الزمان: الثانية والنصف ظهر الاثنين 25 يونيو.. المكان: العاصمة البلجيكية بروكسل، مقر النيابة العامة البلجيكية.. حيث جلست «سعاد سرور المرعي» على مدار ساعتين ونصف امام قاضي التحقيقات، تجيب عن الاسئلة التي يتم على اساسها صياغة عريضة الاتهام النهائية للمتهمين بارتكاب جرائم حرب في مجزرة صبرا وشاتيلا.. وذلك في حضور المحامي البلجيكي «لوك ميخائيل» ومترجم ينقل اقوالها من العربية للفرنسية، وقد فرض عليها قاضي التحقيقات الصمت وعدم الادلاء بمضمون ما دار في الاستجواب، ولم يكن هذا هو الاستجواب الاول حيث سبقه عدة استجوابات استغرقت اكثر من عشر ساعات، روت فيها ما حدث لها من ضرب واغتصاب، وما شاهدته من عمليات قتل وتعذيب لأهلها وسكان مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة، وقصة «سعاد سرور المرعي» هي واحدة من مئات القصص الرهيبة التي لم يرويها أصحابها الحقيقيون بعد. «الملف السياسى» في بروكسل حصل على النص العربي لرواية «سعاد سرور المرعي» بخط يديها واستمع لقصتها التي تحكى تفاصيلها كاملة لأول مرة، ننقلها دون اي تدخل من جانبنا، باعتبار هذا النص وثيقة ادانة تاريخية وقانونية، لتقديم اول مجرم حرب اسرائيلي في التاريخ للعدالة الدولية، وهي ذات القصة التي اعتمدها قاضي التحقيقات البلجيكي، التي توافرت فيها عناصر جرائم الحرب التي تتمثل في: ـ القتل الجماعي المنظم لمدنيين غير مسلحين ليسوا طرفا عسكريا في حرب. ـ ابادة الجنس البشري لنوع محدد «هم الفلسطينيون». ـ الاغتصاب للنساء، وفتيات قاصرات. ـ التعذيب البدني والنفسي. وهي ذات الجرائم التي من اجلها اقامت الامم المتحدة محكمة مجرمي الحرب الدولية في لاهاي. الرواية الحقيقية عن لسان «سعاد سرور» انا سعاد سرور المرعي.. لاجئة فلسطينية اعيش في لبنان، ساختصر لكم الآن ما حصل معي، ومع عائلتي خلال مجازر صبرا وشاتيلا، التي حصلت اثناء الاجتياح الاسرائيلي لبيروت عام 1982، ففي عصر يوم السادس عشر من شهر سبتمبر بينما كنت انا وأخي ماهر، وكان عمري يومها سبعة عشر عاما، وكان اخي في الثانية عشرة من عمره، كنا ذاهبين الى احد الملاجيء حيث كان يختبيء فيها اصدقائي من القصف والقنص، لاطلب منهم المجيء معي الى منزلنا. وفي الطريق رأينا مناظر رهيبة.. جثث ملقاة على الطريق والدماء تنزف منها.. فجأة سمعت اصوات نحيب وصرخات ألم.. ثم وبشكل مفاجيء سمعت صوتا يناديني، وعرفت من الصوت انه صوت جارنا «ابو رضا» الذي طلب مني مساعدته وقال لنا: لقد ذبحونا وقتلونا واغتصبوا البنات واخذوا جميع من تتراوح اعمارهم بين 12 و16 سنة ثم قال اهربوا من بيوتكم ولا تبقوا فيها لانهم سيعودون ويقتلون جميع من في المخيم.. وبينما كنت اسأله من فعل ذلك؟ فاجأني صوت يقول انتم يا كلاب ما زلتم على قيد الحياة، الم تموتوا بعد؟ وركضنا عائدين الى المنزل لنخبر اهلنا عن هذه الحادثة الرهيبة، واخبرنا ابي بما حصل فقال: لن يحصل لنا شيء الا ما شاء الله لنا، فهو من خلقنا ويفعل بنا مايشاء، بقينا في منزلنا حتى فجر اليوم التالي. الجمعة 8 سبتمبر.. عند الساعة الرابعة والنصف ذهبت جارتنا التي بقيت معنا تلك الليلة يرافقها اخي الصغير الذي كان يبلغ من العمر الحادية عشرة من عمره الى سطح البيت ليشاهدوا ما يحصل، ونقرر بعده ان كنا سنبقى في المنزل ام نغادره، ولدى خروجهم الى سطح البيت شاهدهم رجال الميليشيات الذين كانوا يتمركزون على تلة قريبة.. اصيبا بالذعر وعادوا مسرعين يخبرونا عما شاهدوه، وما هي الا لحظات حتى سمعنا احدا يطرق على الباب، فتحت الباب فدخلوا، وقفت انا واختي الصغيرة بجانب والدي، ووقف بقية اخوتي الى جانب امي وجارتنا. رحب ابي بهم وسألهم الجلوس، فقال احد الرجال نريد ان نأخذ كل شيء من البيت، فسألته لماذا تريدون اخذ كل شيء بعد ان اخذتم اغلى ما عندنا وهي ارضنا، ماذا تريدون ان تأخذوا بعد؟ فأجاب سوف ترين الآن ماذا نريد ان نأخذ، سآخذك وآخذ شقيقتك، فتوسل ابي اليه وقال له خذ كل شيء الا الأولاد، فضربه على وجهه حتى نزف منه الدم، ولم استطع تمالك نفسي فصرخت بوجههم كيف تضربون رجلا كبير السن، فضربوني ودفعوا بي للأرض، شعرت بالألم فاعدت الضربة الى ذلك العسكري، فأخذوا كل ما لدينا من المال والخواتم الذهب، حتى خاتم والدي، وامرنا احدهم بالدخول الى احدى الغرف وان ننظر الى الحائط بوجوهنا، وامرونا بعدم الالتفات الى الخلف.. فرفعت اختى الصغيرة ذات السنة والنصف يدها الى امي طالبة ان تحملها لانها تشعر بالخوف واطلقوا النيران علينا جميعا، بقيت انا حية، اما اخي شادي «3 سنوات» وفريد «8 سنوات» وبسام «11 سنة» وشقيقاتي هاجر «7 سنوات» وشادية «سنة ونصف» وكذلك جارتنا، اصيبت اختى الصغيرة برصاصة في رأسها، واصيب ابي في صدره، ومن بقى سالما كان اخي ماهر 12 سنة، واسماعيل 9 سنوات، لأنهم اختبئوا في الحمام، اما اختي نهاد 16 وامي فقد أصيبتا اصابة غير قاتلة. اما انا فقد اصبت بالشلل حالا، ولم استطع ان اتحرك بعد ان خرج المسلحون معتقدين اننا جميعا فارقنا الحياة.. نادينا على بعضنا لنعرف من بقي على قيد الحياة، وطلبنا من امي وشقيقتي وشقيقي ان يخرجوا من البيت ويحضروا من يخلصنا، بقيت انا مع ابي المصاب محاطين بجثث افراد عائلتنا.. لقد كان وقتا مريعا لن استطيع نسيانه طوال حياتي، وعند الساعة العاشرة صباحا عاد ثلاثة مسلحين منهم لأخذ الاموال التي نسوها في المنزل وشاهدوني اتحرك واحاول الاقتراب من والدي، انهالوا علي بالسباب والشتائم وقالوا انظري ماذا سنفعل بك امام والدك.. فاغتصبوني جميعهم الواحد تلو الآخر امام والدي، ثم اطلقوا النار علي فأصابوني في يدي اليسرى وذهبوا. قال لي ابي ليكن الرب معك وفارق الحياة، فلم يستطع ان يتحمل ما رأى، لأنني وحتى ذلك الوقت لم اكن قد بلغت بعد، ما حصل لي كان رهيبا خاصة وانه حصل امام والدي....؟! عادوا مرة اخرى في المساء ورأوني اشرب فجن جنونهم لبقائي حية، فأطلقوا النار علي مرتين واصابوني في رأسي، وعندها فقدت وعيي ولم استفق سوى ساعة متأخرة من الليل وسمعت مواء القطط وهي تدور حول الجثث الهامدة، حاولت بيدي السليمة ان اغطي الجثث بالشراشف ولكني لم انجح ابدا. في صباح اليوم التالي: السبت 19 سبتمبر عاد المسلحون ولكنني تظاهرت بأنني ميتة، وفي صباح الاحد اتى احد الجنود اللبنانيين ليسأل عن اقارب له، فصرخت بصوت عال طالبة النجدة ولكنني لم استطع ان اتكلم عندما خلع الجندي سترته ليغطي بها جسدي العاري، وأخذني معه ولدى خروجي من المخيم رأيت الجثث المذبوحة والمنتفخة وبقيت طوال الطريق اسمع اصوات الصراخ والنحيب، سلمني الجندي للصليب الاحمر فوضعوا لي على الفور جهاز التنفس الاصطناعي، اخذوني الى احدى المستشفيات فرفضوا استقبالي لأني فلسطينية، ثم نقلوني الى مستشفى الجامعة الامريكية في بيروت، كان هناك العديد من المراسلين الصحفيين ولكنني لم استطع التحدث الى احد، وفي ذلك الوقت فقدت قدرتي على النطق، اخذوني الى قسم الطواريء واستخرجوا الرصاصات من جسدي، وكنت اصاب باستمرار بانهيارات عصبية كلما كنت اتذكر ما حدث، كانت يدي اليمنى سليمة فطلبت من الطبيب ان يحضر لي قلما وورقة، كتبت له جملة عما حدث لعائلتي، ووعد بعض المراسلين والصحفيين ان يجدوا لي عائلتي، بعد بضعة ايام جاء الطبيب ليقول لي انه يحمل اخبارا عن امي، لم استطع التعرف الى امي، ولم استطع التكلم معها الا انها بدأت تذكرني ببعض الاشياء التي اثبتت انها امي بالفعل، وعندما سألت امي عن والدي، وهي لم تكن عرفت بعد انه توفي بدأت اصرخ واصبت بانهيار عصبي. وبعد ان انهوا معالجتي في الجامعة الامريكية قال لي الطبيب انه على ان اكمل معالجتي في الخارج الا انهم اخذوني الى مستشفى تابع للهلال الاحمر الفلسطيني، وعلى باب المستشفى رأيت جنودا لبنانيين فبدأت بالصراخ واعطوني مهدئا، فعندما صحوت وجدت نفسي في السرير، لم استطع رؤية اي رجل مسلح او اي شخص آخر، اعتقدت ان الجميع يريد قتلي وبقيت اصاب بنوبات هيستيرية حادة. طلب مني الاطباء ان يتم نقلي الى طرابلس شمال لبنان لكي يتم نقلي من هناك الى خارج لبنان لاستكمال العلاج، احضرت لي امي اغراضي ونقلني سائق لبناني وكان برفقتي حارس لبناني، كنت ممددة على مقعد السيارة الخلفي، لانني لم اكن اتمكن من الجلوس، قاد بنا السائق على الطريق الساحلي، ولدى وصولنا لحاجز البربارة وهو حاجز لبناني معروف في لبنان طلب مني السائق ألا اتحرك وان اتظاهر بالنوم، ولكن المسلحين على الحاجز طلبوا من السائق والحارس ان يترجلوا من السيارة وعندما كان السائق يشرح لهم عن حالتي الصحية، قالوا له نعم نعرفها، نظرت اليهم وعلى الفور عرفت انني امام اثنين من المسلحين الذين كانوا في بيتي ليلة المجزرة، ثم نقلونا نحن الثلاثة في سيارة عسكرية مكتوب عليها الكتائب اللبنانية وقالوا لي الآن ستموتين وامروا الحارس بخلع ملابسه والجلوس على زجاجة ثم ضربوه على رأسه وتوفي على الفور امام عيني ومن ثم نزعوا مني كيس البول وجميع الاجهزة الطبية الاخرى ونزعوا عني الغطاء الذي كنت اغطي به جسدي. اغتصبوني امام السائق مرة اخرى وتركوني عارية على صخرة على الشاطيء حتى اموت هناك، وقالوا الآن ستموت من تلقاء نفسها. بقيت طوال الليل في ذلك الوضع وكان السائق ينظر الي برأفة، وفي اليوم التالي عاد المسلحون وطلبوا من السائق ان يعيدني من حيث جئت ثم اعادني السائق الى المستشفى في بيروت في وضع أسوأ مما كنت عليه، غير قادرة على التكلم على الاطلاق، ورفضت رؤية احد وازدادت النوبات الهيستيرية وبقيت لمدة سنتين بعد ذلك التاريخ غير قادرة على التكلم جالسة على كرسي متحرك، مع كل تلك المعاناة في داخلي التي كتب علي ان اعيش معها. بروكسل ـ «البيان»: