اكد الرئيس المصري حسني مبارك انه ابلغ الامريكيين مؤخرا ان مصالحهم في الشرق الاوسط ستتعرض لخطر كبير حال احجامهم عن التدخل الفوري في النزاع الفلسطيني الاسرائيلي ودحض المزاعم الاسرائيلية حول سخاء ايهود باراك ابان مفاوضات طابا، مشيرا إلى اكتشاف مدى كذب ما يعرضه من خلال التثبت من الوثائق وكشف الرئيس المصري عن تقديمه صيغة جديدة لحل مشكلة اللاجئين قبلها ياسر عرفات ورفضها باراك. وفي الشأن الداخلي قال الرئيس المصري انه رد على ملاحظة للامريكيين حول تصنيع مصر بشكل مشترك مع كوريا الشمالية صواريخ بالقول: ولم لا نصنع معكم صواريخ كإسرائيل واكد من جهة اخرى وجود جهات في الولايات المتحدة وكندا تحرك الفتنة الطائفية في مصر. ورد ذلك في لقاء صحفي شامل للرئيس المصري تنشره «البيان» بالتزامن مع مجلة «المصور» القاهرية وتاليا نصه: ـ سيادة الرئيس، أعتقد أنه لابد أن نبدأ حوارنا من قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي، خصوصا وأنكم التقيتم مؤخرا بوزير الخارجية الأمريكي كولن باول، لقد بذلتم جهودا كبيرة من أجل حث الأمريكيين على إعطاء أزمة الشرق الأوسط الأولوية التي تستحقها، في ظل تصاعد العنف إلى وضع خطير يهدد أمن المنطقة واستقرارها، فهل لمستم من مباحثاتكم مع الوزير الأمريكي ما يشير بالفعل إلى انشغال أمريكي حقيقي بجهود التسوية؟ ـ الحقيقة أننى عندما زرت أمريكا فى نهاية مارس الماضى وكان شارون قد أجرى مباحثاته فى البيت الأبيض قبل أسبوع، فى هذه الفترة وكان الأمريكيون يسيطر عليهم الاعتقاد بأن ياسر عرفات هو الذى عوَّق جهود التسوية، وهو الذى يتحمل مسئولية إخفاق المساعى التى بذلها الرئيس الأمريكى السابق كلينتون، لكنني تحدثت مع الإدارة الأمريكية الجديدة بمفهوم واقعى وعملى، وعلى نحو صريح وأمين، مؤكدا المخاطر التي يمكن أن تترتب على تصاعد العنف إذا تركت الأمور على حالها. قلت للأمريكيين إن لكم مصالح ضخمة فى المنطقة، كما أن لكم أصدقاء كثيرين، وإذا تخليتم عن دوركم فى جهود التسوية بعد المشكلات الفظيعة التى حدثت فى أواخر فترة باراك، عندما استخدم كل أنواع الأسلحة، المدفعية والطائرات والدبابات ضد الشعب الفلسطينى فسوف يتصاعد العنف على نحو خطير ضد المصالح الأمريكية، وضد الدول التى تربطها علاقات سلام مع إسرائيل، بما فى ذلك مصر والأردن، وفى ظل التعاطف الواسع والمتزايد الذى يحظى به الشعب الفلسطينى سوف تنشط أعمال العنف لتضرب استقرار المنطقة، وسوف تتعقد الأمور كثيرا، وسوف تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى التدخل بقوة أكبر حتى تتمكن من وضع حل بالقوة، سوف تكون نتيجته المحتمة إغضاب دول كثيرة، لذلك فإن الحكمة تقضى بأن يبادر الأمريكيون بالعمل قبل أن تزداد الأمور تعقيدا، وأن تعاود واشنطن العمل مع الجانبين الفلسطينى والإسرائيلى، وسوف نكون على استعداد للمساعدة بكل ما نستطيع. لقد أوضحت للإدارة الجديدة أيضا، أننا لانستطيع أن نفرض على الفلسطينيين حلولا لا يرونها تحقق الحد الأدنى من أمانيهم المشروعة، يمكن أن نطلب منهم المرونة، لكننا لا نستطيع أن نجبرهم على تقديم تنازلات جديدة، لأنه لم يعد هناك فى أيدى الفلسطينيين ما يمكن أن يتنازلوا عنه. لقد تحدثت فى هذه الزيارة مع الرئيس بوش ونائبه تشينى ومع مستشارة الأمن القومى، وعندما غادرت واشنطن كانت قد تولدت لديهم القناعة بأن الأمر لم يعد يحتمل المزيد من الانتظار، لأن الأمور يمكن أن تزداد تعقيدا، وتزداد صعوبة الوصول إلى حل يقبله الطرفان. قدم لى الأمريكيون وعودا قاطعة بأنهم لن يقفوا بعيدا بينما الموقف يزداد تصاعدا وخطورة، وسوف يتدخلون لأن تعقيد المسألة سوف يؤثر على كل الأطراف، وبعد عودتى مضى شهر ابريل فى اتصالات تليفونية بالأمريكيين والإسرائيليين والفلسطينيين فى الوقت الذى كان شارون يطالب بإعطائه فرصة زمنية لترتيب أوضاعه، ثم بدأت المشكلات تزداد حدة، والعنف يتزايد، والموقف يسوء إلى أبعد مما كان عليه فى فترة باراك، وفى العاشر من مايو الماضى أرسلت إلى الرئيس الأمريكى رسالة على الفاكس، أحذر فيها من خطورة مايجرى فى المنطقة، وأتساءل عن الأسباب التى تعوق التحرك الأمريكى كما وعدت الإدارة فى مباحثات مارس، وفى هذه الرسالة طلبت من الرئيس الأمريكى أن يرسل مبعوثا إلى المنطقة كى يلتقى بالطرفين الفلسطينى والإسرائيلى، لأن دبلوماسية الاتصالات التليفونية لن تسفر عن أية نتائج، وأذكر أن هذا الاتصال جرى يوم السبت وكان المفروض أن يدعو الرئيس الأمريكى بوش مجلس الأمن القومى إلى اجتماع يعقد يوم الثلاثاء أو الخميس لبحث خطة التحرك الأمريكى، غير أن الأمور تطورت على نحو أكثر خطورة، فبعثت برسالة أخرى يوم السبت التالى، أؤكد الخطورة المتزايدة التى يمكن أن تترتب على تأخير التحرك الأمريكى، وفى اتصال تليفونى ردا على هذه الرسالة، أكد لى الرئيس الأمريكى بوش بعد عودته من البرازيل، أن واشنطن سوف تكون أكثر نشاطا، وأنهم سوف يرسلون مبعوثا خاصا للاتصال بالطرفين، وبالفعل وصل المبعوث الأمريكى كما وصل مدير المخابرات المركزية الأمريكية، وتلقى عرفات تأكيدات أمريكية واضحة بأن واشنطن عازمة على تنفيذ توصيات لجنة ميتشيل، وسوف يعجل ببدء التنفيذ أن يعمل الطرفان الفلسطينى والإسرائيلى على تثبيت وقف إطلاق النار الهش، وكانت نصيحتنا لياسر عرفات أن يجلس هو ومعاونوه مع المبعوثين الأمريكيين لبحث الخطوات الأمنية التى تؤدى إلى تثبيت وقف إطلاق النار. وقبل عدة أيام أرسلت إلى الرئيس بوش رسالة ثالثة أتعجل فيها ضرورة التعامل مع الجانب السياسى للمشكلة، لأن القضية ليست مجرد ترتيبات أمنية فقط، واتصل بي الرئيس الأمريكى مؤكدا أنه سوف يرسل وزير خارجيته كولن باول إلى المنطقة فى وقت قريب. ـ ما الذي جاء به كولن باول هذه المرة، وهل لمستم في مباحثاتكم معه أنه يحمل جدولا زمنيا لتنفيذ توصيات لجنة ميتشيل، ثم ماهي الحكمة التي تدعوه إلى أن يعلن فور وصوله إلى إسرائيل، أن شارون وحده هو الذي سوف يحدد الفترة الزمنية اللازمة للتهدئة قبل استئناف مفاوضات الحل النهائي؟ ـ لقد جاء باول إلى المنطقة بعد أن خفت حدة العنف، وأصبح ممكنا الحديث مع الطرفين، وقد أكد لى باول أنهم يضعون الآن الجدول الزمنى لتنفيذ توصيات لجنة ميتشيل، لكنهم يطلبون أيضا ضرورة عمل اللجان الأمنية بصورة مستمرة، بحيث لا تتوقف أعمال اللجان الأمنية نتيجة أى حادث يقع من أى من الجانبين. ـ المشكلة ان شارون يصر على عدم استئناف المفاوضات السياسية إلا بعد أن تتوقف أعمال العنف بنسبة مئة في المئة، وهو الأمر الذي يبدو متعذرا في ظل إحتقان الموقف في الأرض المحتلة؟ ـ هناك اتفاق بين الجميع على أن تبدأ المفاوضات السياسية بعد أن يهدأ الجو، وبصرف النظر عن مطالب شارون فإن الشعب الإسرائيلى يحتاج إلى بعض الطمأنينة والهدوء، ولا أظن أن المطلوب أن يهدأ الجو بنسبة مئة فى المئة، لأن هذا أمر لن يحدث، وقد أكدت ذلك لوزير الخارجية الأمريكى، وهو نفسه يعترف بصعوبة تحقيق ذلك، وقد أكد لى أن بوش لايطلب ولا يتحدث عن هدوء بنسبة مئة فى المئة لكن المطلوب أن تخف حدة العنف للدرجة التى تسمح للجانبين بأن يجلسا للتفاوض. ـ قبل أيام قال لي الرئيس عرفات في حوار معه انه على استعداد للالتزام بوقف أعمال العنف، لكن المشكلة أن شارون يطلق للمستوطنين حرية ارتكاب أعمالهم العدوانية وجرائمهم اليومية التي تستفز الشعب الفلسطيني؟ ـ عرفات يقول الإسرائيليون يضربوننا، وشارون يقول عرفات هو الذى يحرض على العنف، والاثنان يتبادلان الاتهامات، وأظن أن المخرج الصحيح للخروج من هذه الحلقة المفرغة، أن يكون هناك مراقبون محايدون يتم اختيارهم من أى بلد محايد، مهمتهم الوجود فى مناطق الاحتكاك، وعند خطوط التماس ليحددوا من هو المخطيء، ومن هو الذى بادر باستئناف العنف. ـ الفلسطينيون يؤكدون انه في ظل وجود عدد من المراقبين الأوروبيين الذين أرسلهم الاتحاد الأوروبي إلى مناطق بيت لحم وبيت ساحور وجالا حيث الأماكن المسيحية المقدسة امتنعت أعمال العنف، ولم تطلق رصاصة واحدة، لأن وجود هؤلاء المراقبين أصبح قيدا على أعمال العنف التي تبدأ من الجانب الإسرائيلي، لكن المشكلة أن الأمريكيين والإسرائيليين غير متحمسين لوجود هؤلاء المراقبين؟ ـ لقد قلت لكولن باول ان وجود المراقبين سوف يساعد الطرفين، فى ظل وجود لجان أمنية مشتركة مهمتها تثبيت وقف إطلاق النار، لأن المراقبين سوف يمدون اللجان بالمعلومات المحايدة والصحيحة، والحق أن باول لم يعترض على وجود هؤلاء المراقبين، وأظن أن الأمريكيين يدرسون بجدية هذه الأفكار الآن. ـ هل تحدث معكم كولن باول عن سعدالدين إبراهيم باعتباره مواطنا أمريكيا يحمل الجنسية المزدوجة ! وهل أثار معك قضية الأقباط إن كان للاقباط قضية؟! ـ لم يحدث أن حدثني باول في شيء من ذلك. ـ على ذكر سعد الدين إبراهيم فقد نشرت زوجته فى صحيفة «نيويورك تايمز»، قالت فيه إنك غضبت منه لأنه عبر عن ضيقه عندما تأخرت ساعة عن حضور اجتماع كان أحد المشاركين معه؟! ـ لا أذكر أننى قابلت سعدالدين إبراهيم فى اجتماع، كما أننى لا أتأخر عادة عن مواعيد أى اجتماع، والأكثر غرابة من ذلك أنهم كتبوا أننى غضبت أيضا من مقال يتحدث فيه عن انتقال السلطة إلى أولاد الرؤساء، ويقول فيه إن مصر ليست سوريا، وليست العراق، وإن كان ممكنا أن يجتمع الحزب الوطنى ويختار ابن الرئيس. أنا لم أقرأ هذا المقال، كما أن مقالات كثيرة على هذا المنوال نشرت فى صحف عربية وغير عربية، ولكنى لا أهتم بها، لأن فكرة انتقال السلطة إلى أبناء الرؤساء لا تخطر على بالى، كما أنها لا تخطر على بال ابنى ولم تكن يوما ما شاغلنا. ـ لعل الأكثر مدعاة للاهتمام، أنهم يقولون إن محاكمة سعدالدين إبراهيم تمت في ساعة ونصف الساعة، وأنها جرت أمام محكمة طوارئ؟! ـ هذا ليس صحيحا بالمرة، إننا دولة قانون نحترم الدستور، والمحكمة التى حاكمت سعدالدين إبراهيم لم تكن محكمة طواريء، لقد حوكم أمام محكمة عادية، لأن محكمة أمن الدولة العلـ إحدى دوائر محكمة الاستئناف ـ وليست محكمة طواريء، محكمة الطواريء اسمها محكمة أمن دولة طواريء وليست محكمة أمن دولة عليا. وأنا كرئيس للجمهورية لا سلطة لى على أى محكمة من أى درجة من درجات المحاكم، ولم أتدخل فى تحديد المحكمة التى حاكمت الدكتور سعدالدين إبراهيم، ولا فى أى قضية أخرى من هذا النوع، ولا علاقة لى بذلك، أنا أتدخل فقط فى جرائم الإرهاب، وأقوم بتحويل قضايا الإرهاب إلى المحكمة العسكرية، كما أن قضية سعدالدين إبراهيم لم تكن تشغل بالى إلى هذا الحد لأن مشاغلى أكبر كثيرا من ذلك، سعد الدين ابراهيم لم ألتق به، ولم يكن يوما طرفا فى حوار معى، ولا أذكر أنه حضر لى اجتماعا تأخرت عن حضوره ساعة كاملة. ـ هل تعتقدون أن شارون يمكن أن يكمل مشوار التسوية السلمية، مع إصراره على عدم الإنسحاب من أية أراضٍ فلسطينية أخري، وأن يكتفي الفلسطينيون بإعلان دولتهم في مساحة 40 في المئة من أرض الضفة دون أن يأملوا في إضافة بوصة جديدة، فضلا عن إصراره على أن تكون القدس كاملة تحت السيادة الإسرائيلية، والإبقاء على غور الأردن ضمن أراضي إسرائيل؟! ـ من يصر على هذا الكلام يعنى أنه لايريد الحل، ولكنه يريد أن يستمر العنف، فهل من مصلحة الإسرائيليين أن يستمر العنف، وهل من مصلحة الفلسطينيين الاستمرار فى العنف، وهل يمكن أن يستمر الطرفان فى هذه الدوامة المستمرة من القتل والتخريب والدمار، لقد كان باراك أكثر مرونة من شارون، وأعتقد أنه لو طال الوقت أمام مفاوضات طابا لكانت هناك فرصة جيدة للوصول إلى حل، لكن مشكلة السيادة على القدس والحرم كانت هى أخطر العقبات، وأذكر أن الرئيس الأمريكى السابق كلينتون اتصل بى من كامب ديفيد ومفاوضات طابا تدخل مرحلتها الأخيرة، يومها قال لى كلينتون، إن عرفات جاهز لاتخاذ قرار صعب يمكن أن يفتح الطريق إلى الاتفاق إذا ما قدمت له المساندة والدعم، وكان ردى أننى سوف أساند أى قرار يتخذه عرفات، لأن عرفات مسئول أمام شعبه، وطلب منى كلينتون أن أتصل بعرفات تليفونياً لأنه ينتظر على الخط، يومها طلبت من أحد معاونى الاتصال بعرفات كى يعرف المشكلة على وجه التحديد، وجاءنى الرد، بأن عرفات يقول إنهم يطلبون منه أن تكون القدس كاملة تحت السيادة الإسرائيلية، ولأننى لا أستطيع قبول هذا الاقتراح أو الموافقة عليه، كما أننى لا أستطيع تحريض عرفات على قبوله، فإننى لم أتصل بعرفات. ـ لقد كانت مشكلة مصر الدائمة مع الإسرائيليين والأمريكيين أنهم يريدون منها أن تلعب دوراً ضاغطا على عرفات، فإذا رفضت مصر بدأت حملات الابتزاز والتشهير، وأظن أنك قد تمرست في كشف أبعاد هذه اللعبة؟! ـ نحن لانستطيع الضغط على الفلسطينيين لأنهم عندما يوافقون على أى قرار فسوف تكون مسئوليتهم أمام شعبهم، نحن نحضهم على المرونة، ونطلب منهم أن يدرسوا كل عناصر الموضوع، وأن يركزوا على الجوهر، وعندما قدم كلينتون مبادرته الأخيرة قلت لياسر عرفات، المبادرة تحوى نقاطا إيجابية عديدة، لكنها تحوى أيضا نقاطا تحتاج إلى إعادة النظر، فوافقوا على دراسة المبادرة، وأجريت اتصالا مع كلينتون كى يلتقى بعرفات، وبالفعل حدثت المقابلة، وبدأت مفاوضات طابا، والشيء نفسه حدث فى مؤتمر شرم الشيخ، كان الرئيس كلينتون قد طلب منى عقد المؤتمر قبل أن يطلبه عرفات بخمسة عشر يوما، وكنت أرى أنه إذا لم ينته المؤتمر بقرار يؤكد على رفع الحصار عن الشعب الفلسطينى وانسحاب القوات الإسرائيلية فإن المؤتمر يصبح عملا بلا معنى، وعندما قال لى كلينتون أنه يستبعد موافقة إسرائيل كان ردى أننى فى هذه الحالة لا أستطيع عقد المؤتمر فى مصر، لأن الرأى العام المصرى والعربى سوف يسأل ماذا أنجزتم، ولماذا اجتمعتم، وكانت المفاجأة أن عرفات طلب منى عقد المؤتمر لأنه ربما ـ من وجهة نظره ـ يساعد فى تشديد الضغط على إسرائيل، وبدأت الاتصالات مع الأمريكيين والأردنيين والأوربيين الذين طلبوا بأن يحضر مندوبهم خافيير سولانا المؤتمر، كما دعوت الأمين العام للأمم المتحدة كوفى عنان الذى كان يقوم بزيارة للمنطقة فى هذا التوقيت. وقبل انعقاد المؤتمر بيوم واحد توصلت إلى قرار بأن المؤتمر لن ينجز شيئا، فأرسلت برقية عاجلة إلى الرئيس الأمريكى أطلب منه تأجيل المؤتمر لأسبوع أو عشرة أيام، ثم اتصل بى الرئيس كلينتون وأكدت له مرة أخرى أنه ما لم نتمكن من الحصول على قرار من الإسرائيليين برفع الحصار عن الشعب الفلسطينى فسوف يكون لانعقاد المؤتمر نتائج عكسية على الرأى العام العربى. جاء كلينتون وبذل جهدا ضخما للتقريب بين وجهات نظر الإسرائيليين والفلسطينيين ابتداء من الثامنة صباح الاثنين عندما بدأ المؤتمر أعماله حتى الثانية بعد ظهر الثلاثاء دون أن يذق أحد منا النوم، وفى النهاية بدا أن هناك مشروع بيان قرأ مسودته كلينتون فى اجتماع حضره معى الملك عبدالله وعرفات وكوفى عنان وخافيير سولانا، وكان كلينتون يقرأ البيان نقطة نقطة، وأبو عمار يبدى ملاحظاته، وكلينتون يحاول الاستجابة لملاحظات أبوعمار، وفى الجلسة الختامية للمؤتمر شرح كلينتون بنود البيان الذى وافقت عليه كل الأطراف، وعندما عاد الجميع إلى بلادهم فشل الجانبان فى تنفيذ بنود البيان، وألقى كل طرف باللائمة على الطرف الآخر، غير أن ما يهمنى أن أؤكده من ذلك كله أننا لم نحاول ممارسة أية ضغوط على الموقف الفلسطينى، ولم نحاول دفعهم إلى قبول مالا يقدرون على قبوله، هذا موقفنا الثابت، نقدم المعاونة، ونحرص على المرونة، لكننا لانفرض شيئا على أى طرف. ـ على ذكر مباحثات طابا، هناك التباس شديد يحتاج إلى إيضاح منكم لأن الأمر يتعلق بحدث تاريخي مهم، خصوصا أن الإسرائيليين والأمريكيين يحملون عرفات مسئولية فشل مبادرة كلينتون، ومباحثات طابا، ويتهمونه بأنه ضيّع على الفلسطينيين فرصة أخرى ثمينة عندما رفض مقترحات باراك السخية!، إلى أي حد تعتبر عرفات مسئولا عن هذا الإخفاق؟! ـ لا، لا، عرفات ليس المسئول عن الإخفاق، هذا ليس صحيحا بالمرة، لأن الأجندة التى قدمها الإسرائيليون فى طابا لعرفات لم تكن صريحة وواضحة، وكانت تسقط القدس وتعتبرها قضية مؤجلة، وتسقط مشكلة اللاجئين وتعتبرها قضية مؤجلة، رغم أننا قدمنا صياغة جيدة كان يمكن أن تفتح الطريق لحل مشكلة اللاجئين، لكن باراك لم يكن على استعداد لقبولها فى ظروف الانتخابات الإسرائيلية التى كانت على الأبواب حيث يزايد كل طرف على الآخر. أيضا بالنسبة لمساحة الأرض التى ستعود إلى الفلسطينيين والتى أكد كلينتون أنها فى حدود 96 فى المئة من مساحة الضفة، لم تكن كذلك، وعندما تشكك الفلسطينيون وطلبنا من باراك إرسال لجنة لشرح الموضوع، اكتشفنا أن المساحة تقل عن 90 فى المئة، اكتشفنا أيضا أنهم يطالبون بالنفق المجاور للحائط الغربى والذى يمتد بطول الحائط، وعندما سألناهم ما الفائدة التى يمكن أن تعود على إسرائيل من إصرارها على النفق الذى أثار أزمة ضخمة فى بداية حكم نتانياهو، أكد لى أحدهم أنه نفق سياحى، وعندما تساءلت، لماذا لايكون موضع استثمار مشترك مع الفلسطينيين سكتوا عن الكلام، وبرغم أن عرفات قد وافق فى كامب ديفيد على أن يكون حائط المبكى بطول 58 مترا تحت السيادة الإسرائيلية من إجمالى طول الحائط الغربى الذى يصل إلى 485 مترا، إلا أنهم كانوا فى كل مرة يتحدثون عن النفق، ويطالبون فى أجندتهم بالحائط الغربى بكامله. ـ هل صحيح أن عرفات طالب بعودة ثلاثة ملايين لاجيء فلسطيني إلى ماوراء الخط الأخضر ـ خط 48 ـ وأن الإسرائيليين رأوا في إصرار عرفات على هذا المطلب إشارة إلى أنه يستهدف تدمير إسرائيل؟! ـ عرفات طالب بعودة اللاجئين، ولكنه لم يقل بعودة كل اللاجئين، والإسرائيليون يعرفون جيدا أن الإقرار بحق العودة لايعنى عودة كل اللاجئين، لأن منهم من استقر فى المهجر ولن يكون متحمسا للعودة، لقد ناقش الفلسطينيون قضية عودة اللاجئين بعقل مفتوح، كما أن الإسرائيليين عرضوا دخول 500 لاجيء كل عام، وتقدمت مصر بصياغة تساعد على حل الخلاف تقول بعودة اللاجئين طبقا للقواعد التى يتفق عليها الطرفان فى مفاوضات لاحقة، وكان الهدف أن نعطى فرصة للطرفين كى يبحثا الموضوع فى جو أكثر هدوءا، لأننا كنا نعتقد أن أهم قضيتين ينبغى الوصول إلى اتفاق بشأنهما هما قضيتا الأرض والقدس، وأن الاتفاق بشأنهما سوف يفتح الطريق لحل مشكلة اللاجئين. ـ هل وافق عرفات على هذه الصياغة؟ ـ وافق إلى حد كبير، أما الإسرائيليون فقد رفضوا تماما لأنهم كانوا يستعدون للمعركة الانتخابية، خلاصة القول أن الأجندة الإسرائيلية لم تكن واضحة وشفافة، على العكس كانت مليئة بالألغام، ومن الظلم أن نحمل عرفات المسئولية، أو أن نقول أنه ضيع فرصة كبيرة، هل كان يمكن لعرفات أن يقبل بتأجيل قضية القدس لمدة 15 عاما حتى يتم تهويدها بالكامل، طبعا لم يكن ممكنا أن يقبل عرفات ذلك، لأنه لا المسلمون ولا المسيحيون سوف يوافقون على تأجيل قضية القدس لخمسة عشر عاما. لقد حذرت باراك من الإصرار على أن تفرض إسرائيل سيادتها على القدس، لأن ذلك سوف يمس مشاعر المسلمين، وسوف ينسف المفاوضات قبل أن تبدأ، والأكثر خطورة من ذلك إصرارهم على أن الأمر يمثل صفقة متكاملة إما أن يقبلها عرفات على نحو كامل، أو يرفضها على نحو كامل، وهذا ما لم أسمع به فى أية مفاوضات سابقة. ـ من بين المسئولين الاسرائيليين الذين جلست إليهم أيهم الأكثر تفهما، والأكثر إدراكا لخطورة ما يجري؟! ـ وزير الخارجية السابق شلومو بن عامى كان مرنا ومتفهما ويقبل الحوار، لقد ناقشته طويلا فى هذا الاقتراح الغريب الذى قدمه الإسرائيليون بقسمة السيادة على القدس والحرم إلى سيادة تحت الأرض وسيادة فوق الأرض، وكان يتفهم وجهة نظر الطرف الآخر، وأعتقد أنه لو طال الوقت فى مفاوضات طابا فربما كان ممكنا الوصول إلى حل. ـ لقد تحدثتم مطولا مع وزير الخارجية الأمريكي كولن باول حول ضرورة رفع الحصار عن الشعب الفلسطيني حتي يتنفس الصعداء، وأكدتم أن بقاء الحال على ماهو عليه بدعوي تهدئة الجو بنسبة مئة في المئة قبل استئناف المفاوضات السياسية سوف يؤدي إلى تصاعد العنف مرة أخرى، فهل تناول حديثكم مع شارون قضية الحصار والإغلاق؟! ـ شارون كان يريد الحديث معى قبل فترة، وعندما جاء الرئيس الإسرائيلى السابق عيزرا وايزمان سألنى إن كنت سوف أرد على شارون إن بادر بالاتصال التليفونى معى، وفى الحقيقة فإننى لم أعلق على كلمات عيزرا وايزمان، لأن معاونى شارون كانوا قد تمادوا فى تصريحاتهم الفجة وتهديداتهم السخيفة، ثم جاء من يقول لى إن شارون يتساءل لماذا لا أريد محادثته، إنه يريد المساعدة فى جهود التسوية، أم أن هناك شيئا شخصيا يمنع الرئيس من محادثته؟، وقلت لهؤلاء، أبلغوا شارون أننى لا أحمل أى شيء شخصى، ولا أتعامل مع القضامن منطلق شخصى، إننا نعمل جادين من أجل إنجاز تسوية عادلة تعطينا جميعا فرصة أن نعيش فى استقرار وأمان وينتهى مسلسل العنف والدمار، وسوف أكون على استعداد للرد على شارون..، وعلى مدى 25 دقيقة ظل شارون يحكى لى عن العنف الفلسطينى، وعن الجو السائد فى إسرائيل، وقلت له إننى قد استمعت إلى كل حديثه، لكننى أريد أن أقول لك شيئا واحدا، لابد من رفع الحصار وتخفيف الإغلاق حتى يتنفس الشعب الفلسطيني الصعداء، لأنني اعتقد ان فك الحصار سوف يساعد كثيراً في تهدئة الموقف، وسوف يكون مكسبا كبيرا في تهدئة الموقف، وسوف يكون مكسبا كبيرا يمكن الفلسطينيين والاسرائيليين من اعادة الثقة بينهما لتبدأ القضية في التحرك. ـ هل حقيقة أن الإسرائيليين اكتشفوا وجود تسعة أنفاق في منطقة الحدود تربط بين رفح المصرية ورفح الفلسطينية؟ ـ لقد قلت للإسرائيليين بوضوح لو وجدنا نفقا يصل بين الجانبين فسوف نغلقه على الفور، لأننا لانسعى لإثارة المشكلات، ولا نساعد فى عمليات التهريب ضد أحد على الإطلاق، لسنا معنيين بتهريب الأسلحة إلى داخل الأرض المحتلة ولن نسمح به، ولو وجدنا سلاحا سوف يتم ضبطه ومصادرته، لقد طلبت منهم أن يراقبوا حدودهم ونحن نراقب حدودنا، ومعروف أنه يستحيل على أية دولة أن تراقب حدودها بنسبة مئة فى المئة، ولا أقول ذلك اعتذارا عن أى شيء يمكن أن يحدث، ولكنها الحقيقة التى يعرفها كل العالم، بما فى ذلك الولايات المتحدة التى تعانى من هجرة غير مشروعة تأتى من حدودها الجنوبية. ـ ماهي المبررات التي تجعل الأمريكيين يطلبون بين فترة وأخرى إنهاء وجود قواتهم التي تشترك في القوات المتعددة الجنسيات على الحدود المصرية ـ الإسرائيلية، ولماذا جددوا هذا المطلب أخيرا في ظل تصاعد العنف داخل الأرض المحتلة ووسط أجواء التهديدات التي تخيم على المنطقة؟! ـ الرئيس، أعتقد أن المبررات تكمن فى رغبتهم فى خفض نفقات الدفاع، لكنى قلت للأمريكيين أن سحب قواتهم فى هذه الفترة سوف يكون عملا بلا معنى فى ظل الأوضاع التى تمر بها المنطقة والمخاطر المحدقة بأمنها واستقرارها، وكما طالبنا واشنطن بالإبقاء على القوات، طالبت إسرائيل أيضا بالإبقاء على هذه القوات. ـ لقد تركت تصريحاتكم التي أعلنتم فيها أن ماحدث عام 1967 غير قابل للتكرار ارتياحا عميقا في نفوس جميع المصريين، الذين يسعدهم أن يتأكدوا من قدرة مصر المتزايدة على ردع أي عدوان خارجي! ـ لا أريد الحديث كثيرا عن قدراتنا الدفاعية فالصمت فى كثير من الأحيان يكون أبلغ من الكلام، لكننى أؤكد للجميع أن القوات المسلحة المصرية أصبحت على أعلى المستويات الرفيعة، ولديها كل الإمكانات التى تمكنها من الدفاع عن أرض الوطن، ولكننا لانخطط للعدوان على أى دولة أكانت، إننا مهتمون ببناء قدراتنا الدفاعية والإبقاء عليها فى مستوى رفيع، لكننا لسنا مهتمين ببناء صواريخ بعيدة المدى، لأننا لانحمل أهدافا عدوانية لأية دولة بما فى ذلك إسرائيل، وعندما قال الأمريكيون أننا نصنع الصواريخ المتوسطة المدى مع كور كان ردى، ولماذا لاتشاركوننا فى صناعة هذه الصواريخ كما تفعلون مع إسرائيل، إننا واثقون من قدرتنا على إنجاز التسوية العادلة مهما تكن العقبات، ونحن حريصون على علاقات طبيعية مع كل دول الجوار بما فى ذلك إسرائيل. ـ قابلت قبل فترة الرئيس السوداني عمر البشير، ثم قابلت أخيرا جون قرنق رئيس جبهة تحرير جنوب السودان والميرغني رئيس الحزب الاتحادي، لكن الموقف في جنوب السودان لايزال مشتعلا، وقرنق يهدد بإعلان دولة مستقلة في بواوا ولا أحد يعرف حتى الآن متى تنتهي هذه الحرب الأهلية في الجنوب؟ ـ إننا نبذل كل جهدنا لإقرار السلام فى جنوب السودان والحفاظ على وحدة التراب السودانى، وقرنق متفق معنا منذ البداية على أنه لا انفصال لجنوب السودان عن شماله، وقد أقر هذا الموقف فى اجتماعات أديس أبابا وفى القاهرة أكثر من مرة، وأعتقد أن قرنق يدرك الان جيدا وعلى ضوء ماحدث فى دول إفريقية مجاورة، أن تفتيت السودان لن يكون فى صالحه، وأملنا أن تسفر جهود التفاوض التى تتم بمعاونة مصرية عن حل يعيد السلام لجنوب السودان ويحفظ للسودان وحدته. ـ كان التنسيق المصري ـ الأردني خطوة بارعة أغلقت كل فرص اللعب على العاصمتين، ووحدت جهودهما وراء أسس التسوية العادلة، هل لايزال التنسيق مستمرا وفاعلا؟ ـ بالتأكيد علاقتنا بالأردن طيبة جدا، وليست هناك أى مشكلات تحول دون تعميق تعاوننا المشترك، لقد أنجزنا فى العام الماضى شبكة الكهرباء الموحدة، ونحن ننجز الآن مشروعا ضخما لتوصيل الغاز المصرى إلى الأردن، سوف يساعد على ربط مصالح البلدين ويزيد فرص التعاون المشترك. ـ هل تم تحديد مسار أنبوب الغاز المصري الذي يتجه شرقا إلى الأردن؟ ـ سوف يبدأ مسار الأنبوب المصرى من العريش إلى العقبة، وسوف يتولى تنفيذ المشروع الهيئة العامة للبترول وحدها، ودون إشراك شركات القطاع الخاص الوطنية أو الأجنبية لأسباب عديدة، أولها أن هيئة البترول تملك الإمكانات الفنية التى تمكنها من بناء هذا الخط، والأمر الثانى أن الخط يمر فى أرض سيناء، حيث تفرض الاعتبارات الاستراتيجية المتعلقة بالمواقع والخرائط العسكرية نوعا من الانضباط الأمنى، ومن العقبة سوف يمضى خط الأنابيب إلى سوريا، وإلى لبنان أولا ثم إلى تركيا، وهناك مشاورات تجرى بين الدول العربية الثلاث ـ الأردن ولبنان وسوريا ـ حول أيهما أكثر جدوى أن تقيم كل دولة شركة مستقلة لإقامة خط الأنبوب الذى يمر فى أراضيها، أم تشترك الدول الثلاث في إقامة شركة واحدة تتولى المهمة. ـ سؤالي الأخير قبل أن انتقل إلى مشكلات الداخل، هل صحيح أن هناك ما يعكر صفو العلاقات المصرية ـ السورية؟ ـ لا أعرف من أين تأتون بهذه الأفكار، علاقاتنا طيبة جدا مع الرئيس بشار الأسد، وعندما جاء أخيرا إلى شرم الشيخ دعوته إلى قضاء ليلة معنا لكنه أصر على العودة لظروف خاصة متى تنتهى مفاوضاتنا. ـ لعل السبب أنه تزوج حديثا؟ ـ الرئيس ضاحكا، لقد دعوته للمجيء مع زوجته، وقد وعد بالحضور لأنه لا يعرف الكثير عن مصر، لكن الواضح أن ظروفا خاصة منعته من البقاء فى شرم الشيخ، وقد طلب أن يستمر تفاوضنا حتى ننتهى من تبادل وجهات النظر، حتى لو استمر الأمر إلى منتصف الليل. ـ قدم الرئيس بشار الأسد في مؤتمر القمة العربية رؤية اعتبرها البعض رؤية غير واقعية، كيف ترون أفكار الرئيس السوري الجديد؟ ـ الرئيس بشار يراكم كل يوم خبرة جديدة، وهو يتفهم على نحو دقيق مجمل الأوضاع التى تحيط بالمنطقة، وأنا متفائل به، وبيننا حوار جاد نتبادل فيه على نحو صريح كل الآراء، أستمع إلى شرحه ورؤيته، وعندما تكون هناك بعض الأمور التى يكون لى فيها وجهة نظر معينة فإننا نتدارس الموقف بروح مخلصة بناءة، ولدي إحساس عميق بأنه من الرؤساء العرب الممتازين. ـ إحقاقا للحق لم يحدث في أي عصر أن تحصل أقباط مصر على ما تحصلوا عليه في فترة حكمكم، لم يطلبوا بناء كنيسة إلا وتم بناؤها، ولم يتعرضوا لأية مشكلة مع أي من جهات الإدارة إلا وجدت حلها المنصف دون تراخ، ولكن يبدو أن هناك عوامل داخلية وخارجية تحرص على أن تكون الفتنة الطائفية دائما على المحك، كما تحرص على إقحام الدولة في أية مشكلة قد تنشأ بمحض المصادفة كما حدث أخيرا في مشكلة صحيفة بـ «النبأ»، وربما يكون الهدف الأكثر خطورة محاولة دوائر خارجية معروفة إبتزاز الموقف المصري من قضية السلام؟! ـ المشكلة بدأت منذ عام 1971، ويلعب فيها بعض أطراف الداخل فى مصر مع تلك المجموعة المقيمة فى الولايات المتحدة وكندا، لكننى لا آبه كثيرا لهذه السفاسف، لثقتى بأن الوحدة الوطنية قوية وغلاَّبة، وأن الجانب الأكبر من أقباط مصر يعرفون الحقيقة ويرفضون هذا الابتزاز، ولست أعرف حتى الآن ما الذى حوّل قضية الراهب الفاسد والصحيفة غير المسئولة إلى مشكلة تم إقحام الدولة فيها عنوة، وتصور البعض أنها فرصة للمزايدة وإظهار أن الأقباط لايتحصلون على حقوقهم. أنا لا أفرق بين مسلم وقبطى، وعندما كنت صغيرا كنت أعيش وسط الأقباط، لأن بيتنا كان يقع في حى تسكنه أغلبية مسيحية جميعهم من الناس الطيبين، وفى قويسنا كل أصدقائى كانوا من المسيحيين، ولا أظن أن لدي نزعة داخلية للتفرقة بين المسلم والقبطى، لأن الدين لله والوطن للجميع، هذا ما تربيت عليه، أما الذين يختلقون الذرائع والمشكلات ويدعون أن الأقباط مضطهدون فى مصر، فهم مع الأسف يفتحون مجالا للفتنة الطائفية، لأن الأقباط لايعانون أيا من صور التمييز سواء فى مجال الاقتصاد أو التعليم أو فى الحقوق الدينية. ـ أرجو بعض الصبر وبعض الوقت، كي أنقل إليكم بعض الأسباب التي أثارت غضب شباب الأقباط في قضية «النبأ»، هم يشكون من أن المسلمين يتحصلون على الوظائف الجديدة، وأن الحكمة من تدوين الإسم الرباعي في البطاقة الشخصية ومسوغات التعيين هو معرفة القبطي من المسلم، وهم يشكون من أنهم لايتمتعون بنصيب عادل من الوظائف المهمة في القضاء والجيش والشرطة، وهم يتساءلون لماذا لايكون هناك محافظ قبطي أو مدير جامعة قبطي، وهم في النهاية يطالبون باستعجال حكم القضاء على صاحب صحيفة «النبأ» لكنهم يخشون من أن يصدر الحكم كما صدر في قضية الكُشح؟ ـ الرئيس باسماً، سوف أرد على كل نقطة: أولا: لا صحة مطلقا ان هناك تمييزا بين المسلم والقبطى فى تعيينات الشباب، ولو نظرت إلى عدد المسيحيين الذين تم تعيينهم فى النيابة العامة، لأدرك الجميع أن هذا العدد الوافر من الأقباط يؤكد صدق توجه الدولة فى معاملتها لجميع المواطنين على قدم المساواة، وفى وسعك أن تسأل النائب العام عن الأرقام. ثانيا: أننا لا نوزع المناصب فى مصر على أساس طائفى، لأن كل ما نبحث عنه هو الكفاءة والاقتدار، إننى أتمنى أن يأتى الدور على أستاذ جامعى قبطى كى يتولى رئاسة إحدى الجامعات، ثم ما الذى يضيرنى أو يضير مصر فى أن يكون رئيس إحدى الجامعات قبطيا، لقد تولى رئاسة مجلس الدولة أحد المستشارين الأقباط لكفاءته وقدراته، ومجلس الدولة يمثل واحدا من أهم مؤسسات العدالة فى مصر، وعندما تولى هذا المستشار مهام منصبه، قلت له: لاتهتم كثيرا بمن يقولون هذا قبطيا وهذا مسلما، لأن واجبك الأسمى أن تطبق معايير العدالة على الجميع، وفى الجيش لايمكن أن يخرج ضابط قبطى من الخدمة قبل موعده، لأنه قبطى، أو تتأخر ترقيته لهذا السبب، وإذا تحدثت عن المحافظين فليس هناك مايمنع أو يحول دون أن يكون المحافظ قبطيا، وقد كان هناك محافظ قبطى، لكن حساسيته المفرطة لم تمكنه من أداء واجبه على النحو الأكمل. إننى أرجو من صميم قلبى ألا يستمع الشباب القبطى أو الشباب المسلم لهذه الشائعات، لأننا ننظر إلى المواطن المصرى باعتباره مصريا، وننظر إلى الأقباط باعتبارهم مصريين يظلهم العلم المصرى ويتمتعون بحقوق المواطنة الكاملة دون تمييز. وإذا انتقلت إلى قضية بالكُشح، فهل فى وسعك أن تقول لى ما الذى كان يمكن أن أفعله فى أحكام الكُشح، لقد كانت المحكمة تضم مستشارا قبطيا، والحكم يصدر عادة بإجماع كل المستشارين، كما أننى لا أتدخل فى أحكام القضاء، ومع ذلك استأنفت الحكومة أحكام الكُشح، وطعنت على صحة الحكم!! ـ بعض الأقباط كانوا يتعجلون صدور قرار إداري بغلق صحيفة «النبأ»؟ ـ لقد اقترفت صحيفة «النبأ» خطأ جسيما وأساءت دون شك إلى مشاعر الأقباط، ومن الضرورى محاسبة الصحيفة ومحاكمة مسئولها، لكن هل كان المفروض أن أصدر حكما عسكرياً بإغلاق الجريدة، أم أن نثق جميعا فى قضائنا العادل. ولمعلوماتك، فإن حق إصدار قرار الحاكم العسكرى والذى هو من اختصاص رئيس الجمهورية، هذا الحق لم أفوض فيه رئيس الوزراء بعد الذى حدث أيام وزير شئون مجلس الوزراء السابق، لقد قررت الاحتفاظ بهذا الحق حتى أعرف سبب كل قرار، وعندما اتصل بى الدكتور يوسف والى يسأل عن إمكانية صدور قرار عسكرى بوقف الصحيفة، طلبت منه أن يتشاور مع رئيس الوزراء الذى كان موجودا فى الأقصر وقتها، وصرح هناك بأن الحكومة تفكر فى إصدار قرار بإغلاق الصحيفة، لكننى رأيت أن صدور القرار سوف يكون سابقة خطيرة، خصوصا وأن القرار سوف يصدر يوم الأربعاء، على حين تحدد يوم الأحد لنظر قضية صحيفة «النبأ» على وجه الاستعجال. كانت المحكمة تقضى بأن تنظر قرار المحكمة طالما أن المحكمة تنظر القضية فى جلسة مستعجلة، وفى الوقت نفسه تحرك مجلس نقابة الصحفيين، وتحرك المجلس الأعلى للصحافة، وأعلنت كل الأقلام رفضها الكامل لسلوك صحيفة بالنبأ وتعاطف مصر كلها مع جموع الأقباط. ماذا كان يمكن أن نفعل أكثر من ذلك، إما أن يكون هناك قانون ينبغى احترامه، وأن تكون دولة مؤسسات تثق فى حكم القضاء وتحترم القانون، وإما أن نعود مرة أخرى إلى القرارات الإدارية التى تهدر حكم القانون. علينا أن نخرج من دائرة الانفعالات السريعة، ونتخلص من اللجوء إلى القرارات الفردية، وندرس كل جوانب الموقف، ولمعلوماتك أيضا فلقد شاورت عددا كبيرا من كبار القانونيين الذين نصحوا بأنه لامبرر البتة فى إصدار قرار من الحاكم العسكرى يوم الأربعاء، بينما المحكمة تبدأ جلساتها يوم الأحد. ـ بعض الأقباط يتهمون الأمن بأنه هو الذي أعطى شريط الفضيحة لصحيفة «النبأ»؟ ـ هذا غير صحيح بالمرة، لأن وزير الداخلية أبلغنى فى العاشرة مساء بالوقائع، وقال لي إن الراهب يوزع الشريط فى بعض مناطق القاهرة، وأن الشريط يباع فى بعض مناطق الصعيد، وأنه يخشى من انتشار الأمر، وطلبت من وزير الداخلية عدم اتخاذ أى إجراء قانونى إلا بعد إبلاغ البابا، بل وأرسلت إلى البابا رئيس الديوان الدكتور زكريا عزمى والدكتور مصطفى الفقى وسكرتير المعلومات السفير ماجد عبدالفتاح، وكان رأى البابا شنودة أن تتخذ السلطات الإجراءات القانونية ضد الراهب المشلوح، لكن يبدو أن البابا لم تكن لديه المعلومات الكاملة حتى يقدر حجم المشكلة، لقد كنت أرجو لو أن كل الأطراف عملت على احتواء الموضوع دون أن يصل الأمر إلى القضاء درءا للفضائح، ومع ذلك فما حدث يمكن أن يحدث فى كل الأديان وفي كل البلاد، لأن الإنحراف يمكن أن يطال أى شخص مسلما كان أم قبطيا. ـ ماهي الدواعي التي تجعلنا نفكر مرة أخرى في المزج بين الانتخاب الفردي وانتخابات القائمة النسبية رغم صعوبة انتخابات القائمة النسبية على الناخب المصري؟ ـ المؤسف أن كل فرد يتصور أنه يستطيع بسطوة النفوذ والمال أن يصل إلى مجلس الشعب وكأنه لاتوجد في مصر حياة حزبية أو التزام حزبى، أعلم أن بعض الأحزاب لم تزل ضعيفة، ولكن هناك أحزاب أخرى يمكن أن تتنافس فى برامجها على انتخابات مجلس الشعب، ومن الضرورى أن نبدأ وأن نساعد على تقوية الأحزاب، بحيث يصبح لها دورها الفاعل فى الانتخابات، لأن هذا هو الطريق الصحيح لتعميق الديمقراطية، وفى كل صور التعدد الحزبى فإن الأصل هو الإلتزام الحزبى. أيضا الحزب يجب أن يتحمل المسئولية عن أعضائه، لكن مايحدث الآن أنه عندما يطلب رفع الحصانة عن عضو يعترض بقية الأعضاء سواء من الحزب أو من خارجه، وطبعا يجب ألا تكون الحصانة فى مجلس الشعب ستارا لارتكاب المخالفات، فلابد أن يكون برلمان مصر برلماناً نظيفاً وقوياً، يحترم القانون، ويعرف مصلحة بلده وشعبه، وأن يكون هناك التزام حزبى ولا أقصد بهذا الإلتزام أن نغطى على أخطاء مسئولى الحزب أو الحكومة، بل يجب إبراز الأخطاء وكشفها ومعالجتها بجرأة ووضوح سواء داخل الحزب أم تحت قبة البرلمان. ـ إذن ليس الهدف من العودة إلى القائمة النسبية تطويع النواب أو إخضاعهم لسلطة الحزب حتى يكونوا أكثر انضباطا؟! ـ على العكس، المطلوب فقط أن تكون الأحزاب لها قائمة وبالتالى نساعدها على أن تعمل ويكون لها دور فى الحياة السياسية وليس الهدف إخضاع الناس للحزب، والدليل أننى عندما أختار وزيرا لا أختاره بالضرورة من داخل الحزب الوطنى، ولكننى أختاره حسب قدراته، وإذا كان ينضم إلى الحزب بعد ذلك فذلك عادة مايكون بهدف أن يسير أموره مع البرلمان. نحن نحاول أن نجد صيغة قانونية لاتتعارض مع الدستور حتى يكون هناك تمثيل نيابى حقيقى للشعب، وهذا طبعا لايعنى أننا نفكر فى حل المجلس، وليس هناك استعجال فى التفكير، وأظن أننا قد نحتاج إلى عامين أو أكثر كى نتوصل إلى الصيغة الصحيحة. ـ لقد أكد الجميع لسيادتكم قراركم بأن يلتزم مجلس الشعب بتنفيذ قرارات محكمة النقض المتعلقة بصحة عضوية بعض النواب متى تعلق الطعن بالشروط الأساسية للعضوية، لكن ماذا سيكون العمل لو كانت هذه الأحكام تطال عشرات النواب؟ ـ وماذا سأفعل لهؤلاء، لابد من تطبيق قرارات محكمة النقض لأنه إما أن نلتزم بدولة القانون، وإما أن نلغى الانتخاب ونختار أعضاء البرلمان مثلما كان يختار الاتحاد الاشتراكى أعضاءه. ـ الجميع يتمنون أن تلتزم كل الجهات الإدارية بتنفيذ أحكام المحاكم، وأن تساعد الأجهزة المعنية على تنفيذ هذه الأحكام دون تباطؤ. ـ عندما تصل إليَّ أى معلومة عن أى حكم صدر ولم ينفذ فورا أُصدر تعليماتى بالتنفيذ الفورى وأحاسب المسئولين عن ذلك، ومن خلال هذا الحوار أقول للحكومة لابد من تنفيذ أحكام القضاء المتعلقة بمصالح الناس، وأقول للأجهزة الإدارية المسئولة عن تنفيذ الأحكام يجب ألا تتأخر عن تنفيذ الأحكام متى كانت نهائية أو واجبة التنفيذ، لأن احترام أحكام القضاء يعزز سلطة القانون فى دولة المؤسسات. ـ أين ذهبت جهود تطوير الحزب الوطني ولماذا تعثرت هذه اليقظة التي بدأها شباب الحزب بعد الانتخابات الأخيرة لمجلس الشعب؟! ـ لجان التطوير لاتزال تواصل مهامها من خلال اجتماعات الأمانة العامة، وأعتقد أنهم أنهوا المرحلة الأولى من التطوير المتعلقة بتوسيع اللجان الأساسية، وإشراك عناصر جديدة من الشباب والمرأة، وإنشاء المجمع الانتخابى، لكن الأمانة العامة رأت أن تتفرغ لانتخابات مجلس الشورى ثم تعود لدراسة المرحلة الثانية من التطوير. ـ هل صحيح أنكم طلبتم من جمال مبارك أن يكف عن نشاطه في الحزب، هكذا تتحدث الشائعات، لأن الناس لم تعد ترى له نشاطا ملحوظاً منذ عدة أسابيع؟ ـ لم يحدث، لكن جمال كان مسافراً فى رحلة إلى الخارج فى عمل يخصه استغرقت يوماً، وجمال مواطن عادى لا أقول له افعل هذا أو أمنعه من أن يمارس نشاطا معيناً، وفى الحزب الوطنى أعتقد أن جمال أفادنا من خلال المجموعات الشابة التى قام بتكوينها كما شارك بجهد كبير فى لجنة تحديث الحزب، وهو عضو نشيط فى لجنة المتابعة، يؤدى مايكلفه به الحزب شأنه شأن كل أعضاء الأمانة العامة. ـ الحق أنه شاب متميز، يدرس جيداً كل الملفات التى يهتم بها، ويحرص على معرفة تفاصيل كل قضية، لقد أتيح لي أن أجلس إليه مرات عديدة في نقاش طويل تناول قضايا الحزب الوطني وبعض القضايا الاقتصادية. ـ هو دارس جيد منذ صغره يعكف على دراسة كل موضوع بدقة بالغة. ـ قلتم في خطابكم الأخير إن مسيرة الإصلاح السياسي سوف تمضي متوازية مع مسيرة الاصلاح الاقتصادي ألم يعد الوقت مناسباً لإعادة النظر في الدستور خاصة أن هناك بعض المواد الأساسية التي تتطلب التعديل؟ ـ الرئيس، مثل ماذا؟ ـ مثل المواد المتعلقة بالعمال والفلاحين أو تلك المتعلقة بالاتحاد الاشتراكي؟ ـ أعتقد أن من صالح الاستقرار ومن صالح تكاتف الجهد الوطنى أن نحافظ على الحقوق المتعلقة بالعمال والفلاحين . كما جاءت فى الدستور، أما بالنسبة للاتحاد الاشتراكى فلقد سألت عدداً من أساتذة القانون الدستورى الذين أجمعوا على أن هذه المواد لا تعيق أوتعطل حرية الأحزاب وتعددها، والمشكلة أننا لو فتحنا هذا الباب الآن فسوف يتوقف نشاط البلد بأكمله كى يتفرغ الجميع لمناقشة الدستور، كما أن فتح هذا الباب سوف يكون مدعاة لخلافات عديدة لا مبرر لها، لأن كل تيار وكل شخص يريد أن يصيغ مواد الدستور الجديدة وفقاً لأفكاره ومصالحه. ـ الناس تسأل، هل يقتصر التحرك في مواجهة الفساد على المسئولين السابقين، أم أن قضية المحافظ والوزير بداية حملة تطال كل مظاهر الفساد، والناس تسأل، لماذا لم تستطع أجهزة الرقابة أن تسد الطريق على وصول هؤلاء إلى مناصب مهمة وحساسة؟! ـ من يقول إننى كنت أعرف بفساد هؤلاء من خلال تقارير الرقابة يقول كلاماً هراء، أو يردد نوعاً من رغي المصاطب ولو أننى عرفت وتيقنت لما ترددت لحظة فى إقصاء هذا المسئول، وليس هناك هزار فى هذا الأمر، لكن بعض الأمور يتم كشفها بعد خروج الوزير أو المسئول، وهذا ماحدث فى قضية وزير المالية، عندما تم القبض على رئيس مصلحة الجمارك السابق ثم كشفت التحقيقات عن مسئولية الوزير، وعندما سألونى ماذا نفعل مع الوزير، قلت دون تردد، إن كانت هناك قضية فساد تذهب للنيابة وليس لأحد أن يتدخل فيها. أما المحافظ، فلقد بدأ التحقيق معه وهو موجود فى منصبه، ولمعلوماتك ومعلومات الجميع، فإننى لا يمكن أن أعرف شيئاً عن فساد مسئول ثم أتركه فى منصبه، مستحيل أن يحدث هذا ولن يحدث أبداً، ومن يفكر على هذا النحو فتفكيره قاصر وسقيم. قد أسمع عن مسلك معين لايتعلق بفساد الذمة لوزير مسئول فى الحكم، يمكن أن استدعى هذا المسئول وأواجهه، أما فساد الذمة فردى الوحيد، ان يذهب إلى القضاء. لقد استدعيت أكثر من وزير لأقول له ابعد إبنك أو شقيقك أو زوج إبنتك عن التعامل مع الحكومة، بل لقد استدعيت رئيسا سابقاً للوزراء لأننى عرفت أن ابنه جلس مع مسئولى هيئة التليفونات أيام مزايدات التليفون المحمول، وطلبت منه أن يبعد ابنه عن هذا الموضوع تماماً، أنا لا أخجل فى الحق، ولا أسكت عن سلوك معيب يصل إلى علمى ويستند إلى وقائع صحيحة، لكننى لا آخذ أحدا بالشبهات أو بأقاويل الناس لأنه فى أحيان كثيرة تنتشر الأقاويل والشائعات لتطال مسئولا فى الحكم،وعندما اسأل الرقابة الادارية يقولون إن الأمر ليس أكثر من شائعة غير صحيحة. ـ في بداية حكمك دعوت إلى عقد المؤتمر الاقتصادي الذي كان له دور مهم في توصيف الوضع الاقتصادي لمصر مع بداية الثمانينيات وضبط السياسات النقدية والمالية وبعض الاقتصاديين يرون الآن أننا ربما نكون في حاجة إلى مؤتمر اقتصادي جديد، يعالج قضايا الاستثمارات، والادارة والخصخصة والمصارف ومعدلات التنمية، هذه القضايا المتعلقة بالنهوض الاقتصادي؟ ـ المؤتمر الاقتصادي انعقد فى ظروف خاصة وفى ظل قواعد وفلسفات قديمة كانت تحكم الاقتصاد الوطنى وتعوق انطلاقه، اقتصاد قائم على سيطرة الدولة على كل مناحى الإنتاج، لايهتم بآليات السوق، ولا يشجع المشروع الخاص، فى ظل بنية أساسية مهترئة وخزانة خاوية، وقطاع عام تقادمت آلاته ووسائل إنتاجه وتخلفت عن تكنولوجيا العصر، كان المطلوب يومها التعرف على حقيقة الصورة لتكون تحت نظر صانع القرار، خصوصاً أن الخيارات المطروحة يومها كانت خيارات خطيرة، أحد هذه الخيارات أن نستغنى عن من العمالة، لأنه لم يكن لدينا لا طاقة ولا مواد أساسية، ولا كوادر فنية، وعندما استقر الرأى على ضرورة الإصلاح الاقتصادى كان علينا أن نبدأ طريقا طويلا مع صندوق النقد الدولى، وصولا إلى تحرير الاقتصاد الوطنى وإعمال آليات السوق وكسر الحواجز أمام مشاركة فاعلة للقطاع الخاص. فى هذه المرحلة، تحرر سعر الصرف وأقيم سوق المال، وبورصة الأوراق المالية، وتغيرت التشريعات التى تحكم المسار الاقتصادى وتغيرت الرؤى والمفاهيم ليصبح الاقتصاد الوطنى جزءا من حركة الاقتصاد العالمى، وتم خفض الديون. اليوم لا مجال لمؤتمر اقتصادى جديد لأننا نواجه مشاكل من نوع مختلف، نواجه مشكلات تسريع إيقاع الانطلاق الاقتصادى، ومعالجة مظاهر النمو، وتوسيع فرص التصدير إلى الخارج لاستيعاب الزيادة فى الإنتاج، كما نواجه مشكلات التعامل مع الواقع العالمى الجديد، وفى كل هذه المشاكل نحتاج إلى رؤية الخبراء بأكثر من حاجتنا إلى رؤى الأكاديميين، ونحتاج إلى مراكز البحوث والخبرة التى تتوافر على دراسة مشكلات بعينها مثل مشكلات التصدير أو تحسين جودة الإنتاج، أو غيرها
