قطعت جهود تحصين الوضع السياسي الداخلي اشواطا لافتة على الصعيد الداخلي اللبناني خلال الاسابيع والايام الاخيرة بالذات، ردا على التهديدات الاسرائيلية من ناحية، وفي مواجهة استحقاقات عدة ينتظرها لبنان في المرحلة المنظورة المقبلة من ناحية اخرى، خاصة لجهة اصرار اسرائيل على تمسكها باستمرار احتلال مزارع شبعا وتهديد القوات السورية العاملة في لبنان. ويتميز ذلك بشكل خاص مع بروز تيار يقوده رئيس مجلس النواب نبيه بري بهدف انشاء «جبهة وطنية وحدوية عريضة». واذا كان رئيس الجمهورية اميل لحود قد عكس دعمه لتلك التوجهات فقد صارح عددا من الوزراء والنواب الحاليين والسابقين الذين التقاهم خلال الايام الاخيرة بوجوب رص الصفوف: «لان المخاطر تتزايد على لبنان» وباعتبار ان اي تفكك داخلي مهما كان صغيرا سيخدم اسرائيل، والقوى المعادية للبنان بشكل او بآخر. لذلك وسع من دائرة لقاءاته اليومية لتشمل اكبر قدر من الفعاليات في اطار الجهود المشتركة للخروج من دوام الازمات والاستحقاقات ومنهم وزراء ونواب حاليون وسابقون، ومنهم في اقل من 48 ساعة: محمد ياسين دغمش، جان غانم، ابراهام دده بان، وجيه البعريني، عصام نعمان، جورج غانم، ميشال المر، غسان سلامة، وسواهم من وزراء ونواب وفاعليات في القطاعين العام والخاص. ولوحظ ان ذلك ايضا ترافق مع تكثيف رئيس الحكومة للقاءاته واجتماعاته اليومية بفاعليات قضائية وعامة بشكل خاص، منها القاضي هشام قبلان ما يوحي ان قاعدة التحضيرات تتم بصورة مشتركة لاطلاق عمل سياسي انقاذي موسع، يأخذ بالاعتبار تعميم العدالة على الجميع واعتبار ان اللجوء الى القوانين يبقى سيد الاحكام. ولن يبدو غريبا ان يلاحظ المراقبون ضمن هذا السياق تفجير «عبوات» المخالفات، واحيانا الفضائح على اصعدة عامة عدة، كان اخرها وليس اخيرها: التخابر غير الشرعي، وحرمان الخزينة من اموال عامة طائلة، هي بأمس الحاجة اليها، قانونيا من جهة، وللمساعدة على تغطية العجز المالي المستشري على غير صعيد من جهة اخرى. جبهة وطنية .. وعريضة ربما كان رئيس مجلس النواب نبيه بري الاسرع في الكشف عن هذا العمل، عقب عودة العلاقات الى مجاريها بينه وبين الرئيس لحود، فبعد قطيعة سياسية لم يقم خلالها ولثلاثة اسابيع متتالية، بزيارته الاسبوعية التقليدية الى القصر الجمهوري، زاره بري في الاسبوع الرابع، فعادت المياه الى مجاريها، وبدأ شهر جديد من «العسل» لكن في اطار سياسي يحدده بري بمسعاه لاقامة جبهة وطنية برعاية لحود ومشاركته، وتكون من شروطها الاساسية انها «عريضة اي تضم الجميع من غير الذين تتناولهم علامات الاستفهام حول عدائهم لسوريا بشكل خاص». وباستثناء ذلك لا فيتو على احد شرط ان يندمج الجميع في برنامج انقاذي يعزز الوفاق الوطني ويخفف من «الكوابيس السياسية» والانهيار المعيشي والاقتصادي والاجتماعي والاخلاقي، والحد من الفلتان على غير صعيد. ماذا يقول بري؟ وتكشف مصادر بري انه طرح مع لحود فكرة انشاء الجبهة تعزيزا للمناخ الوطني التوحيدي خارج اطار الانقسام والتشرذم الطائفي والمذهبي، وخصوصا ان ما يجمع اللبنانيين وقواهم السياسية الاساسية اكبر بكثير من نقاط الاختلاف. كما يشير رئيس المجلس الى ان الحاجة باتت ملحة لان يقرأ اللبنانيون في كتاب تاريخ واحد، كذلك كتاب تربية وطنية موحدة، وفق ماهو عليه الحال في اعرق البلدان الديمقراطية واكثرها حرية، لان التعدد في كتابي التاريخ والتربية بالذات لاينشيء الا مجتمعا جاهزا للشرذمة والانقسام عند اول ازمة، وما اكثر الازمات التي تهدد بحصول ذلك؟ وحسب مصادر علمية فإن ماقاله بري لرئيس الجمهورية مرارا، خلال الاسابيع الاخيرة، ان كل الازمات القائمة يمكن حلها مهما كان طابعها الاقتصادي والثقافي، وحتى السياسي لكن بشرط تأمين المناخ اللازم المتوخ من قيام تلك الجبهة. فرد لحود انه مقتنع تماما بذلك، وانه حريص على دعم اي انجازات توحيدية سياسية وحزبية في البلاد: «حتى اترك سدة الرئاسة الاولى، وانا مطمئن على صفحة مشرقة آمل ان انجح بارسائها تعزيزا للوحدة الوطنية، وقيام المؤسسات وتماسكها، وتطبق القوانين على الجميع من دون استثناء. وفي رأي مصادر سياسية ان تضامن لحود ـ بري والذي يقف الرئيس رفيق الحريري على مسافة واحدة داعمة له، يتأكد بوحدة الموقف من المشاريع والاجراءات التي ترى الحكومة وجوب اقرارها واتخاذها، وعدم اللجوء الى التشكيك في جدواها عبر الاحاديث والتصريحات بواسطة وسائل الاعلام او العمل على عرقلة اقرارها، او الترويج بين وقت وآخر بتشكيل حكومة جديدة، والحكم بالتالي وسلفا، على فشل الحكومة الحالية، كأن اي حكومة اخرى ستكون اقدر منها على المعالجة، وخاضعة سلفا لقفزها فوق العراقيل، وهذا ما لاينطبق عمليا على الواقعية السياسية القائمة في البلاد في هذه المرحلة. رصيد الحريري وترجح المصادر نفسها ايضا ان لحود قد قدر خطورة الاوضاع التي تواجه البلاد اقتصاديا وماليا واجتماعيا، وما يواجه لبنان والمنطقة نتيجة التعثر المتواصل في عملية السلام الى درجة توقفها. والنتيجة، انه بات يدعم المعالجات التي اطلقها، ويتابعها الحريري لتضميد الجراح الاقتصادية والمالية والمعيشية ولم يعد الشغل الشاغل للنجاح في هذه المهمة محصورا برئيس الحكومة فحسب، بل اصبح محور اهتمامات الحكم، واهل السياسة واصحاب القرار الذي يشارك كل منهم في موقعه في ورش المعالجات، وبالتالي النهوض والانماء. لكن بروز النتائج المتوخاة لهذه المهمة بحاجة الى وقت، من دون ان يكون احد على عجلة من امره على هذا الصعيد، بل تتركز الاهتمامات المشتركة على التوافق والمساهمة في دفع عجلة الامور الى الامام والاهم تحصين الخطوات الانقاذية وطنيا وسياسيا وما شابه. ويبدو ان هذه هي المهمة التي يريدها الرئيس بري من «الجبهة الوطنية العريضة» ولان ثمة اجماعا على ما تحمله من مباديء واهداف آنية ومستقبلية، فإن حظوظه في ولادة غير متعثرة، لايبدو من رابع المستحيلات في هذه المرحلة، كما هو واقع الحال بالنسبة للكثير من الطروحات والافكار والمشاريع والتي لم تتعد كونها اضغاث احلام، رغم اهميتها وجدواها، ولو حتى كتابة هذه السطور على الاقل. بيروت ـ وليد زهر الدين: