في الفترة من 14 يونيو إلى 13 يوليو 1998 انعقد في روما المؤتمر الدولي الدبلوماسي برعاية الأمم المتحدة وبمشاركة 160 دولة و31 منظمة دولية حكومية و136 منظمة غير حكومية، وقد انتهى هذه المؤتمر الى اقرار النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية وهو مايعد خطوة هامة على طريق توفير الضمانات اللازمة لحقوق الإنسان وحرياته بصفة عامة، والتصدي للانتهاكات الخطيرة لهذه الحقوق في أوقات النزاعات المسلحة الدولية والداخلية. ووفقا للنظام الأساسي لهذه المحكمة فانها تختص بالنظر في عدة أنواع من الجرائم هي: ـ جرائم العدوان. ـ جرائم الابادة التي تستهدف مجموعة قومية أو عرقية أو دينية. ـ الجرائم ضد الإنسانية التي تشمل جرائم العبودية والتعذيب والاغتصاب والاجبار على الحمل والعقم. ـ جرائم الحرب التي تتمثل في الانتهاكات الخطيرة لاحكام اتفاقية جنيف لعام 1949 التي تحكم النزاعات الدولية. وقد بينت المادة الثامنة الفقرة الثانية من النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية جرائم الحرب بالتفصيل ووفقا لأحكام هذه المادة يطلق هذا الاصطلاح على أشكال عديدة من انتهاكات حقوق الإنسان في وقت الحرب كالقتل العمد والتعذيب والمعاملة غير الإنسانية بما في ذلك اجراء تجارب طبية وإلحاق تدمير واسع النطاق بالممتلكات والاستيلاء عليها دون أن تكون هناك ضرورة عسكرية تبرر ذلك، وأخذ الرهائن، تعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين بصفتهم هذه، أو ضد أفراد مدنيين لا يشاركون مباشرة في الأعمال الحربية وتعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين وضد المواقع المدنية التي لا تشكل أهدافا عسكرية، ومهاجمة وقصف المدن أو القرى أو المساكن وتعمد توجيه هجمات ضد المباني المخصصة لأغراض دينية أو تعليمية أو صحية أو فنية، وتدمير ممتلكات العدو أو الاستيلاء عليها دون مبرر تحتمه ضرورات الحرب. هذا هو آخر ما استقر عليه الفقه الدولي بصدد قضايا الحرب أو جرائم الحرب التي يمكن للمحاكمة الجنائية الدولية أن تنظرها وتباشر التحقيق فيها. وغني عن البيان ان اسرائيل تكاد أن تكون الدولة الوحيدة في العالم اليوم التي ارتكبت كافة أنواع جرائم الحرب بغير استثناء وبشكل مستمر ومتكرر على مدى مايزيد على نصف قرن من الزمان، وهناك العديد من الدراسات العربية والاجنبية التي وثقت لهذه الانتهاكات تفصيلا حيث بينت الانتهاك الاسرائيلي لحق الحياة للفلسطينيين وللعرب من خلال مايزيد عن مذبحة جرت في عام 1948 فقط هذا بالاضافة الى المذابح الأخرى التي حدثت في صبرا وشاتيلا وقانا وغيرها، انتهاك الحق في الحرية من خلال العديد من الاجراءات التي تشمل الاعتقال والتوقيف والمساءلة الجنائية والابعاد والمصادرة ونسف المنازل وفرض الاحكام العرفية وحظر التجوال، انتهاك الحق في محاكمة عادلة وانتهاك حرية الملكية والاستيلاء على الممتلكات الخاصة والعامة، انتهاك حرية العبادة وممارسة الشعائر الدينية وتدمير المقدسات، انتهاك حق الطفل من خلال القتل والتعذيب والاعاقة. والتفاصيل الواردة في هذه الدراسات الموثقة توثيقا دقيقا والمدعمة بالصور والمستندات قد لا يتحمل الكثيرون من البشر قراءاتها لما تحويه من أفعال وتصرفات غير انسانية لا يتصورها الانسان، وانما تقدم صورة لانحدار الاسرائيليين الذين ارتكبوا هذه الجرائم البشعة الى ماهو أدنى من الحيوان المتوحش المفترس. وبالرغم من توافر الأدلة على ارتكاب هذه الجرائم التي يؤكد فقهاء القانون الدولي انها لا تسقط بالتقادم الا أن امكانية تقديم مجرمي الحرب الاسرائيليين لم تتوافر بعد، وذلك نظرا لأن الجانب العربي لم يهتم الا مؤخرا بهذا الموضوع ولأن الاسرائيليين نجحوا لفترة طويلة في منع ظهور أي معلومات عنها، كما أن المجتمع الدولي لم تتوافر له الآليات الكفيلة بالتعامل المباشر مع مثل هذه الجرائم الا بدءا من عام 1998 مع اقرار النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية والجدير بالذكر أن اختصاص هذه المحكمة لا يمتد للجرائم التي حدثت قبل انشائها وهو مايعد نقطة هامة في نظامها الاساسي بالنسبة لامكانية تقديم مجرمي الحرب الاسرائيليين اليها الذين ارتكبوا جرائم قبل انشائها ومع ذلك فإن ما ارتكبه الاسرائيليون من يوليو 1998 وحتى الآن بحق الفلسطييين في الأراضي العربية المحتلة يكفي لتقديم المسئولين الاسرائيليين الى المحكمة لارتكابهم جرائم حرب على مرأى ومسمع العالم كله ومن خلال ما تبثه الأقمار الصناعية من برامج وصور وأخبار خاصة بهذه المذابح والانتهاكات الاسرائيلية لحقوق الإنسان العربي الفلسطيني. وإن كان الحديث يدور اليوم عن شارون ومحاكمته كمجرم حرب فإن هذا يرجع الى أن هذا الشارون من أكثر القادة الاسرائيليين تعبيرا عن هذه النزعة الوحشية الاسرائيلية، فشارون صبيا قام بخطف طفل فلسطيني يبلغ من العمر عشر سنوات عام 1944، وقام بفصل رأسه عن جسده بسكين بعد أن عذب الطفل تعذيبا بشعا أمام والده، ومن ذلك الحين وهو ينصح من يعملون معه بقوله: إذا تمكنت من عدوك فلابد أن تجعله يشعر بأنه يموت، لا أن يموت فورا فالموت الفوري راحة له. وشارون هو القائل أن أعلى الواجبات المقدسة لنا جميعا هو قتل العرب والفلسطينيين ولن اتخلى عن اداء هذا الواجب مادمت حيا، وشارون يجد المتعة في رؤية دماء الفلسطينيين تسيل وفي لوعتهم على قتلاهم وفي مشاهدة بكاء الأمهات على ذويهم، لأنه يرى أن حدوث هذا يعنى أن اسرائيل تسير على الطريق الصحيح. وشارون بتاريخه الدموي ارهابي اختاره الاسرائيليون رئيسا للوزراء برغبتهم وبأصواتهم وصل الى هذا الموقع، ومنذ وصوله بدأ ينفذ مخططه الدموي الذي أقسم يوما على تحقيقه اذا ماتولى رئاسة الوزراء لذلك كان تقييم الرئيس السوري بشار الأسد في قمة عمان الأخيرة للموقف صحيحا لأنه من الصعب أن نفهم أن في اسرائيل من يدعو الى السلام وأن الشعب الاسرائيلي يرغب في السلام ثم يقوم هذا الشعب بانتخاب شخص ارهابي دموي لهذا المنصب. والواقع أن هذا التقييم السوري قد اثار اعتراضات أمريكية واسرائيلية الا انه في ذات الوقت اثار انتباه العديد من القوى السياسية في أوروبا وفي اسرائيل ذاتها حول حقيقة مايجري في فلسطين المحتلة والجرائم التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني، ومن ثم بدأت حركة دولية غير حكومية لمحاكمة شارون كمجرم حرب. الا أن شارون ليس مجرم الحرب الاسرائيلي الوحيد فهناك مناحم بيجن من قبل واسحاق شامير واسحاق رابين صاحب استراتيجية تقطيع أقدام الاطفال الفلسطينيين، وهناك شيمون بيريز وايهود باراك وغيرهم كثيرون لا يقلون عن شارون فيما ارتكبوه من جرائم والفارق بينهم وبين شارون انه لا ينكر ولا يتجمل بل يظهر بوجهه القبيح متفاخرا بهذه الجرائم التي يرى انها من قبيل الواجب المقدس. الا أن مايجب الاهتمام به أن شارون ورفاقه لن يكونوا آخر مجرمي الحرب الاسرائيليين، فالمدارس الدينية اليهودية التي يرعاها حزب شاس وغيره من الأحزاب الدينية اليهودية المتطرفة تعد مجرمين جددا أو مجرمي المستقبل ومن هنا تأتي أهمية محاكمة شارون الحالية ذات الأهمية الرمزية للادانة الدولية لمثل هذه الجرائم، لانها تتيح الفرصة للجانب العربي للكشف عما يحدث من داخل المجتمع الاسرائيلي من نشاطات عنصرية عدوانية ضد العرب الذين تبنوا السلام كخيار استراتيجي، ومن ثم يمكن ابراز الوجه الاسرائيلي القبيح أمام العالم أجمع. إن معظم الدراسات القانونية المتخصصة توضح صعوبة محاكمة مجرمي الحرب الاسرائيليين امام القضاء الدولي بما فيه المحكمة الجنائية الدولية، لاعتبارات عديدة بعضها قائم في الأطر القانونية المنظمة لعمل القضاء الدولي وبعضها يرجع الى أن تقديم شخص ما كمجرم حرب يرتبط بموافقة دولته في بعض الحالات ويرتبط بالاجماع الدولي على تشكيل محكمة لجرائم الحرب من حالات آخرى، وهي أمور صعبة من حيث التحقيق بالنسبة لجرائم اسرائيل في الأمد المنظور. ومن ثم فإن اللجوء الى أسلوب القضاء الأهلي غير الحكومي في هذا المجال أمر له قيمته المعنوية الهامة والتي لا يمكن تجاهلها بل والتي يمكن توظيفها التوظيف الملائم في الحالة العربية الفلسطينية لتحقيق ما يلي: ـ التأكيد على حق الشعب العربي الفلسطيني والشعوب العربية المحتلة أراضيها من قبل اسرائيل في مقاومة المحتل استنادا الى احكام القانون الدولي في هذا الشأن خاصة وأن الجرائم التي ترتكبها اسرائيل بحق العرب توفر الشروط الموضوعية للدفاع عن النفس، ومن ثم فما يطلق عليه الاسرائيليون والأمريكيون الآن أعمال العنف هي في حقيقة الأمر من قبل مقاومة الشعوب المحتلة اراضيها للدفاع عن نفسها وحياتها وهو بعيد كل البعد عما يطلق عليه الغرب واسرائيل الارهاب. ـ تسجيل وتوثيق الجرائم التي ارتكبها ويرتكبها الاسرائيليون بحق العرب، لحين توافر الشروط والظروف الموضوعية لعقد محاكمة دولية لمحاكمة مجرمي الحرب الاسرائيليين. ـ تشجيع القوى الدولية الداعية لحقوق الإنسان على الاستمرار في رصد وتوثيق جرائم الحرب الاسرائيلية الجديدة بحيث تتاح امكانية عرضها على المحكمة الجنائية الدولية اذا ماتوافرت الظروف الملائمة. ـ تحميل الحكومة الاسرائيلية مسئولية الاعداد لجرائم حرب جديدة من خلال الكشف عما يحدث في بعض المؤسسات الاسرائيلية في هذا الصدد. ـ التأكيد على المبدأ القانوني القائل بأن جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم بدليل أن اليهود مازالوا يبحثون عمن ارتكب جرائم حرب بحقهم في الحرب العالمية الثانية. ـ ابراز أن ما يرتكبه الاسرائيليون لن يكون بغير ثمن بل انه يقود المنطقة الى الدخول في دائرة الانتقام المعتاد وهي دائرة تخرج عن نطاق السيطرة والتحكم. ـ اعطاء الفرصة للمنظمات العربية الأهلية غير الحكومية المعنية بقضايا حقوق الإنسان للاسهام في النشاط الدولي القائم في هذا الصدد خاصة وأن الجمعية العربية لحقوق الإنسان تتوافر لديها ملفات كاملة موثقة حول الانتهاكات الاسرائيلية لحقوق الإنسان العربي من وقت السلم ووقت الحرب. ويبقى أن نؤكد على أن هذه الامور ذات الطابع الرمزي المعنوي المتعلقة بإدانة اسرائيل وقادتها لارتكابهم جرائم حرب وان كانت لها قيمة انسانية ومعنوية الا انها لا تعنى أن اسرائيل ستتوقف عن ارتكاب جرائمها ومن ثم فإجبار اسرائيل على التوقف عن هذه الجرائم لا يكون الا من خلال وضع استراتيجية عربية متكاملة لادارة الصراع مع اسرائيل تقوم على اصلاح الخلل في توازن القوى العربي الاسرائيلي وتعبئة الموارد العربية الاسراتيجية لردع اسرائيل وتحقيق التضامن العربي المفقود، حيث أن الخطر يهدد جميع العرب فشارون يقول: (إذا أردت أن تحيا فاقتل الفلسطينيين، وإذا أردت أن تشرب الماء فاقتل كل العرب، وإذا أردت أن تنام فادفنهم بعيدا عنك، فهؤلاء لا يجب أن يكونوا بجوار شعب الله المقدس). بقلم: أ.د محمد سعد أبوعامود ـ أستاذ العلوم السياسية ـ جامعة القاهرة