يواجه علماء روسيا معضلة كبيرة جدا، اذ عليهم الاختيار بين العيش على الاجور الشهرية الضئيلة التي تعطيها لهم معاهد الدولة ولا تبلغ اكثر من 50 دولارا، أو العمل في معاهد ابحاث الشركات الاجنبية لمواجهة متطلبات الحياة، ولكن مع تحسب القاء القبض عليهم في اي وقت وزجهم في السجن بتهم التجسس. وقال مهندس الفضاء فالنتين دانيلوف لاحدى الصحف الاسبوع الماضي من زنزانته في مدينة كراسنويارسك في سيبيريا «مارست البحث العملي لما يزيد على 30 عاما ولا شك في أنني أسديت عملا نافعا لبلادي، وجزائي أن أتهم بالخيانة». وقد عاني دانيلوف «52 عاما» يوم الثلاثاء الماضي مما اشتبه في كونه أزمة قلبية ونقل إلى مستشفى محلي حيث تلقى العلاج وهو مقيد بسريره وتحت حراسة مسلحة. ومن الامثلة المحزنة عما يحدث عندما تنقلب أنشطة العمل الاضافي على أصحابها حالة هذا العالم في مجال الدروع الواقية من الاشعاع لاقمار الاتصالات الصناعية والذي احتجزه جهاز المخابرات الداخلية الروسية إف.إس.بي وهو الجهاز الذي خلف أساسا الكي.جي.بي السوفييتي السابق، في فبراير الماضي لقيامه بتوفير معلومات إلى شركة صينية. ويؤكد أن المعلومات التي قام بنقلها لم تكن سرية وكانت متاحة ويؤكد الامر ذاته زملاء له في معهد أبحاث الطبيعة الحرارية وخبراء في أكبر هيئة روسية لتصميم وتصنيع الاقمار الصناعية. ولكن جهاز المخابرات الداخلية الروسي وحده يرى أن دانيلوف ساعد على دفع تطور برنامج الاقمار الصناعية الصيني بخمسة عشر عاما وأن عليه أن يواجه اتهامات بالخيانة تصل عقوبتها إلى السجن لمدة 20 عاما. والان وربما بناء على توجيهات من جهاز المخابرات أصدرت الاكاديمية الروسية للعلوم قرارا لرؤساء المعاهد العلمية باتخاذ إجراءات مشددة على العاملين تتضمن التدقيق في كافة المنح الاجنبية التي يحصلون عليها والمؤتمرات التي يحضرونها في الخارج والتأكد من تقديم تقارير كاملة. وقد قال جورج سوروس رجل الاعمال الامريكي غاضبا في مؤتمر صحفي عقد مؤخرا في موسكو «هذه عودة للنظام السوفييتي (الذي كان يفرض قيودا صارمة على العلماء)». وقال سوروس انه لو علم أن هذا سيحدث في روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، لما قدم منحا تصل إلى 100 مليون دولار لدعم قطاع العلوم المتعثر فيها. والحقيقة ان جهاز المخابرات الداخلي يعاني من مشكلة تعريف ما يعتبر سرا من أسرار الدولة وما لا يعتبر كذلك بين فيض المعلومات الذي أطلق قبل عقد مضى بعد انفراط القيود السوفييتية. والكثير من تلك المعلومات طاف بالفعل بعيدا على طريق نقل المعلومات السريع وغالبا ما يعاود الظهور مرة أخرى بعد أعوام بما يثير رد فعل مبالغ فيه من جانب جهاز الامن. وقد أصيب أحد كتاب المقالات العلمية بصحيفة وطنية بالذهول بعد تلقيه تهديدا من الجهاز باتخاذ إجراء ضده «لافشائه أسرار الدولة» بعد أن كتب مقالا نشر في الصفحة الاولى مستندا إلى مصادر على الانترنت عن مدفع صممه الجيش السوفييتي لاستخدامه على متن محطة الفضاء مير في الثمانينيات. ومن بين المتخصصين الذين يواجهون السجن لمدة عشرين عاما بتهمة الخيانة إيجور سوتياجين ويعمل في المعهد الروسي لدراسات الولايات المتحدة وكندا والذي قضى شهورا عديدة في السجن خلال محاكمته. ويتهم سوتياجين بتقديم معلومات سرية عن الاسلحة النووية الروسية لشركة تتخذ من لندن مقرا لها ويزعم الاف.إس.بي أنها على علاقة بأجهزة مخابرات أجنبية. ويقول دفاع سوتياجين أن كافة المعلومات تأتي من مطبوعات روسية وأجنبية عامة. ويصف إدوارد كروجلياكوف نائب مدير المعهد الذي يرأسه دانيلوف القضية ضد رئيسه بأنها «تبدو سخيفة». ويعتقد أنه على محاميي الدولة وليس الاف.إس.بي القضاء على نقاط اللبس والثغرات المتعلقة بالتكنولوجيا والمعلومات والتي بالطبع يستغلها المنافسون والحكومات الاجنبية، بدلا من «تخويف العلماء». وقال «لقد شهدت للاسف أكثر من حالة قامت فيها دول غنية ومتحضرة بسرقة بلادنا على أساس قانوني تام». د.ب.ا