اظهرت دراسة محلية لاثرالعنف على الاطفال في ظل الانتفاضة ان اطفال فلسطين كبروا وشبوا على اعمارهم ونضجت الاهتمامات لديهم قبل الاوان. وقالت منسقة دائرة التنمية في جمعية الهلال الاحمر الباحثة امل شماسنة ـ معدة الدراسة ـ ان الاطفال بين سن 6 ـ 18 عاماً مهتمون بالسياسة ويشغلهم الهم الوطني التحرري اكثر من اي امر اخر. وعزت الباحثة التغير الجوهري في السلوك والاهتمامات الى العنف الدموي الاحتلالي المتواصل لقمع الانتفاضة وعوامل اخرى ترتبط به. واجريت الدراسة في الثلث الاول من العام الجاري على عينة «بؤرية» «ممثلة» ضمت 76 طفلاً وطفلة تتراوح اعمارهم بين 6 ـ 18 عاماً يمثلون مختلف المحافظات. وتم اختيار العينة من بين اخوة ابناء واقارب واصدقاء شهداء وجرحى، ومن اطفال في مواقع المواجهات للوقوف على المعاناة واستقائها من مصادرها المباشرة باتاحة الفرصة للعينة للتعبير الحر عن احساسها بالحديث والمناقشة والرسم. واظهرت النتائج حقيقة ان الاطفال يدركون انهم مستهدفون من قبل قوات الاحتلال استراتيجياً كونهم جيل المستقبل، وهذا ادراك يؤثر مباشرة على السلوك اليومي ويتهدد حياة ومستقبل الاطفال. واعتبر الاطفال ان لهم دوراً في الانتفاضة يحتم عليهم المشاركة اليومية في الفعاليات سواء باخلاء الجرحى او الانضمام لمسيرات الاحتجاج والتضامن ورشق الحجارة. مما يعني ان الطفل يعيش الحدث، يؤثر ويتأثر به ايجاباً وسلباً بمشاركة كاملة في الوضع الحالي للانتفاضة ويتحمل مسئوليات تفوق قدراته وامكاناته. واكدت التوصيات تجذر الانتماء والانخراط في الهم الوطني والانشغال به وصبغت توصيات العينة بطعم وعمق سياسي خالص تتمحور حول المطالبة بالتضامن العربي والتمسك بالحقوق والقضية الوطنية واستمرار الانتفاضة ومطالبة الاشقاء برفدها بالسلاح لاصلاح الخلل العسكري القائم والمطالبة بحماية دولية. ودلت تعابير اطفال العينة على قلق خاص من تدني التحصيل العلمي جراء اغلاق المدارس والشوارع والحصار وتكرار التغيب القسري والاعتداءات الاحتلالية على المدارس وتجدد المواجهات في ساحتها ومحيطها. وعموماً عبرت عن قلق وشعور بعدم الرضى والامان وغياب التفاؤل بالمستقبل والخشية العارمة من الاعاقة والتشوه ربما اكثر من الاستشهاد لادراكهم الاستهداف المميت لخلق جيل من المقعدين والمعاقين لكبح المشاركة في الانتفاضة. وتنسجم نتائج الدراسة مع استطلاع للرأي اجراه مؤخراً برنامج دراسات التنمية في جامعة بيرزيت اظهر ازدياداً مضطرداً في الاحساس بعدم الامان وتضاعف نسبة الحالات النفسية بين الاطفال والتي وصلت الى 75%. وسبق للباحثة شماسنة ان قدمت الدراسة في المؤتمر العربي بعنوان «بيئة خالية من العنف للاطفال العرب» الذي عقد في مركز الحسين الثقافي في العاصمة الاردنية عمان اواخر ابريل الماضي تحت رعاية الملكة رانيا العبدالله وبمشاركة وفود من دول عربية اضافة لفلسطين والاردن والعراق واليمن، مصر، سوريا، لبنان. وقالت شماسنة ان الدراسة حازت على رضا واعجاب الوفد باعتبارها اهم الدراسات المتخصصة المقدمة للمؤتمرالذي هدف لبلورة توصيات لدفعها الى قمة الطفل في نيويورك «هيئة الامم المتحدة» وجامعة الدول العربية حيث قدمت ضمن البند المتعلق بالعنف ضد الاطفال في احوال الصراعات السياسية. دوافع الاطفال وسعت الدراسة الى رصد وتحليل اثر الانتفاضة على الطفل من كافة النواحي النفسية، الاجتماعية، الاقتصادية، الاعلامية، السياسية، الصحية، والتعليمية. واستنباط دوافع مشاركة الاطفال في الانتفاضة وابراز توصياتهم في المؤتمر. واوضحت الباحثة ان استطلاع ومسح التأثيرات تم من خلال اتاحة الفرصة لاطفال العينة بالتعبير عن انفسهم بالحديث والنقاش والرسم وجرى التركيز على آلية الرسم كوسيلة نوعية تعبيرية وتشخيصية للتعرف على اثر الانتفاضة على مختلف الجوانب المتعلقة بالطفل ولتكون دليلاً تاريخياً على معاناة الطفل الفلسطيني. وللتعرف على معاناته واثارها قالت: طالبنا الاطفال برسم ما يشعرون به لتجسيد الانتفاضة ومن ثم طالبناهم بتوثيق الرسم بوضع عنوان . واجريت مقابلات فردية للاطفال لاتاحة فرصة الحديث وشرح الرسوم قبل تسجيل المعلومات التعبيرية والتصويرية والتشخيصية للرسومات. وابرزت الرسومات عموماً حجم الدمار الهائل الذي الحقه جيش الاحتلال بالبيئة المحيطة بالطفل، وشخصت الموت والشهادة والاصابة والاعاقات بالوان الدم وظهر الخوف من القتل والاعاقة والنظرة السوداء للمستقبل المجهول. وعبر الاطفال عن قلقهم بالقول ان الجنود يريدون خلق جيل معاق. باطلاق الرصاص على الارجل لردع الاطفال والشباب عن المشاركة وزرع الذعر في النفوس. واوضحت شماسنة ان 52 رسماً «نحو 70%» اظهرت ان الانتفاضة ومحاولات قمعها بالقوة اثرت بشكل مباشر على النواحي النفسية والاجتماعية والتعليمية الصحية والسياسية والاعلامية لديهم. وقالت ان 11 طفلاً عبروا في رسوماتهم عن توصيات تناسب اعمارهم عندما اوصوا بايجاد حلول تخفف من وطأة الضغط الواقع عليهم تمثلت بعبارات عنونت او تضمنتها الرسومات «انقذونا». وعبر 13 طفلاً عن دورهم في الانتفاضة في اخلاء الجرحى ورشق الحجارة واجمالا اظهر الاطفال في رسوماتهم الجانب الحربي واعمال القمع والعدوان الاحتلالي المتعددة من قتل وقصف وتدمير وتجريف الاراضي واقتلاع اشجار وقصف المدارس وسيارات الاسعاف. وجسد الاطفال اختلال موازين القوى وعدم التكافؤ العسكري وفي التسليح واضافوا الحقد الاسود للترسانة الاسرائيلية في مواجهة رماة الحجارة وحملة المقاليع. وعزت شماسنة تأثيرات انتفاضة الاقصى على الاطفال مقارنة مع الانتفاضة السابقة الى حدة المواجهات وعنفها الى جانب القصف الجوي والصاروخي والمدفعي والرشاشات الثقيلة وخاصة القصف الليلي الامر الذي وسع دوائر الاثر والحظر.. خارج نقاط المواجهة والصدام المحددة.. والتي يعرفها الاطفال جيداً بشتى الوسائل ويشاركون فيها بشكل مباشر او غير مباشر. واكدت الباحثة على ما ذهب اليه الاطفال من استهداف احتلالي لهم وقالت ان معظم الشهداء في الانتفاضة.. المستمرة من الفئة العمرية بين 11 و 36 سنة وهو ما يدل على الاستهداف من ناحية وحجم المشاركين من الناحية الاخرى اضافة الى اصابة 1932 طفلاً بجروح حتى 17 فبراير الماضي موضحة ان اصابات الاطفال تركزت في الرجل والفخذ اكثر من غيرها.. «الرأس واليد» مما يشير الى ان الاحتلال يريد اطفالاً لتثبيت الخوف لدى اترابهم وفرض الخوف من المواجهات. واستخلصت الدراسة جملة من التوصيات خرج بها اطفال العينة لأنفسهم وللدول العربية والمجتمع الدولي والتي من شأنها التغلب على الحالة الراهنة التي يرون انها تتلخص في طلب حماية دولية، والدعوة الى وحدة الدول العربية ومطالبتها بارسال الاسلحة لاجراء التكافؤ العسكري وتحرير القدس والدعم بالمواد الغذائية، والافراج عن المعتقلين، مقاطعة المنتجات الاسرائيلية وتشجيع الوطنية منها، وعدم الاعتماد على العمل في اسرائيل وعدم هجرة المتعلمين من الوطن حتى رحيل الاحتلال والمفسدين. دعوة لانقاذ الاطفال وعلى ضوء تشخيص الحالة والمعاناة والاحتياجات وادراك اثار الاحداث المباشرة والمستقبلية المحتلة على الاطفال قدمت الدراسة 1343 توصية لمساعدة الاطفال في التغلب على مشاكلهم النفسية والاجتماعية والتعليمية من خلال تأهيل الاطفال الذين يعانون مشاكل نفسية من خلال طواقم متخصصة من دول اخرى جراء نقص المتخصصين في مجال الارشاد والتأهيل النفسي وتفعيل الجانب الاعلامي في توعية الطفل. بحقه في الحياة ومعرفة حقيقة ما يدور حوله والعمل على الزام اسرائيل باتفاقية حقوق الطفل واجراء دراسة اوسع واشمل للوقوف على الآثار النفسية لدى الاطفال في ظل الانتفاضة. تبني واعتماد برامج لتعليم الاطفال، وتحذيرهم قبل عرض مشاهد العنف والقتل على الشاشات. تخصيص اوقات من الدوام المدرسي لتناول الاحداث وحقيقة الوضع، تشكيل لجان طلابية في المدارس لزيارة زملائهم الجرحى ودعم معنوياتهم، تدريب الطلاب على الاسعاف الاولي وتزويد المدارس بمواد الاسعاف وتشكيل لجان اخصائيين اجتماعيين داخل المدارس لمساعدة الطلاب على التعبير عن انفسهم ومساعدتهم في توضيح الحدث. رغم ماتقدم تقول شماسنة الا ان للانتفاضة اثاراً ايجابية كبيرة انعكست على الاطفال وخاصة في المجال السياسي مثل زيادة الاهتمام باحداث الانتفاضة وتنامي الشعور بحق فلسطين في الحرية وزيادة المعرفة والتمسك بحق اللاجئين في العودة وتبادل الشعور والمشاعر مع المنتفضين ورماة الحجارة ومشاركتهم في ذلك وجمع الحجارة، واعدادها وايصالها للشبان، وزيادة التفاعل والتضامن الاجتماعي من خلال المشاركة في المسيرات ورفع الاعلام والقاء كلمات التضامن والاحتجاج والمشاركة في التشييع والرثاء والعزاء وعيادة الجرحى واسر الشهداء. وعددت الدراسة الآثار السلبية للاحداث على الاطفال في مختلف الجوانب النفسية وتمثلت في الجنوح للعنف، الخوف والقلق والتوتر وتدني التحصيل العلمي وقلة الاهتمام بالدراسة جراء الانشغال باحداث الانتفاضة اضافة الى الآثار السلبية على الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والصحية. لكن اخطر ما يحدق بالاطفال هو موت الاحلام، قالت شماسنة: جراء فقدان الامل بالحياة. وعدم اكمال الدراسة لاسباب الاعاقة والاغلاقات والاصابة والمرض النفسي، وهو ما يتطلب تضافر الهجود لاعادة الاحساس بالامن والامان والتفاؤل بالمستقبل للاطفال. القدس المحتلة ـ عبير محمد: