مع عودة العمال للحكم البريطاني بفوزه في الانتخابات الاخيرة، طرحت تساؤلات عديدة عما اذا كان حزب العمال قد استحق هذا الفوز ام انه كان افضل السيئين. فالاقبال على التصويت لم يصل 50% وهو امر لا مثيل له في تاريخ الانتخابات البريطانية منذ ما يقرب من ثمانين عاماً، رغم اشارة الكثيرين الى ان الاقبال على التصويت في الانتخابات البريطانية ظل يتناقص في السنوات العشرين الاخيرة. المراقبون والسياسيون اشاروا الى أن تراجع الناخب عن المشاركة بعملية يعتبرها الغرب ديمقراطية هو رد فعل للعولمة واقتصاد السوق، وهو اجابة مبكرة عن استفتاء ينوي توني بلير رئيس الحكومة البريطانية اجراءه للانضمام للعملة الاوروبية الموحدة. طريق بلير نحو الخطوة الثانية برئاسة الحكومة البريطانية لم تكن سهلة، ولولا ضعف خصمه (حزب المحافظين) وتخبطه لما كان يمكن ان يحقق هذا الفوز. المشاكل التي واجهتها حكومة العمال كانت السبب الرئيسي في عزوف نصف الشعب البريطاني عن الانتخاب، وربما كانت اخطر هذه المشاكل جنون البقر، والتدهور الصحي والتعليمي، اضافة لتدني المستوى المعيشي وازدياد نسبة الفقر والفقراء في بريطانيا، وهي وغيرها من تحديات خطيرة ستواجه ولايته الثانية. كيف يمكن ان نقرأ سياسة العمال في ثوبها الجديد الذي اسماه بلير بـ «حزب العمال الجديد»، تلك السياسة التي انتهجها منذ فوزه الاول عام 1997، وهل تنجح هذه السياسة نفسها في الدورة الثانية؟ ما هي اجندة رئيس الحكومة البريطانية الجديدة والتي فرضت عليه التغيير الوزاري الاخير، وما هو «الطريق الثالث» الذي سار عليه بلير والذي اصطبغت به دول اوروبا الكبرى (بريطانيا ـ فرنسا ـ المانيا)، وما علاقة هذا الطريق بتوجهات اليسار الاوروبي الجديدة وبالتالي توجهات اليسار البريطاني الذي كان يمثله حزب العمال؟ كيف نفهم فوز بلير الذي قيل انه يحدث لأول مرة وقد سبق للعمال ان حظوا بثلاث دورات متتالية ايام ويلسون سبقتها دورتان متتاليتان لأتلي..؟ مع توالي اكتساح الاحزاب اليسارية الانتخابات وتسلم السلطة في اوروبا بعد اواسط التسعينيات وما تلاها، بدا ان هناك توجها انحرف باليسار المتزمت او الاشتراكي نحو يمينه مقترباً من اليمين التقليدي المتطرف او بتعبير ادق الرأسمالي.ومع صعود ليونيد جوسبان الفرنسي اليساري، وجيرهارد شرويدر الالماني اليساري، تولى الحكم في بريطانيا توني بلير زعيم حزب العمال وهو يساري النزعة عند نشأته. وتأكد ان عام 1997 الذي شهد صعود الفرسان الثلاثة كان بداية انتقال اليسار الاشتراكي الغربي الى مرحلة جديدة فرضتها الحقبة الزمنية الاخيرة بتفاعلاتها والتي غيرت خارطة العالم السياسية. لم يكن سهلاً ان ينزع الاشتراكيون الغربيون جلدهم الذي اختبأوا تحته منذ بداية القرن، على الاقل بالنسبة لحزب العمال البريطاني الذي تأسس عام 1900ولكن السلوك السياسي لهذه الاحزاب كشف عن عملية تغيير جذرية اكتست بثوب الاشتراكية الجديدة او «الطريق الثالث» الذي يمكن عده مفهوماً جديداً لنظرية جديدة تجمع بين الاشتراكية كقشر خارجي والرأسمالية كجوهر فعال.ورغم ان هذه الاحزاب مازالت تحتفظ بأسمائها الموحية بتوجهات اشتراكية، لكن الواقع يقودنا خارج الاطار الاشتراكي لمنهج هذه الاحزاب، وبخاصة منها حزب العمال البريطاني، والذي رسمه انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة ثم سقوط جدار برلين، وقد اجمع المحللون والخبراء ان هذه كانت اسباباً حاسمة في تغيير وجهة اليسار الاشتراكي الغربية نحو منعكساتها. وحزب العمال البريطاني تميز عن غيره من الاحزاب اليسارية الغربية انه كان على مدى تاريخه الصوت الاعلى لجماهير العاملين اصحاب الدخول المحدودة في مواجهة الشريحة الرأسمالية من اصحاب شركات الصناعة والتوزيع، وعلى هذا الاساس كان التأميم ركناً اساسياً في منظومة مبادئه الاقتصادية، وعلى الطرف المقابل كان حزب المحافظين البريطاني هو التنظيم الذي يعول عليه اصحاب رأس المال. على مفهوم المتغيرات الايديولوجية الحديثة، جاء صعود توني بلير الزعيم العمالي عام 1997 ثم اعادة انتخابه الاخيرة، وبدا كأن لاعبي السياسة يعيدون تشكيل الخارطة السياسية العالمية ويعيدون توزيع الادوار، فمع انتهاء حقبة الحرب الباردة سقطت مفاهيم كثيرة منها الارستقراطية الملكية ولنقل بشكل ادق مفاهيم اليمين المتقولبة في اطار مرسوم منذ قرون سبقت الحربين العالميتين وقادت السياسة الاستعمارية الغربية، وصار لزاماً ان تنخلق مفاهيم جديدة يترتب عليها مصالح جديدة. وصول بلير للسلطة ممثلاً للعمال البريطاني ترافق مع تضخم الاقتصاد البريطاني والاوروبي وتصاعد نزعة الاندماج في الاتحاد الاوروبي والسوق المفتوحة، كما رافقه التوجه الجديد للديمقراطيين الامريكيين الذين مثلهم بيل كلينتون في سدة السلطة لدورتين انتخابيتين. ولا عجب ان اشار خبراء السياسة والمحللون السياسيون الى التناقض الذي يربط بين اطلاق اسم «العمال» على ذلك الحزب العريق، وبين ما يعكسه سلوكه وتوجهه الفعلي ويصفونه بالتناقض اللفظي والخداع المعنوي، ذلك ان العمال انتقلوا للطرف الاخر من المعادلة قبل مجيء بلير، انتقالاً تدريجياً حكمته الضرورة فنجده قد بنى توجهات ليبرالية مقترباً من اليمين ليستعيد الحكم عام 1997 بعد ان حكم المحافظون لاربع دورات متتالية منذ 1979 العام الذي انتزعت فيه يد المرأة الحديدية مارجريت تاتشر السلطة منهم، فماذا فعل بلير الامر الذي وصف بأنه ثوب حزب العمال الجديد؟ تغير ايديولوجي محض احدث بلير تحت اسم حزب العمال الجديد تغييرات جذرية في المرتكزات الثابتة، فالغى نهائياً شعار التأميم ليحل محله شعار الخصخصة، والغى مبدأ تحميل الشركات العبء الاكبر في فرض وجباية الضرائب. وضم تحت جناح حزبه عدداً من كبار الرأسماليين تحت اسم مستشارين كان ابرزهم، كما ذكرت مصادر ودراسات كثيرة، «لورد سايمون» رئيس شركة «بريتيش بتروليوم» و «لورد ساينسبيري» صاحب شركة «ساينسبيري» العملاقة والشهيرة عالمياً في مجال صنع الاغذية، اضافة لـ «جورج سيمبسون» رئيس شركة «جنرال اليكتريك» و«اندرو سنون» المدير العام لشركة «ماركس وسبنسر» في مجال التوزيع السلعي، وبشكل اجمالي فإن 28 شركة من بين شركات المقدمة المئة في بريطانيا وقفت وتقف وراء بلير. عمد بلير اضافة لذلك الى طرح فكرة الاستثمار في الخدمات العامة الصحية والغذائية والتعليمية، وانخرط في اتفاقات مع الرأسماليين حتى قيل ان الاشتراكيين اتجهوا يميناً وان بلير انخرط في مساومات قادته الى الحكم عام 1997. وتشرح الدراسات الكثيرة اسباب هذا التوجه فتشير الى ان حزب العمال عجز عن اختراق الاعلام ليبشر بأفكاره المعتدلة، ولم تدعم مساعيه الا التحولات الحياتية الكبرى التي ظهرت في العقدين الاخيرين في العالم الغربي عامة وفي بريطانيا وامريكا خاصة، حيث زالت مخاوف الرأسماليين من حدوث الصراع الطبقي، ولم تعد الوظائف دائمة، كما لم يعد حاملوها هم دائماً من الرجال، ولم يعد مقبولاً، اضافة لذلك، ان تعتزل الدولة مجال الخدمات الاجتماعية لتنفق جل ميزانيتها على شئون الدفاع. هذه الحقائق الموضوعية الكبرى هي التي بدأت تقود قطاعات واسعة من الشعوب الغربية نحو حل اخر غير الحل الرأسمالي الصرف، وكان اول من التقط ذلك بيل كلينتون وحذا حذوه بلير بحسه السياسي وحاول ان يعبر عن تلك التطلعات ويستجيب لها بسياسات اشتراكية الطابع تمثلت في سياسات الضمان الاجتماعي والصحي وقروض تسديد اقساط الدراسة التي اصطدمت بتطرف اليمين. انضج بلير هذه السياسة على نار هادئة ولم يعتمد على ذكائه وقدراته الخطابية كما فعل استاذه كلينتون، لكنه استعان بأربعة مراكز ابحاث سياسية ذكرت الدراسات انه اولاها امر بلورة سياسات اشتراكية معتدلة تستند على دراسات تفصيلية مستفيضة. أوصت مراكز الابحاث هذه بالتخلص من اسلوب الطرح القديم الذي يعتمد الرؤية قصيرة الامد، وتجنب صياغة السياسات داخل الحزب والبرلمان ومجلس الوزراء فكلها مؤسسات تتبع النمط الايديولوجي التقليدي ولا تكاد تنفصل عنه وبالتالي لا تكاد تلامس المتغيرات الجديدة على مستوى المجتمع والاقتصاد والتكنولوجيا والثقافة، وهي متغيرات تجاوزت في كثير من الاحيان اطر الايديولوجيا السائدة. حتى الاطروحات الاشتراكية المرنة خضعت لاعادة صياغة مسبقة طوال سنوات التسعينيات، وشهدت هذه الحقبة تراجعاً راديكالياً باتجاه اليمين في سياسات الحزب الذي اتخذ عام 1994، اي قبل وصوله لسدة الحكم بثلاث سنوات، موقفاً داعماً لسياسات الحكومة اليمنية الاقتصادية طالما حافظت تلك الحكومة على سياسات الرفاه الاقتصادي، ودفعه ذلك للدخول في تحالفات ومساومات شتى ادت به في النهاية للوصول الى سدة الحكم كما اشرنا. وينبغي الاشارة هنا الى ان هذه التحالفات قصد منها الشركات الامريكية العملاقة (متعددة الجنسية) التي استمرت في شراء وتملك شركات بريطانية في مجالات مماثلة، وذلك منح اصحاب رأس المال الامريكي القدرة على ممارسة نفوذهم على توجهات وسياسات كلاً من البيت الابيض الأمريكي والوايتهول البريطاني وهو يفسر التحالف الامريكي ـ البريطاني الراهن في ساحة العلاقات الدولية وانصياع بلير لسياسات كلينتون ايام حكمه الى درجة التبعية. بين الواقع والطموح حمل حزب العمال البريطاني صورته الجديدة هادفاً وفق شعاراته الى وضع نهاية للانقسام القديم بين يسار ويمين وهو ما حقق فوزاً كاسحاً لبلير عام 1997، والزم نفسه بتحديث بريطانيا واقامة مجتمع اكثر عدالة وعدم تكرار اخطاء الماضي فماذا فعل العمال وما الذي واجههم؟ بعد بضعة اشهر فقط وجد العمال انفسهم امام خلاف يتعلق بتبرع قيمته مليون جنيه استرليني من بيرني الكيستون رئيس الـ «فورميولاوان» وكانت هناك خلافات تتعلق بهدايا بالملايين لتمويل الحزب، وهكذا وجد العمال نفسه بمواجهة النقد الصحفي ففُضح وزير الصرف العمومي، واستقال وزير شئون ويلز مثلما استقال بيتر مندلسون وان اختلفت الاسباب بين مالية واخلاقية، كما اصيبت الحكومة بحرج حول اختيارها مرشحاً معيناً لمنصب عمدة مدينة لندن، وشعر العمال الى ذلك بالقلق نتيجة ازمة النفط للعام 2000 بعد ان افادت استطلاعات الرأي العام في ذلك الوقت ان الاهالي بدأوا يتخلون عن حزب العمال. وطوال هذا الوقت ظل التوتر قائماً بين تيار التحديث في العمال من ناحية والحرس القديم من ناحية اخرى، ويمكن الاشارة الى ما قاله بيتر كيلفويل عندما استقال من منصبه كوزير للدفاع آنذاك كدليل على هذا التخبط اذ قال: «لم استوعب فعلاً مفهوم حزب العمال الجديد»، مشيراً الى ان العمال بحاجة الى مادة نظرية صمغية لتتماسك الامور بعضها ببعض، واذا اسرف المرء في الحديث عن الوسط فإنه لابد سينأى عن الآخرين في اماكن اخرى. حاول بلير في حمى تحديثه الى انتاج سياسات جديدة في قطاعات الدولة المختلفة ولكن يمكن رصد حركته التجديدية بشكل واضح في: ـ السياسة الخارجية واللجوء ـ الاتحاد الاوروبي والعملة الموحدة ـ القضايا الداخلية بضمنها الاستقرار الاقتصادي الداخلي. وقبل النظر في سياسة بلير الخارجية في فترته السابقة يجب الاشارة الى امرين مهمين اولهما ان هذه السياسة ستستمر في حقبته الحالية، وثانيهما كيف كانت السياسة الخارجية البريطانية قبل عهد بلير لنفهم التغيير في سياسة بلير من عدمه. تذكر مصادر كثيرة ان السياسة الخارجية البريطانية في عهد اللورد تشاتام في القرن الثامن عشر اعتمدت مبدأ الربح والخسارة في اللعبة الدولية، لكن هذا المبدأ تغير في عهد وزير الخارجية السابق روبن كوك الذي عمل مع بلير ضمن فريقه في فترته الاولى. سياسة كوك الخارجية مضت على مستويين: ـ الاول اعلان عام 1997 ان السياسة الخارجية البريطانية يجب ان تتخذ ابعاداً اخلاقية. ـ الثاني اعلانه في الايام الاخيرة للقرن العشرين ان حكومات العالم اخذت تعترف بأن المصالح الاحادية الجانب ربما تكون لها مردودات عكسية، ولذا فإن السياسة الخارجية الجديدة يجب ان تكون متنورة بمعنى الاخذ بنظر الاعتبار النتائج المحتملة لتأثيراتها على البلدان الاخرى. وصفت وسائل الاعلام هذا الاعلان الاخير على انه تحول في السياسة الخارجية السابقة وانه المسمار الاخير في نعش السياسة الخارجية الاخلاقية التي طبل لها العمال في بداية حكمهم. ادخل العمال السياسة الخارجية الاخلاقية ضمن سياسة الحكومة على اثر تورط حكومة المحافظين السابقة في بيع اسلحة للعراق قبل حرب الخليج الثانية، وهو امر دفع بالعمال المعارضين آنذاك لحكومة المحافظين الى اتهام الحكومة بتلطيخ السياسة الخارجية بتعاملات قذرة على حساب مسئولية بريطانيا تجاه الاسرة الدولية. وعند تسلم العمال السلطة اعلن كوك: «ان حق البريطانيين في التمتع بالحرية يأتي مصحوباً بالتزام منها لدعم حقوق الانسان «وهو ما لقي ترحيباً واسعاً بين منظمات حقوق الانسان العالمية. ثم انخرطت الحكومة العالمية في السعي لمطاردة مرتكبي جرائم الحرب وملاحقة مرتكبي جرائم ضد الانسانية واقامة محكمة دولية خاصة لذلك واصدار تقرير سنوي عن حقوق الانسان، كما نجد ان لهجة الدفاع عن حقوق الانسان وجدت لها مسمى اخر هو «التدخل باسم حقوق الانسان» تحدثت به حكومة بلير بالاشتراك مع ادارة الرئيس الامريكي بيل كلينتون. ونجد حكومة بلير واجهت انتقادات حادة واحراجاً كبيراً عندما ناقضت هذه المبادئ التي طرحتها فوافقت على بيع طائرات لاندونيسيا والتزمت ببيع الاسلحة لزيمبابوي (وهي صفقة ابرمها المحافظون)، وكذلك على تعاملها مع المحتجين اثناء زيارة الرئيس الصيني جيانج زيمين اذ اعتقلت الشرطة عدداً منهم، ناهيك عن تعرض بلير نفسه لانتقادات شديدة على علاقته الوثيقة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الامر الذي دفع جمعيات حقوق الانسان لتتساءل عن مصير السياسة الخارجية الاخلاقية. وتوضح الاحداث المتلاحقة ان حكومة بلير تخلت فعلاً عن هذه السياسة الاخلاقية بل انها ادخلت ما اسماه كوك بـ «التعامل النقدي مع البلدان الاخرى» وهو يعني التعامل مع هذه البلدان دون ان يكون هناك اي اوهام حول طبيعة الانظمة التي يتم التفاوض معها وتضر الحكومة مثل ارسالها للجنود البريطانيين الى سيراليون كدعم لحقوق الناس العاديين في سيراليون بالقوة العسكرية. ويدلل كوك على تخلي حكومته عن هذه السياسة الاخلاقية بقوله: «إن الحكومة سوف تتبع سياسة اخلاقية اذا كان ذلك في مصلحة بريطانيا، اما اذا كان التدخل غير عملي فليس لأحد ان يتوقع منها التدخل»، وهذا كما نرى لا يختلف كثيراً عن السياسات التي اتبعها المحافظون. اللجوء والعملة الموحدة تعد قضية اللجوء من القضايا الشائكة في بريطانيا، وقد تعاملت الاحزاب البريطانية التي توالت على السلطة بحذر وبحزم معها في نفس الوقت، وعادة ماتتبادل المعارضة والحكومة الاتهامات حول التشدد والتساهل مع طالبي اللجوء. تعاملت حكومة بلير مع هذه القضية بإصدارها قانوناً قالت انه يجعل نظام اللجوء قوياً، سريعاً، وعادلاً، كما تبنت نظاماً يحرم اللاجئين من المساعدات النقدية ويقدم لهم كوبونات تمكنهم من شراء الغذاء والحاجات الضرورية من متاجر معينة، وخصصت مبلغاً محدداً للتعجيل في طلبات اللاجئين واعدة بالنظر في الطلبات الاخرى بحلول عام 2004. اما على صعيد العملة الموحدة، فذلك موضوع شائك ستواجهه حكومة بلير الحالية بعزم على انضمام لهذه الوحدة، وطبقاً لسياسة العمال فإن بلير يهيئ ويستعد لما يمكنه من اتخاذ قرار بأن الظروف مناسبة لانضمام بريطانيا للعملة الموحدة «اليورو». بقي موضوع هذه العملة يتذبذب بين القرارات في مواعيد اجراء الاستفتاء على ذلك، لكن بلير لم يتوقف عند حدود انتظار نتائج الاستفتاء، فعمد الى تخصيص مبالغ حكومية لخطط ترمي الى ابلاغ الشركات والافراد وتوعيتهم بما يعنيه اليورو وكيف يمكن الاستعداد لتبني استخدامه. عمل بلير مع وزير خارجيته جوردون براون على وضع مجموعة من المعايير لبرنامج سمي بالاختبارات الاقتصادية الخمسة لتمكنه من تحديد امكانية انضمامه لليورو. استندت هذه الاختبارات على اسئلة خمسة هي: ـ اولاً: هل ان دورة الاعمال والهياكل الاقتصادية متوافقة بحيث يمكن للجميع العيش في راحة اعتماداً على معدلات الفائدة التي يقدمها اليورو بشكل دائم. ـ ثانياً: في حالة ظهور مشاكل، هل هناك مرونة كافية للتعامل معها؟ ـ ثالثاً: هل ان الانضمام للاتحاد النقدي الاوروبي سيخلق ظروفاً افضل للشركات التي تتخذ قرارات بعيدة المدى بالاستثمار في بريطانيا. ـ رابعاً: ما هو رد فعل انضمام بريطانيا للاتحاد النقدي الاوروبي على الموقف التنافسي لقطاع الخدمات المصرفية البريطاني؟ ـ خامساً: هل ان الانضمام للاتحاد النقدي الاوروبي يضمن تحقيق نمو اعلى واستقرار وانخفاض في البطالة؟ ويرى المحللون استناداً لخطة بلير ـ براون انه كلما زادت اغلبية بلير زاد تفويضه للاسراع بإجراء استفتاء على الانضمام للعملة الاوروبية الموحدة وزادت الضغوط على الاسترليني. ومع الاخذ بنظر الاعتبار ان بلير وبراون لم يواجها مشاكل صعبة مع البرلمان السابق، والنمو الاقتصادي كان مستقراً بشكل ما وان معدل البطالة انخفض الى مستوى 3.2% مسجلاً ادنى مستوى له منذ جيل كامل، ثم حصول بلير في انتخاباته الاخيرة على اغلبية برلمانية ساحقة، يمكن التكهن بأن بلير لن يغير سياسته تجاه الانضمام لليورو. ويؤكد ذلك التعديلات التي اجراها بلير على حكومته والتي طالت وزارات مهمة كان على رأسها وزارة الخارجية. لقد اراد بلير احداث انطلاقة جديدة واضحة عبر اجرائه تغييرات في العمق فاقت كل التوقعات. لقد سعى بلير للحصول على اغلبية برلمانية وهي ما حظي بها وعدت الغالبية الاكبر التي يجمعها رئيس وزراء منتهية ولايته في تاريخ بريطانيا السياسي، مثلما سعى لتعيين وزراء يدعمونه في خطته للتوجه نحو اليورو، رغم ان هذا النجاح تم وسط جماهير غاضبة على ما نتج من سلبيات حكمه السابق، ذلك الحكم الذي وصف بأنه اشتراكي الشكل رأسمالي الخطى والقواعد. لهيب عبدالخالق