تعددت الدراسات وكثرت حول ما سمي بـ «الطريق الثالث» وهو الذي تبناه بلير بخطوطه العريضة. والطريق الثالث كما تعرفه هذه الدراسات هو: «طريق وسط بين الاشتراكية على طريق حزب العمال البريطاني التقليدية، والليبرالية المطروحة في ظل العولمة». ويشكل هذا الطريق حجراً اساسياً في الايديولوجية الجديدة لحزب العمال البريطاني الذي بالغ بلير في الاعلان عن ولادته وتميزه عن الاطاريح التقليدية. ولعل اهم من تعرض لهذا الطريق الثالث انطوني جيدنيس فجمع فيه دراسات لباحثين اضاف لها نظرته في كتابين توليا عرض النقاش العالمي الشامل للطريق الثالث، والسؤال الاهم هو لماذا بحث الاشتراكيون عن طريق ثالث وهم الذين قاموا اصلاً على اساس دعم الطبقات الكادحة، لماذا استبدل اليسار يساره باليمين او بالوسط بينه وبين اليمين . تذكر الدراسات ان الكثير من البلدان والحكومات التي كانت تنتمي الى معسكر اليسار وخاصة على صعيد القارة الاوروبية تخلت بشكل او آخر عن السياسات والمبادئ اليسارية التقليدية التي كانت تقترب كثيراً او قليلاً من الفكر الماركسي. هناك بعض النقاط الاساسية التي تركز عليها الدراسات كأسباب لهذا التحول منها:؟ ـ ان السياسة في الحقبة الصناعية التقليدية كانت قائمة على فكرة بسيطة هي وجود نوع من الصراع بين رأس المال والعمل بمعنى الواقع المعاش وارباب العمل والنقابات. وهي ثنائية وجدت انعكاساتها الايديولوجية في قيام نوع من الانقسام العمودي بين معسكرين: اليمين واليسار، مع ماترتب عليه من ثنائيات فرعية بين النزعة الفردية والنزعة الجماعية، وبين حرية الفرد وتأكيد المساواة، وقوى السوق والاقتصاد المخطط بالاشراف الدولي، وبمعنى ادق «الليبرالية ضد الاشتراكية». ـ تغير طبيعة العمل وبالتالي تغير المجتمع والسياسة، وهو ما يشكل فرقاً بين ما اتت به الثورة الصناعية التي هزت المجتمع وبين ما اتت به ثورة المعلوماتية التي احدثت تبدلات وتغيرات كثيرة على صعيد الذهنيات والولاءات حيال الاحزاب السياسية التقليدية حيث برز نوع من البحث عن مصادر للهوية السياسية. ـ ظهور الحركة العالمية للاستثمارات وهي تعد جزءاً مهماً من السوق المفتوحة، والتي ادت الى نوع من الانقسام السياسي في الرؤى بين انصار الاطاريح الوطنية للاقتصاد وبين دعاة العالمية. ـ والسبب الذي يعد اكثر التحديات الحاحاً فيما قاد لهذا التغير في الايديولوجيات هو ما يواجهه النظام السياسي في كل مكان ويتمثل في مواجهة الطريقة التي اصبح الناس يعملون ويتواصلون بها اكثر من اي وقت مضى في تاريخ الانسانية بواسطة وسائل الاتصال الحديثة وفي مقدمتها شبكات الانترنت، وهو مايمكن تسميته بثورة المعلومات. واذا ما اضيف لهذه الثورة العولمة فإنه يمكن القول بأن هذه المصادر تشكل ضعفاً على المسئوليات الخاصة بمسائل الهوية ذاتها خاصة وان المصالح السياسية على المستويات العالمية والقومية والاقليمية والمحلية تتجاذب وتتنافر بين بعضها البعض. دفعت هذه الاسباب وغيرها الى انتاج سياسات تؤكد على ضروررة اصلاح مفاهيم «الدولة الراعية» مما يتماشى مع مقولات الطريق الثالث والتي عدت ضرورة لخلق نوع من الثقة الغائبة الى هذه الدرجة او تلك بين الافراد والمؤسسات العامة وحتى الاكثر ديمقراطية منها. هذه الصياغات هدفت الى: ـ مكافحة التهميش الاجتماعي والبؤس بالنسبة لشرائح اجتماعية كبيرة في مختلف بلدان العالم بضمنها العالم المتقدم خلقتها سياسات الاحزاب التقليدية كالمحافظين الديمقراطيين او مايسمى بأحزاب اليمين. ـ ايجاد نوع من التأقلم الجامع بالنسبة لبلدان الاتحادالاوروبي، في مواجهة الظروف التي خلقتها العولمة واقتصاد السوق. ـ اعادة التفكير في مسائل العلاقة بين الحكومات والديمقراطية وسلطة الاقتصاد او ما يسمى بـ «ضرورة نقد» السياسات الارثوذوكسية.. التي لاتزال بلدان عديدة تصر على انتهاجها دون الاخذ بنظر الاعتبار المتغيرات الجوهرية التي شهدتها البلدان الصناعية خاصة خلال العقود الثلاثة الاخيرة. ـ اعادة الثقة بالمؤسسات الديمقراطية التي وصفها الباحثون بأنها تمر بازمة كبيرة في هذا الوقت لمواجهة التبدلات السياسية الجارية على صعيد العالم. ـ نظرية الطريق الثالث تعرضت لاشكاليات عدة منها على سبيل المثال لا الحصر: ـ التلوث وحماية البيئة باعتبارها شرطاً اساسياً للوصول الى تنمية متوازنة وقابلة للاستمرار. ـ اشكال الشراكة بين الحكومات ومؤسسات القطاع الخاص بعيداً عن اية آليات وبيروقراطية يمكن للدولة ان تجذب نحوها. ـ المحافظة على منظور حرية التبادل التجاري وتأمين واستقرار الاسواق العالمية بعد التبدلات الكبيرة التي شهدتها السنوات الاخيرة من القرن العشرين. هذه المفاهيم بلورت حركات اجتماعية انعكست سريعاً على صناديق الاقتراع لتحمل الى الحكم تحالفات حزبية يطلق عليها تحالف اليسار وحماة البيئة «يجمع بينها تخليها عن المرجعية الايديولوجية التي سادت خلال سنوات ما قبل نهاية الحرب الباردة. ويؤكد ذلك ما اشار اليه بلير خلال لقائه مع الاشتراكيين الفرنسيين قائلاً: «لا وجود لادارة اقتصادية يسارية واخرى يمينية بل ان هناك ادارة اقتصادية جيدة وادارة سيئة»، فاتحاً بذلك الابواب نحو اثارة موضوع الطريق الثالث الذي عززه فوز شرويدر، في الانتخابات الالمانية بعد قيادته حملة انتخابية حول ضرورة تعزيز الوسط او «الطريق القائم بين اشتراكية الامس ورأسمالية اليوم»، ومثله فعل الفرنسيون الاشتراكيون الذين تخلوا عن خطابهم السياسي المفرط في الايديولوجية الاشتراكية. على هذا النحو انتقلت معظم البلدان الاعضاء في الاتحاد الاوروبي الى الاشتراكية في مفهومها الجديد المعتمد على تحالفات واسعة تضم ايضاً حماة البيئة وطبقة وسطى ذات طموح اصلاحي هادئ وقد اشار احد اساتذة العلوم السياسية في جامعة السوربون الى ذلك قائلاً: ان هذا التحول الهادئ في اوروبا باتجاه اليسار الهادئ الجديد ليس اكثر من تعبير عن توسع الطبقة الوسطى ورغبتها في القيام بدور فاعل تحسباً من ان تطالها المخاطر الاجتماعية مثل البطالة والتهميش الاجتماعي. في ظل هذا التطور داخل المجتمعات الاوروبية لم تقدم احزاب اليمين حلولاً تستطيع اعادة الاطمئنان لاوساط عريضة من الشعب بل إن ما قدمته بعض الاحزاب المحافظة والليبرالية خلال فترة حكمها من محاولات للاصلاح بقيت غير مفهومة ولم تجد من يدعمها لسبب مهم هو ان حركة الاصلاح في اوروبا ظلت لصيقة بالاتجاهات اليمينية وبالتالي لم يعرها الشارع اهتماماً خاصة بعد الحرب الباردة واعتبارها مجرد مناورة للبقاء في الحكم. الطريق الثالث اذن يشكل اهم فكرة سياسية لمرحلة بما بعد الحرب الباردة ولا غرابة كما يقول المحللون ان تنتقل اوروبا في هذا القرن الجديد الى ثوب الاشتراكية الجديدة والتي يمكن اطلاق اسم «يمين اليسار» او «اليسار اليميني» اذا صح التعبير عليها، انها عودة الى ايديولوجيا يسارية جديدة بعد نهاية الايديولوجيا التي سادت في فترة الحرب الباردة.