفلسطينية ذات الكثافة السكانية الفلسطينية العربية الواحدة عن الاخرى، على نمط غيتوات تحيط بها المستوطنات وتحاصرها الطرق الالتفافية وتفرض عليها اسرائيل قيادات محلية مرتبطة بها، ويصر في الوقت نفسه عن نزع كل شرعية عن السلطة الفلسطينية ورئيسها عرفات معتبرا الرئيس الفلسطيني رئيسا لعصابة ارهابية، واذا كان شارون يتحدث عن تسوية فتقتصر اساسا على كانتون غزة الذي يرتبط ببعض المناطق الفلسطينية من خلال معابر ومداخل تتحكم بها اسرائيل، هذا ما يريده ويخطط له شارون حقيقة، واذا ما قاومه الفلسطينيون شعبا وسلطة وطنية، فيتوعدهم بالتصفية والترحيل شرقا ويبقى السؤال عما اذاكانت الادارة الامريكية ستجازف فعلا وتسكت على ما يخطط له شارون وحكام اسرائيل من بيريز وحتى موفاز مرورا بن ببن اليعازر ولاندو وليبرمان وغلاة المستوطنين. من الواضح انه لا يجوز البناء على الخلافات الهشة التي ظهرت في اللقاء المتلفز بين شارون وبوش قبيل بدء المفاوضات السياسية الرسمية بينهما، فالادارة الامريكية الحالية مثل سابقاتها لا تتحرك الا اذا احست بأخطار جدية تتهدد مصالحها في المنطقة واذا احست ان الموقف العربي الضاغط يتجاوز حالة «الخجل» و «التردد» ليصبح حالة ضاغطة فعلا شعبيا ورسميا فقط عندها يمكن تجنيب شعبنا الكأس التي يعدها له شارون. بقلم: عزمي بشارة