نظريا قلّما يوجد من يفضل أسس الحكم «الأوتوقراطي» على «الديمقراطي». ولكن عندما تفقد «الديمقراطية» مزاياها عند التطبيق، يقل حماس الناس لها، وتخف معارضتهم، أو تتلاشى لأسس الحكم «الأوتوقراطي»! وهكذا لم يشأ الجنرال برويز مشرف، أن يداجي نفسه، أو يداجي شعبه، باتخاذ المنطق الشكلي الذي يعطي الاحترام الصوري للديمقراطية، باتباع اجراءاتها البروتوكولية، كالانتخابات والاستفتاءات، التي يمكن أن تسيّر وتوجه لخدمة الغايات الأوتوقراطية. فضل الجنرال الباكستاني أن يقفز فوق ذلك كله، لينصب نفسه رئيسا، بصورة غير ديكورية، مفترضا ان (الديمقراطية) فقدت جاذبيتها، وانها لم تعد زينة، أو ديكورا مرغوبا عند الشعب! ضربات متلاحقة أكثر من ذلك فقد أردف الجنرال تلك الخطوة الجريئة بخطوة أخرى حاسمة، إذ أعلن رسميا حل مجلس الشيوخ والنواب والمجالس البرلمانية الاقليمية الأخرى، بعد ان كان قد عطل انعقادها عند قيامه بانقلابه في اكتوبر 1999.. وهذه الخطوة الأخيرة لها أيضا دلالاتها من حيث استهجان الممارسة الديمقراطية التي كانت سائدة، واحتقار مؤسساتها الشكلية، التي لم تحرك ساكنا في توجيه دفة الحكم، ولا ضبط أدائه، ولا ملاحقة ممارساته الفاسدة. أما من رفعوا سؤال الدستور فقد أجابهم الجنرال اجابة شافية تجاوزت السؤال، وتجاوزت اشارته الرمزية إلى قدسية مقام الدستور. فقد ذكر الجنرال في اجابته انه قد قام قبيل ساعات بتعديل الدستور الانتقالي، بما سمح له باصدار قراراته الأخيرة، فأفاد بأن الدستور الذي يعولون عليه كثيرا، إنما هو مجرد ورقة يسهل تعديلها بالحذف والاضافة، كما يسهل تعطيل فعاليتها، وامتهانها، والتلاعب بها لفظيا، ولفظها جميعا في النهاية. وفي منطق الانقلابي فان على من يدافعون عن الدستور اليوم، ان يسكتوا لانهم سكتوا بالأمس عندما تلاعب به القادة الديمقراطيون، الذين ما أن فازوا في الانتخابات الماضية، حتى انقضوا على الدستور وبتروا المواد التي عملت على حفظ نوع من توازن القوى، ما بين سلطات رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء، وأضافوا مادة جديدة تهمش مقام رئيس الجمهورية، وتعلي من مقام رئيس الوزراء! منطق القلب استند الجنرال في تعديله للدستور على منطق القلب، قائلا انه اضطر إلى حل البرلمانات الفيدرالية والاقليمية حتى يزيل حالة الالتباس، والتضارب السياسي في البلاد، وقال انه طالما اضطر إلى حل البرلمانات، فانه قد اضطر كذلك لاعفاء رئيس الجمهورية رفيق ترار من اكمال فترته الرئاسية، التي تبقى منها 18 شهرا. إن الرئيس قد انتخب بواسطة برلمانات محلولة، لذا كان لابد من عزل الرئيس، فورا عقب حل تلك البرلمانات التي انتخبته بآلية الكلية الانتخابية. خمسة مناصب لمشرف أصبح جنرال باكستان يتمتع الآن بخمسة مناصب أولها: منصب رئاسة الجمهورية، ثم منصب رئاسة الحكومة، «أو ما يسميه هو بمنصب التنفيذي الأعلى»، ثم منصب قيادة الجيش، ومنصب رئيس الأركان، ومنصب رئيس المخابرات العسكرية. وقد بذل الجنرال وعودا «براقة» بأنه سيستخدم تلك المناصب جميعا لتحقيق الاستقرار السياسي وضرب الفساد، وجلب الاستثمار، وانعاش الاقتصاد، وذلك قبل أن تعود الديمقراطية مجددا على يديه في اكتوبر 2003، مع استمراره هو على سدة الرئاسة. وللجنرال مع ذلك تحفظ كبير على تعبير «عودة الديمقراطية»، لانه يعتقد ان الديمقراطية لم تكن موجودة من قبل، وانها لم تمارس قط في تاريخ باكستان، ولذلك فانه لن يعيدها، وإنما سينشئها انشاء، وسينشئ معها تاريخا جديدا لباكستان، يضاهي تاريخ الأيام التأسيسية الأولى، للقائد الأعظم، محمد علي جناح، الذي يبدو وكأنه القائد الوحيد، الذي يحظى باحترام الجنرال مشرف. ماذا قال للجارديان؟! لقد أفصح الجنرال عن بعض مشاعره تلك في اجابة له على أسئلة (الجارديان) البريطانية، في لقاء أجرته معه قبل أقل من شهر من اعلان نفسه رئيسا، سأله مندوبا الصحيفة يومها ان كان ينوي أن يصبح رئيسا لباكستان؟ ومتى؟ ومن سيعين حينها في منصب رئيس الوزراء؟ فأجاب اجابة غير مباشرة على ذلك السؤال المباشر، قائلا: انه لم يسع إلى السلطة، وإنما أتته السلطة منقادة إليه «تجرجر أذيالها!!». ولم تطاوعه نفسه ليردف قائلا: إنها «لم تك تصلح إلا له»، ولكنه قال: إن كان ترتيب البيت الباكستاني، يتطلب وجوده في السلطة، فإنه سيتطوع لخدمة الشعب، وتحقيق ذلك الهدف. تحدث الجنرال بألمعية ملحوظة عندما أجاب عن السؤال، وبدا وكأنه مفكر سياسي، دارس مبرز في مجال العلوم السياسية، «وربما كان السبب انه درس تلك النقطة جيدا، قبل أن يجيب»، فقال: ان آخر المهام هي أولى المهام، وهي مهمة توصيل نصيب من السلطة والقوة السياسية لكل مواطن، بحيث تتأسس حكومات ديمقراطية حقيقية، من الجذور، وليس بأثر من وصاية سياسية حزبية، أو اقطاعية عليا. وقال ان العمل على هذا المستوى ماض على قدم وساق، وانه سيفرغ في المدى الزمني المرسوم له، ليبدأ على اثر ذلك العمل في تنظيم الحكومات الاقليمية، التي ستمنح الحد الأقصى من حق الحكم الذاتي، في اطار الانضمام العام للفيدرالية الباكستانية. على مستوى المركز هنالك مهام قليلة يسهر الجنرال لتحقيقها، تتلخص في ضمان الاستقرار، وتوازن الحكومات الاقليمية، واستمرار النهج الحاضر، ودفع حركة التنمية السياسية، والاقتصادية، ومنع ارتكاسها للوراء، ومحاربة الفساد المتأصل في البلاد، وجعل المصلحة القومية هي العليا، ومنع احتكارها أو اختصارها في مصلحة رئيس الوزراء! «يقصد نواز شريف طبعا»!! وعن شق السؤال الأخير، ذكر الجنرال انه لن يعين رئيسا للوزراء، لان رئيس الوزراء يجب أن يكون منتخبا حسب مقتضى نص الدستور، أو ما أبقي عليه هو من الدستور، وذلك على خلاف منصب رئيس الجمهورية، الذي ربما يريد الجنرال أن يعطيه لطبقة العسكر، أو يحتفظ به لنفسه مدى الحياة، أو حسبما يرى في النصوص الدستورية التي لم يعلنها بعد! أدلى برويز مشرف بتلك الاجابة الموحية إلى الجارديان، ونشرتها في عددها بتاريخ 16 مايو الماضي. ومن سمح لهم أن يطلعوا على ذلك اللقاء، فربما استنتجوا عن حق، ان عزم الجنرال كان أكيدا على اعلان نفسه رئيسا، ومن ثم لم يفاجأوا بخطوته التنصيبية الأخيرة. لقد انطوت خطوة الجنرال الجريئة الأخيرة على درسين مهمين: احدهما موجه للسياسيين من أرباب الحكم والمعارضة معا: انهم ان هانت عليهم الديمقراطية ولم يحترموها، ولم يكفوا عن جعلها احترابا واضطرابا، كانت على الناس أهونا، وطاحت غير مأسوف عليها، حتى من طبقة النخبة نتاج التعليم الحديث. وأما الدرس الثاني فهو للشعب الباكستاني الذي عليه أن يبذل صبرا على الوضع الحاضر. ان احتمال فشل الحكم الحاضر في تحقيق وعوده، احتمال وارد، ولكن احتمال فشل السياسيين المدنيين أكثر ورودا. وليس أمام الشعب، وقد أعطيت له الفرصة لتكوين حكومات محلية، سوى الانخراط في تحقيق تلك المهمة، بكل همة، عسى أن يتأصل عن طريقها الحس الديمقراطي في الأمة، وعسى أن تنبثق عن تلك الحكومات المحلية، مراكز ضغط فعالة، تسهم في تحقيق نوع من التوازن، في البنية السياسية الباكستانية. د. محمد وقيع الله